بث تجريبي

هل تستطيع دمشق بناء صيغة تتسع لتعدد مكوناتها؟

في العشرين من أغسطس 2026، أعلن القيادي الكردي «مظلوم عبدي» من قامشلي اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية للإدارة الذاتية في الدولة السورية، وقال إن «مرحلة جديدة تبدأ»، وإن النضال سيتواصل لانتزاع الحقوق الكردية في الدستور. وتفيد تقارير بأن الإدارة الذاتية و«قسد» حُلّتا رسميًا في الخامس والعشرين أو السادس والعشرين من الشهر نفسه. غير أن الأسابيع التالية أظهرت أن الدمج المؤسسي لا يعني تلقائيًا اطمئنان المجتمع؛ ففي سبتمبر، اندلعت في كوباني احتجاجات بعد مقتل مقاتل كردي سابق اختُطف وعُثر على جثته، وانتهت بحريق في سجن المدينة قتل سبعة نزلاء. وفي أكتوبر، شهدت الحسكة سلسلة من الاحتجاجات في أيام الجمعة، بدأت تحت شعار «جمعة استعادة السيادة»، وطالب فيها المشاركون بإنهاء الهياكل الأمنية والإدارية الموازية، فيما نظم الكرد إضرابات مدرسية ووقفات للمطالبة بالتعليم بلغتهم الأم. ورُفعت في بعض المسيرات شعارات وصور عدائية للكرد، وقالت الخارجية الأمريكية إنها «قلقة» وتتابع الأحداث، وأعلنت الحكومة السورية السعي إلى نهج وطني لمواجهة خطاب الكراهية.

                                                            الباحث/ محمد صابر

ولفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى مسار العام؛ فبعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، وقّع الرئيس «أحمد الشرع» و«مظلوم عبدي» اتفاقًا إطاريًا في العاشر من مارس 2025، لم يُنفذ بسبب غياب الثقة وتباين الرؤى حول شكل الدولة. ثم أصدر الشرع في مارس إعلانًا دستوريًا لخمس سنوات، رفضته الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية؛ لأنه لا يعترف صراحة بالمكونات ويمنح الرئيس سلطات واسعة. وفي يناير 2026، حسمت جولة عسكرية خاطفة ميزان القوى، إذ فقدت «قسد» العديد من المناطق التي كانت تسيطر عليها بحلول الثامن عشر من الشهر، وانسحبت من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب في العاشر منه، مع نزوح ما يصل إلى 148 ألف شخص، وانتقلت الرقة ودير الزور إلى سيطرة الدولة. وصدر في السادس عشر من يناير المرسوم رقم 13 بشأن الحقوق الكردية، ثم أُعلن وقف إطلاق النار في الثامن عشر، واتفاق شامل في التاسع والعشرين برعاية أمريكية وفرنسية وبتأييد تركي، نصّ على دمج وحدات «قسد» في الجيش، وانتشار قوات الأمن الحكومية في مركزي الحسكة والقامشلي، ودمج المؤسسات المدنية تدريجيًا.

وعليه، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الدولة قادرة على بسط سيطرتها، فقد حُسم ذلك إلى حد بعيد، وإنما أي دولة ستنشأ؟ دولة مركزية تستوعب المكونات إداريًا وتبقي القرار السياسي والأمني في المركز، أم دولة تقوم على شراكة قانونية ودستورية تضمن للكرد والعرب والسريان وغيرهم حقوقًا لا تتوقف على مرسوم أو على موازين قوى لحظية؟ وتزداد حساسية السؤال لأن الكرد يحملون ذاكرة تاريخية من الحرمان تشمل إحصاء 1962 في الحسكة، الذي جرّد كثيرين من الجنسية، وسياسة «الحزام العربي»، وحظر اللغة والاحتفال بالنوروز، بينما تحمل بقية المكونات هواجسها الخاصة من تجربة الإدارة الذاتية ومن أي ترتيبات قد تُقرأ على أنها امتياز لطرف دون آخر.

وتأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه المقالة إلى تحليل انتقال الدولة السورية من منطق السيطرة على الأرض إلى منطق بناء المؤسسات والتمثيل والشرعية؛ وقراءة وضع المكوّن الكردي بين ضمان الحقوق ومتطلبات وحدة الدولة، بما في ذلك رؤية القيادة الكردية كما يعبر عنها «آلدار خليل»، وحدود ما تحقق في الجنسية واللغة والإدارة المحلية والأمن والعودة؛ وتقدير قدرة دمشق على بناء عقد وطني جديد يشمل الكرد والعرب والسريان والدروز وغيرهم، وما الذي يمكن أن يجعل هذا العقد قابلًا للحياة.

بناء الدولة:

حققت الدولة بحلول صيف 2026 مكاسب مادية واضحة؛ فقد تسلمت «الشركة السورية للبترول» حقول رميلان والسويدية، وبدأت وزارة النفط التعاقد مع شركات كبرى، منها «HKN» الأمريكية. وفُتح معبر اليعربية مع العراق، وأُدخل معبر سيمالكا في منظومة الجمارك الموحدة، ويصب عائده في الموازنة العامة منذ الأول من يونيو، مقابل تعهد الحكومة بتغطية التزامات الإدارة الذاتية المتبقية، فيما بقي معبر القامشلي–نصيبين مع تركيا مغلقًا بعد 14 عامًا، مع إبداء الجانب التركي استعداده لإعادة فتحه. وتزامن فقدانها مع تحول أمريكي معلن؛ فقد قال المبعوث «توم باراك» إن دور «قسد» الرئيسي في مواجهة تنظيم الدولة «استنفد أغراضه إلى حد بعيد»، ونُقل آلاف الموقوفين إلى العراق، وتشير التقارير إلى توجه واشنطن لسحب قواتها بالكامل. وعلى الصعيد العسكري، شُكلت ثلاثة ألوية في الحسكة ضمن «الفرقة 60»، ولواء في كوباني ضمن «الفرقة 72»، وانضم عناصر «الأسايش» تدريجيًا إلى الأمن الداخلي، وأُعلن حل «قسد» رسميًا بعد أن بلغ قوامها نحو 70 ألف مقاتل.

لكن هذه المكاسب تعالج جانب السيطرة ولا تحسم مسألة الشرعية، وقد قدمت جولة يناير درسًا مهمًا في هذا الباب؛ فسقوط الرقة ودير الزور بتحول وحدات عربية وعشائر عن «قسد» بيّن أن أي سلطة تحكم مناطق ذات أغلبية مختلفة عن قاعدتها الاجتماعية لا تستطيع الاعتماد على القوة وحدها. والمنطق نفسه يسري اليوم على دمشق في الاتجاه المعاكس؛ فهي تحكم مناطق كردية متجانسة ومناطق مختلطة في الحسكة وكوباني ورأس العين، وفي هذه البيئات تتحول القوة غير المصحوبة بقبول اجتماعي إلى مصدر للتوتر لا للاستقرار. وتكشف احتجاجات الحسكة هذه الازدواجية؛ فمطالب المحتجين المؤيدين للحكومة بإنهاء الهياكل الموازية، وبتعيين المسؤولين وفق الكفاءة، وبتمثيل عادل للعرب والكرد والسريان، تعكس شكاوى حقيقية من تكرار البلديات والشرطة والنقل ورخص السيارات، لكنها اقترنت في بعض المسيرات بشعارات وصور عدائية للكرد، ما يعني أن حل الازدواجية المؤسسية يحتاج إلى معالجة تحفظ حقوق جميع الأطراف ولا تتحول إلى استبدال إداري على أساس الهوية.

وتبرز هنا معضلة «التسلسل» التي أشار إليها «آلدار خليل»، عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، حين رأى في مطلع يناير أن النقاش حول الدستور وشكل الحكم يجب أن يسبق تنفيذ اتفاق العاشر من مارس. فقد جرت الأحداث بعكس ذلك؛ إذ أُنجز الدمج العسكري والأمني والإداري خلال سبعة أشهر، بينما لم تتشكل بعد لجنة صياغة الدستور الدائم، ولا تزال الحقوق الكردية قائمة على مرسوم رئاسي. ومن زاوية الدولة، فإن احتكار القوة ووحدة المؤسسات شرطان مسبقان لأي بناء سياسي، ولا يمكن مناقشة شكل الحكم مع أطراف تحتفظ بقوة مستقلة، أما من زاوية الكرد، فقد تخلوا عن ورقة الضغط الرئيسية قبل الحصول على ضمانات دستورية. وقد عبّر عن ذلك عبدي حين قال إن السلطات الكردية قبلت مؤقتًا لافتة عربية فقط على قصر العدل في الحسكة لتجنب الإضرار بعملية الدمج، وإن المسألة ستُعالج لاحقًا، وعبّر عنه «سيهانوك ديبو» بإصراره على ضمانات دستورية وبقوله إن الحل «لا يعني الإلغاء». والخلاصة أن فجوة الثقة لا تُردم بالضمانات اللفظية، وأن وتيرة الوفاء بالالتزامات اللاحقة ستحدد ما إذا كان الدمج استقرارًا أم استسلامًا في نظر الكرد.

