تشكل إشكالية العلاقة بين السلطة والأخلاق والغاية والوسيلة واحدة من أعقد الثنائيات الفلسفية التي شغلت الفكر السياسي البشري عبر العصور. فعندما تُطرح أسئلة الحكم، والاستقرار، والبنية المؤسسية للدولة، تتقاطع المسارات الفكرية لشخصيات متباينة زمانياً ومكانياً، لكنها تلتقي في تركيزها الحاد على إعادة صياغة الواقع السياسي. ومن بين هذه الشخصيات البارزة يبرز الفيلسوف الإيطالي نيكولو مكيافيلي (1469–1527) بوصفه الأب الروحي للواقعية السياسية الحديثة في مطلع العصر الحديث، والمفكر الكردي المعاصر عبد الله أوجلان، الذي ظهر في واحدة من أعقد قضايا الشرق الأوسط وأكثرها شائكة، وهي القضية الكردية، وقدم – لا سيما خلال محطات مراجعته الفكرية داخل محبسه – منظومة نقدية راديكالية لمفهوم الدولة القومية والمركزية السلطوية.
إن مقارنة بين مفكر في عصر النهضة الأوروبية كان همه إنقاذ إيطاليا من التمزق والتراجع، وبين قائد سياسي وفكري خاض مخاضات نضالية طويلة في معترك القضية الكردية خلال القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، لا تعني بالضرورة التماثل الفكري، بل تكشف عن تباين جذري في الرؤية الأنثروبولوجية والسياسية حول كيفية تنظيم المجتمع البشري وإدارته.
السياق التاريخي والفكري: ظروف التأسيس
1. مكيافيلي وعصر النهضة الأوروبية
عاش نيكولو مكيافيلي في فلورنسا إبان فترة اتسمت بالاضطرابات السياسية العميقة، والصراعات المستمرة بين دويلات المدن الإيطالية، والتدخلات العسكرية الأجنبية الساحقة من قبل القوى الكبرى المجاورة كفرنسا وإسبانيا. في ظل هذا المناخ المفعم بالفوضى والخيانة وغياب الاستقرار، لم يكن مكيافيلي مهتماً بإنشاء جمهوريات فاضلة على طريقة أفلاطون، بل كان مسكوناً بهاجس واحد: كيف يمكن تأسيس دولة قوية وموحدة قادرة على حماية سيادتها وصيانة استقرارها؟
هذا الهم الواقعي دفع مكيافيلي إلى فصل السياسة عن الأخلاق المثالية والدين، معتبراً أن قواعد الحكم تختلف جوهرياً عن القواعد الأخلاقية الفردية. فالأمير أو الحاكم يُقاس نجاحه بمدى قدرته على حفظ الدولة والسيطرة على مقاليد الأمور، بغض النظر عن الوسائل المستخدمة، شريطة أن تكون تلك الوسائل محكومة بالدهاء والحزم.
2. أوجلان والقضية الكردية في سياق الحداثة الرأسمالية
في المقابل، ظهر عبد الله أوجلان في منتصف القرن العشرين من قلب واحدة من أهم قضايا الشرق الأوسط تعقيداً وعدالة، وهي القضية الكردية التي تشكلت تاريخياً من مخلفات اتفاقيات التقسيم (كسايكس بيكو ولوزان)، والتي مزقت الشعب الكردي ووزعته بين عدة دول، معرضة إياه لعقود من سياسات الإنكار الثقافي والصهر القومي.
انطلق أوجلان في تأسيس حركته نضالياً، ليمر لاحقاً بتحولات فكرية عميقة أفرزتها أزمات الحداثة الرأسمالية ونظام الدولة القومية في المنطقة. لقد أدرك من واقع مأزق القضية الكردية أن البنية المركزية والسلطوية للدولة الحديثة في الشرق الأوسط هي أصل العنف الهيكلي والحروب والاضطهاد. ولتجاوز هذا المأزق، بلور أطروحة "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية الديمقراطية"، داعياً إلى تفكيك الاحتكار السلطوي المركزي ونقل إدارة الشأن العام إلى المجتمعات المحلية والمجتمع المدني، مع إعطاء أولوية مطلقة لحرية المرأة والإيكولوجيا الاجتماعية.
موقف الفيلسوفين من مؤسسة "الدولة"
الدولة عند مكيافيلي: الغاية القصوى
تُعد الدولة عند مكيافيلي الكيان الأسمى الذي يحفظ البشر من الفوضى والتوحش الكامن في طبيعتهم. وفي كتابات مثل "الأمير" و"المناقشات"، يرى مكيافيلي أن الحفاظ على الدولة هو المعيار المطلق للشرعية السياسية. إن غياب الدولة يعني انهيار الروابط الاجتماعية وسيادة قانون الغاب. لذلك، فإن أي فعل يضمن استمرارية الدولة ووحدتها وقوتها – حتى وإن تضمن الخداع، أو القسوة الممنهجة، أو خرق العهود – يصبح مشروعاً ومبرراً بحكم الضرورة السياسية. الدولة هنا ليست مجرد أداة إدارية، بل هي الهيكل المقدس الذي تصاغ دونه كل القيم الأخرى.
الدولة القومية عند أوجلان: أصل الأزمات
على النقيض تماماً، يتبنى أوجلان موقفاً نقدياً راديكالياً إزاء مفهوم "الدولة القومية". يرى أوجلان أن الدولة، بصيغتها الحديثة القائمة على المركزية الشديدة، هي احتكار للسلطة والعنف، وهي الآلية التي تستخدمها النخبة المهيمنة لقمع التنوع المجتمعي والثقافي.