ويزيد الإطار السياسي الانتقالي من حساسية الموقف؛ فالإعلان الدستوري، الذي ينص على أن الإسلام دين رئيس الدولة وأن الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع، لا يعترف صراحة بالكرد أو بغيرهم، ويمنح الرئيس صلاحية تعيين ثلث مجلس الشعب وقضاة المحكمة الدستورية دون موافقة برلمانية، ولا يتضمن منصب رئيس وزراء. وقد انعقد المجلس المكون من 210 مقاعد في الثاني عشر من يوليو بحضور 206 أعضاء، اختير ثلثاه عبر هيئات محلية عيّنتها السلطة الانتقالية، وعيّن الرئيس ثلثه، ولم تتجاوز نسبة النساء نحو 10%، ولا توجد حصص مضمونة للمكونات. ومن الكرد، ضم المجلس «عبد الحكيم بشار» من المجلس الوطني الكردي بالتعيين، ومن السريان «غبريئيل موشي قارح» من المنظمة الآشورية الديمقراطية. وقاطعت أحزاب الإدارة الذاتية انتخابات الحسكة في مايو، ولا تزال مقاعد السويداء المنتخبة شاغرة.

 ضمان الحقوق:

تتجاوز المسألة الكردية في سوريا حدود الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية، لتطرح أسئلة أعمق بشأن شكل الدولة وطبيعة العلاقة بين المركز والمكونات المحلية، وحدود التوازن بين وحدة البلاد وضمان التعددية. وبين الخطوات التي اتخذتها السلطة الانتقالية ومطالب القوى الكردية، تظل الفجوة بين النصوص والممارسة اختبارًا حقيقيًا لجدية التسوية وإمكان تحولها إلى صيغة مستقرة. ويمكن رصد ملامح هذه المعادلة وحدودها عبر خمسة مسارات:

(1) الجنسية واللغة والهوية: ألغى المرسوم رقم 13 آثار إحصاء 1962، واعترف بالكردية لغة وطنية إلى جانب العربية، وأجاز تدريسها في المدارس العامة والخاصة في المناطق ذات الحضور الكردي، وجعل النوروز عطلة وطنية مدفوعة الأجر، وحظر التمييز العرقي واللغوي وعاقب التحريض، واعتبر الكرد جزءًا أصيلًا من الشعب السوري. ويرى مراقبون أن الشرع ذهب في هذا الباب أبعد من أي حكومة سابقة، وإن لم تُدرج الحقوق بعد في الدستور. أما التطبيق فما زال دون التوقعات؛ إذ قُدّم في المرحلة الأولى لمنح الجنسية نحو 10500 طلب فردي ونحو 2800 طلب عائلي، بحسب نائب محافظ الحسكة، وتبدأ المرحلة الثانية بمقابلات وعرض أمام لجان قضائية. وفي اللغة، حددت تعليمات وزارة التربية في أغسطس تدريس الكردية «لغة وطنية» بثلاث حصص أسبوعيًا في المناطق ذات الكثافة الكردية، وتذكر تقارير أن ذلك يشمل نحو 1400 مدرسة، واعترف مفاوض حكومي بأنه غير كافٍ، وانتقدت محامية هذا الحجم بقولها إن «ثلاث حصص لا تكفي لتعليم اللغة الأم»، وخرجت إضرابات واحتجاجات في معبدة ورميلان والقامشلي، ونُقل أن جامعة روجافا تتجه إلى التدريس بالعربية. وفي المقابل، ترددت أنباء غير مؤكدة عن تفاهمات تتيح تدريس خمس إلى ست مواد بالكردية، ولم يصدر عن الحكومة أو الإدارة الذاتية ما يؤكدها. وتؤكد واقعة قصر العدل في الحسكة، التي استُبدلت لافتتها الثنائية بالعربية والإنجليزية، فأزالها المحتجون، ثم رُكبت لافتة بالعربية فقط وأُزيلت أيضًا، أن مسألة اللغة تتجاوز التعليم إلى الاعتراف الرمزي، وأن الكردية تبقى «لغة وطنية» لا لغة رسمية. وهنا تلتقي مواقف الأطراف الكردية على مطلب واحد: تضمين المرسوم في الدستور؛ فقد دعا إليه حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، ومنه الحزب الديمقراطي الكردستاني–سوريا، على السواء، وهو إجماع يُعتد به لأنه يجمع قوى متباينة في علاقتها بدمشق.

(2) الإدارة المحلية والتمثيل السياسي: يتبنى الشرع نموذج الدولة المركزية القوية ويرفض الحكم الذاتي الإقليمي، وقد قالت الرئاسة السورية سابقًا إن الدعوة إلى الفيدرالية تهدد وحدة البلاد. وفي المقابل، دعا المؤتمر الكردي في القامشلي في أبريل 2025، الذي حضره نحو 400 شخص، إلى «دولة ديمقراطية لامركزية»، وإلى كون الكردية لغة رسمية ثانية، وإلى محافظات جديدة منها القامشلي وعفرين وكوباني، وهو سقف عده بعض المحللين افتتاحيًا قابلًا للتخفيف. ويبدو أن الصيغة العملية الناشئة تجمع بين حضور كردي في الإدارة المحلية وبقاء القرار السياسي والأمني للمركز؛ فقد عُيّن محافظ كردي للحسكة رشحته الإدارة الذاتية واعتمدته دمشق، وترأس بلدية القامشلي منذ يونيو شخصية كانت ضمن الإدارة الذاتية، وانتشرت قوات وزارة الداخلية في القامشلي والحسكة، وتوقع باحثون أن يبقى الحكم الذاتي الكردي قائمًا على المستوى البلدي أكثر منه على مستوى المحافظة. ويشير ممثل الإدارة الذاتية في دمشق «عبد الكريم عمر» إلى أن رؤيتهم لمستقبل سوريا قائمة على «اللامركزية الفاعلة» مع وحدة الدولة، وإلى أن حزب الاتحاد الديمقراطي ليس طرفًا في اتفاق 29 يناير، وأن مستقبل الأحزاب مرتبط بالدستور الجديد وقانون الأحزاب، وهو ما يعني أن البعد الحزبي للمسألة الكردية لم يُحسم بعد.

(3) الأمن والمرأة والعودة والمظالم: تجلى الخلاف الأوضح في ملف وحدات حماية المرأة؛ فقد رفضت وزارة الدفاع قبول وحدة قتالية نسائية لأن هيكلها لا يتضمن تشكيلات نسائية، وعرضت وظائف شرطية أو إدارية، فيما اقترحت الوحدات الانضمام إلى وزارة الداخلية كوحدة متخصصة في مكافحة الإرهاب، ولا يزال هذا الاقتراح قيد البحث، بحسب ممثل الإدارة الذاتية، بينما تفيد تقارير غير مؤكدة بالتوصل إلى تفاهم على دمجها في الداخلية. ويرتبط بذلك ملف العودة؛ فقد وصل آخر أفواج المهجرين إلى عفرين مع نهاية يوليو، وعاد في أغسطس أول فوج منظم إلى سري كانيه (رأس العين) بنحو 2500 شخص، بحسب وكالة فرانس برس، ثم تعرض بعض العائدين لاعتداءات، فأوقفت السلطات القوافل الرسمية احترازيًا بعد توقيف مشتبه بهم، ويطالب المهجرون بضمانات تتعلق بالممتلكات والأمن والخدمات. وتتصل هذه الملفات بمظالم أقدم، منها سياسة الحزام العربي التي يطالب الكرد بمعالجتها قانونيًا ودستوريًا، وإن لم تتضح بعد آليات التعويض ورد الممتلكات. وأمام هذه الحوادث، تتضح أهمية أن تُظهر الدولة قدرتها على حماية العائدين ومحاسبة المعتدين دون تمييز، لأن معاقبة الجناة ستكون المقياس الأبرز لمدى جدية الالتزام بالمواطنة المتساوية.(4) وحدة الدولة والهواجس المشروعة لدى الأطراف الأخرى: تقتضي الموضوعية الإقرار بأن مخاوف الطرف الآخر ليست كلها ذرائع؛ فالرئاسة السورية ترى أن التفاوض على الفيدرالية مع مكوّن واحد قد يفتح الباب لمطالب مماثلة لدى الدروز والعلويين وربما غيرهم، وتخشى تفتت الدولة بعد 14 عامًا من الحرب. ويتحدث كتّاب عرب عن مخاوف من «كانتون كردي» وعن هيمنة كوادر الإدارة الذاتية على الوظائف المحلية، وهي روايات يصعب التحقق من تفاصيلها، ويسوّق بعضها أرقامًا غير مؤكدة، لكنها تعبر عن شعور حقيقي لدى جزء من العرب في الحسكة بأن شراكتهم غير مكتملة. ومن جهة أخرى، تتحفظ تركيا على أي كيان كردي مسلح، وقد دعا الرئيس التركي «أردوغان» في الحادي والعشرين من يناير «قسد» إلى «إلقاء السلاح والحل فورًا»، لكنه رحب بوقف إطلاق النار، وأيدت أنقرة اتفاق يناير. ويخفف مسار السلام بين الكرد وتركيا، الذي بدأ في 2025، من الضغط الخارجي، ولا يزال «آلدار خليل» يرى في عملية السلام التركية خطوة تتجاوز تركيا إلى حل القضية الكردية في عموم كردستان. وبالمقابل، يعيد الانسحاب الأمريكي المخطط رسم المعادلة، لأن غياب الردع الأمريكي يضع أمن المناطق الكردية في يد الدولة السورية وحدها.