من منظور أوجلان، لم تكن الدولة القومية حلاً لمشاكل الشرق الأوسط، بل كانت السبب الرئيسي في تفجير صراعات الهوية، والحروب المدمرة، وتهميش المجتمعات المحلية (وعلى رأسها الشعب الكردي وشعوب المنطقة). وعليه، فإن مشروعه السياسي لا يهدف إلى تأسيس دولة قومية كردية جديدة مركزية، بل يدعو إلى تجاوز فكرة الدولة المركزية لصالح تنظيم مجتمعي ديمقراطي ذاتي الإدارة يعتمد على التعايش السلمي والتعددية.
الأخلاق والسياسة: ثنائية الغاية والوسيلة
الواقعية البراغماتية المكيافيلية
اشتهر مكيافيلي بمقولته الضمنية (وإن لم ترد حرفياً بذات اللفظ في كتبه) "الغاية تبرر الوسيلة". بالنسبة له، السياسة فن مستقل له قواعده الخاصة التي تختلف عن الأخلاق الدينية أو الفلسفية المجردة. الحاكم الناجح يجب أن يمتلك فضيلة "القدرة على المناورة" (Virtù) للتعامل مع تقلبات الحظ (Fortuna).
إذا كان الكرم المفرط يضر بالدولة، فإن البخل المبرر يصبح فضيلة سياسية؛ وإذا كان استخدام الشدة ضرورياً لردع الفوضى، فإن الرقة المفرطة تعتبر ضعفاً مدمراً. إن مكيافيلي يعلي من شأن الفاعلية السياسية والنتائج الملموسة على حساب النوايا الأخلاقية الحسنة.
الأخلاق المجتمعية والسياسة الديمقراطية عند أوجلان
يرفض أوجلان تماماً فصل السياسة عن الأخلاق، معتبراً أن "السياسة الأخلاقية" هي النقيض الحقيقي للسلطوية. فالسلطة، في تحليله السوسيولوجي، تتعارض بطبيعتها مع المجتمع الطبيعي والأخلاقي؛ وكلما توغلت السلطة في مركزيتها، كلما تراجعت القيم الأخلاقية للمجتمع.
لذا، فإن النضال من أجل التحرر لا يمكن أن يعتمد على وسائل سلطوية أو براغماتية بحتة تتنكر للأخلاق، لأن الوسيلة الوحيدة القادرة على بناء مجتمع حر هي الوسيلة الديمقراطية القائمة على الوعي والتربية والتنظيم الطوعي. فالغاية (المجتمع الحر والديمقراطي) تُستمد وتتحقق بالضرورة من خلال وسائل أخلاقية وتحررية متسقة معها.
الطبيعة البشرية ودور الفرد والجماعة
نظرة مكيافيلي: التشاؤم الأنثروبولوجي
ينطلق مكيافيلي من رؤية تشاؤمية طبيعية للإنسان؛ فالناس في نظره "جاحدون، متقلبون، كاذبون، هاربون من الخطر، وطماعون في الربح". بناءً على هذه الطبيعة البشرية الثابتة نسبياً، لا يمكن الاعتماد على الوازع الأخلاقي الطوعي للأفراد لتسيير شؤون الدولة. من هنا يأتي دور "الأمير" القوي والقادر على الإمساك بزمام الأمور بحزم يجعل الرعايا بين خوف واحترام، لأن الاعتماد على الود وحده يفشل في مواجهة تقلبات السياسة ومطامع الخصوم.
نظرة أوجلان: المجتمع الطبيعي والإمكانات التحررية
في المقابل، يستند أوجلان إلى مفهوم "المجتمع الطبيعي"، وهو المجتمع الذي تأسس تاريخياً على أساس التضامن، والتعاون، والمساواة الجندرية (حيث لعبت المرأة دوراً مركزياً في مرحلة العصر النيوليثي)، قبل أن تتعرض هذه البنى للاغتصاب والتهميش لصالح الأنظمة الهرمية والدولية.
بهذا المعنى، يؤمن أوجلان بأن الإنسان بطبيعته يميل نحو التنظيم المجتمعي التضامني، وأن الاستبداد والسلطوية هما انحراف تاريخي يمكن تجاوزه عبر استعادة الوعي المجتمعي وتفعيل طاقات الشعب الكامنة في التنظيم الذاتي.
الخاتمة
تجسد المقارنة بين نيكولو مكيافيلي وعبد الله أوجلان تبايناً عميقاً في مسارات الفكر السياسي العالمي. فمكيافيلي يمثل الجسر الذي عبر منه الفكر الأوروبي نحو إقرار استقلالية الدولة والسياسة عن اللاهوت والأخلاق المثالية، مهندساً قواعد البقاء والاستقرار في عالم مضطرب وممزق. أما أوجلان، فيُمثل نموذجاً للمفكر الثوري المعاصر الذي برز من قلب القضية الكردية المعقدة ليعيد النظر في جذور الاستبداد الحديث، منطلقاً من نقد صارم لمفهوم الدولة المركزية لصالح بناء فضاءات ديمقراطية قاعدية تعيد الاعتبار للمجتمع والأخلاق.
وإذا كان مكيافيلي قد سعى لترويض الفوضى عبر تعزيز قوة السلطة والأمير، فإن أوجلان سعى لتقويض احتكار السلطة نفسها لصالح تحرر الإنسان والمجتمع، مما يجعل الفكرين معاً محطتين أساسيتين لفهم تعقيدات السلطة، والسياسة، ومصير الإنسان في تاريخنا السياسي الممتد.
فضاءات الفكر