(5) قراءة في طرح آلدار خليل: يُعد «آلدار خليل»، عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، من أبرز أصوات هذا الحزب، ويمكن تلخيص طرحه كما ورد في لقائه الذي نُشر في الثالث من يناير 2026 وفي تصريحاته اللاحقة في ثلاث أفكار. أولها أن التغيير في سوريا اقتصر على «اسم وشكل» من يحكم، وأن السلطة الانتقالية لم تبادر إلى تطبيق اتفاق مارس رغم تمسك «قسد» به؛ وثانيها أن النقاش حول الدستور وصيغة الحكم يجب أن يسبق الترتيبات الأمنية، وأن الحل السوري يمر عبر مؤتمر وطني للحوار لا عبر حل «قسد» وحدها؛ وثالثها أن الديمقراطية والتعددية هما الضمانة ضد تكرار ما جرى في الساحل والسويداء. وقد قال في مراسم تشييع 23 مقاتلًا في القامشلي في مايو إن الكرد يواجهون جهودًا يومية لمحو وجودهم وهويتهم، وإنه سيتابع النضال من أجل سوريا ديمقراطية تحمي حقوق الكرد وسائر الشعوب. ونُقل عنه في أغسطس، بحسب عنوان نشره موقع «كرد أونلاين»، أن إزالة الرموز الكردية في الحسكة «لا تغير جوهر القضية»، كما أدان في يونيو الإساءات إلى اللباس العربي ووصفها بأنها تصرف فردي مرفوض. وتدل هذه المواقف على أن الخطاب الكردي يجمع بين التمسك بوحدة سوريا والدفاع عن الذاكرة الجماعية والتشديد على التعددية.

العقد الوطني الجديد:

يقوم العقد الوطني القابل للاستمرار على ستة مكونات متكاملة، لا يغني أحدها عن الآخر. أولها الدستوري: هوية الدولة ولغاتها وشكل الإدارة المحلية وموقع الفقه الإسلامي في التشريع بما لا يتعارض مع المساواة في المواطنة، وهي أمور لم تُحسم، إذ لم تتشكل بعد لجنة صياغة الدستور الدائم، بحسب المتاح من المصادر، وتطالب الأحزاب الكردية والسريانية بتمثيلها فيها، ويرى حزب الاتحاد الديمقراطي أن الإعلان الدستوري المؤقت «غير كافٍ» ويجب تعديله. وثانيها التمثيلي: قانون انتخابات ومجلس تشريعي يعكسان التنوع دون الاكتفاء بالتعيين. وثالثها الأمني: جيش وشرطة وطنيان يفتحان أبوابهما أمام جميع المكونات بمعايير شفافة، مع فحص دقيق للمنضمين الجدد، وقد نبّه محللون إلى مخاطر فحص عشرات الآلاف من المقاتلين. ورابعها الاقتصادي: صيغة معلنة لتقاسم الموارد وتنمية المناطق المهمشة، وقد انتقلت حقول رميلان والسويدية والمعابر إلى المركز، فتبقى مسألة نصيب المحافظات المنتجة من العائد مفتوحة. وخامسها العدالة والذاكرة: معالجة الحزام العربي وممتلكات العائدين إلى عفرين وسري كانيه وانتهاكات الساحل والسويداء وحوادث الاعتداء على المدنيين من أي طرف، بحيث لا يُترك الإفلات من العقاب ليغذي الروايات المتنافسة. وسادسها الرمزي: الاسم والعلم والنشيد والخطاب الرسمي، وقد طالب المؤتمر الكردي بأن تعكس هذه الرموز تنوع البلاد، وهو مطلب يحتاج إلى حوار وطني أوسع من الملف الكردي.

ولا يختص هذا الاختبار بالكرد؛ فمعاملة المكونات الأخرى تحدد صدقية العقد برمته. ففي السويداء، اندلعت اشتباكات بين القوات الحكومية و«الحرس الوطني» الدرزي بقيادة الشيخ «حكمت الهجري» في أواخر أغسطس ومطلع سبتمبر، ويطالب الهجري بالحكم الذاتي، وخلفت أحداث 2025 ما لا يقل عن 1700 قتيل، معظمهم من المدنيين الدروز، بحسب لجنة تحقيق أممية، وبقيت مقاعد المحافظة المنتخبة في المجلس شاغرة. وفي الساحل، رفض «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى» انتخابات مجلس الشعب منذ العام الماضي، ويشير باحث في منتدى الشرق الأوسط إلى أن الإدانات القضائية المرتبطة بأحداث الساحل والسويداء لا تتجاوز حالة أو حالتين. أما السريان والآشوريون، فقد دعا حزب الاتحاد السرياني في مارس الرئيس إلى إصدار مرسوم يعترف بحقوق الشعب السرياني الآشوري السياسية والقومية والثقافية على غرار ما حصل عليه الكرد، وإلى تعديل الإعلان الدستوري وتشكيل لجنة دستورية يُمثَّل فيها الحزب، وأُعلن في يوليو انضمام قوات «السوتورو» السريانية الآشورية إلى الأجهزة الحكومية على المستوى الفردي مع الاحتفاظ بالرتب. وفي المقابل، تبرز في الحسكة مطالب عربية بتمثيل عادل وبإنهاء ازدواجية السلطة، وتبقى مصلحة الدولة أن تستوعبها دون أن يُنظر إليها على أنها نقيض للحقوق الكردية.

وتقترح الدراسة، من باب التقدير التحليلي لا الوصف، صيغة وسطى تُسمى «لامركزية المواطنة»، تقوم على أربعة عناصر: أولها تضمين الحقوق اللغوية والثقافية للكرد والسريان وغيرهم في الدستور الدائم، بحيث تصبح الكردية لغة رسمية في المناطق ذات الكثافة الكردية ولغة تعليم بحصص تتجاوز الحد الأدنى الحالي؛ وثانيها مجالس محلية منتخبة على مستوى البلديات والمحافظات بصلاحيات محددة بالقانون في التعليم والخدمات والتراث والتنمية، وبحصة معلنة من العائد المحلي، دون سلطة تشريعية أو أمنية مستقلة؛ وثالثها شرطة محلية تتبع وزارة الداخلية وتعكس تركيبة السكان، مع ضمان تمثيل عادل لجميع المكونات في الجيش والأجهزة؛ ورابعها آلية وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية تعالج المظالم الكردية والعربية والدرزية والعلوية بمعايير واحدة. وتتجنب هذه الصيغة، من جهة، تجربة الفيدرالية العراقية التي رسخت الحكم الذاتي لكنها خلّفت نزاعات مزمنة بين المركز والإقليم حول النفط والموازنة، وتتجنب، من جهة أخرى، نظام الحصص الطائفية الذي رسخ الانقسام في لبنان، بالاعتماد على المواطنة والانتخاب بدل الهوية والمحاصصة. وهي صيغة تتوافق مع قول ممثل الإدارة الذاتية إن الجوهر هو إدارة المواطنين لشؤونهم المحلية بكفاءة وصون الحقوق لجميع المكونات، لا شكل التسمية، لكنها تتطلب من المركز التخلي عن جزء من المركزية، وتتطلب من القيادات الكردية القبول بسقف أدنى من طموحات 2025.

وتلعب العوامل الخارجية دورًا مساعدًا لا حاسمًا؛ فتركيا التي أيدت اتفاق يناير تبقى حساسة تجاه أي صيغة تبدو شبيهة بالحكم الذاتي، وتتوقف مرونتها على مسار السلام في تركيا بين الكرد وتركيا، والولايات المتحدة التي انسحبت وتدعم دمشق أعلنت قلقها من توترات الحسكة وأيدت وحدة سوريا وسيادتها. ومعنى ذلك أن عبء إنجاح العقد يقع على الأطراف السورية أنفسهم، وأن كلفة الفشل لن تكون كردية أو عربية فحسب، فالتجارب القريبة في السويداء والساحل تدل على أن ازدياد الاحتكاك في منطقة يغذي ما سواها.

يتحدد المسار خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة بخمسة متغيرات: تشكيل لجنة صياغة الدستور الدائم وتركيبتها وصلاحياتها؛ وطريقة معالجة اللامركزية المؤسسية في الحسكة؛ وحجم تدريس الكردية في العام الدراسي القادم وموقعها القانوني؛ وقدرة الأمن على حماية العائدين وضبط الاحتكاك العربي الكردي؛ وموقف تركيا والولايات المتحدة. وتتوزع الاحتمالات على ثلاثة سيناريوهات:

(1) عقد وطني جامع: تُدرج الحقوق اللغوية والثقافية والإدارية في دستور دائم تشارك في صياغته القوى الكردية والسريانية والدرزية والعلوية والعربية، ويُعتمد قانون انتخابات عادل، وتُتخذ قرارات الدمج والتعيين وفق معايير معلنة تحفظ التوازن بين المكونات، وتُعالج مظالم الماضي بآلية مستقلة.

(2) لامركزية سياسية وإدارية محدودة: تبقى الدولة مركزية سياسيًا وأمنيًا مع حقوق ثقافية ولغوية وحضور كردي في الإدارة المحلية والبلديات ومجالس محلية بصلاحيات خدمية، دون ضمانات دستورية صلبة ودون سلطة أمنية أو تشريعية مستقلة. وهو الأقرب إلى الواقع الراهن؛ لأنه يتوافق مع رفض «الشرع» للحكم الذاتي ومع قبول القيادة الكردية الاندماج مقابل ضمانات جزئية، وقد وصفه باحثون بأنه «اعتراف دون سيادة» قابل للتراجع.

(3) عودة التوتر بين المركز والمناطق: تتكرر حوادث العنف ضد المدمجين والعائدين وتتسع الاحتجاجات المتبادلة في الحسكة وكوباني ورأس العين، ويعجز الأمن عن ضبط الخطاب والتحريض، وتتقاطع الأزمة مع السويداء، فتفقد قطاعات من الكرد الثقة بجدوى الدمج، ويستغل الرافضون له الاحتقان، وقد يسعى بعض الأطراف إلى استخدام الاضطراب مسوغًا لتوسيع الانتشار الأمني المباشر.

وختامًا، يمكن القول إن نجاح دمشق في دمج «قسد» والإدارة الذاتية شرط ضروري لكنه غير كافٍ لبناء دولة تتسع لتعدد مكوناتها؛ فقد حسمت الدولة مسألة السيطرة، لكن التحدي الأصعب هو تحويل الحسم إلى ثقة، والمراسيم إلى ضمانات دستورية، والدمج الإداري إلى دمج سياسي واجتماعي. وما دام الدستور مؤجلًا، والتمثيل محل تحفظ، وملفات اللغة والعودة والمظالم مفتوحة، والعلاقات العربية الكردية على حافة التوتر، فالأرجح أن تتحرك سوريا في المدى القريب بين لامركزية إدارية محدودة وخطر عودة الاحتكاك، وأن يكون الملف الكردي النموذج الذي يُقاس به قدرة الدولة الجديدة على التعامل مع السويداء والساحل وسائر المكونات.

قد يهمك