حين يُذكر اسم الكرك في وجدان الشقيق الأردني، يرتجف الحرف إجلالًا وتاريخًا، فهي ليست مجرد مدينة على خريطة الجغرافيا، بل هي متحف حيّ للرجولة، وخزان كبير للقيم التي توارثوها أبًا عن جد، قبائل وعشائر زرعت أقدامها في هذا التراب منذ آلاف السنين، فصنعت كرامة.
لكن الدم الذي سال على أرض الكرك لم يكن يومًا حبرًا يوقّع على وثيقة انقسام، بل كان وما زال حبرًا يوقّع على ميثاق شرف أردني عتيق: نحن هنا منذ الأزل، وسنبقى هنا إلى الأبد.
من يقول إن الكرك تحتاج إلى دروس في الوحدة الوطنية لم يفهم الكرك بعد، ففي هذه المدينة، المسيحي ليس «ضيفًا» نكرمه في المناسبات، بل هو الحليف في العشيرة، والشريك في الدم والفرح والعزاء.
ومن يظن أن رصاصات غادرة استهدفت كنيسة حمود قادرة على أن تمسّ النسيج الوطني، عليه أن يعلم أن هذا النسيج نُسج قبل أن تُصنع تلك الرصاصة، وسيبقى بعد أن تصدأ.
محاولة استهداف المسيحيين في الكرك لم تكن مجرد جريمة إرهابية، بل كانت محاولة يائسة لاختراق الخاصرة الأكثر صلابة في الجسد الأردني، فخرجت المحاولة أضعف مما دخلت.
نعم، استطاعوا أن يضربوا الإنسان في الكنيسة، واستطاعوا أن يريقوا دمًا طاهرًا في يوم كان الناس فيه يشيّعون ميتًا ويواسون حيًّا.
لكنهم لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا، أن يضربوا الأرض التي عُمِّد فيها ومشى على أطرافها سيدنا عيسى، والتي احتضنت معابد المسيحيين الأوائل، والتي كانت ملاذًا لرهبان هربوا من ظلم الرومان. هي نفسها الأرض التي ما زالت تُنجب المقاومين، والمقاومة هنا ليست شعارًا، بل هي فطرة.
إن من يفهم الكرك يعرف أن أهلها لا يعرفون الانحناء إلا لله، ولا يعرفون الخوف إلا من الظلم، وأن عقيدة «الأخوّة حتى حين لا نتحدث عنها» هي ما يجعلهم أقوى من كل خطاب كراهية.
ولأن الكرك كانت دائمًا منارة للثبات، فقد أراد مجرمو الظلام وشذاذ الآفاق من أصحاب الفكر التكفيري المريض أن ينالوا من أمنها ونسيجها، ظانّين بعقولهم القاصرة أن رصاصة غادرة في كنيسة طاهرة قادرة على شرخ تاريخ مضى عليه الدهر وهو يزداد صلابة.
لقد استهدفوا الإنسان في مقدسه، واستباحوا دماء الآمنين، لكنهم أغفلوا حقيقة أزلية مفادها أن من يقاتل في وجه التاريخ لا يدرك أن التاريخ أكبر منه ومن أوهامه.
إن هذه الجرائم البائسة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُحدث ثغرة في جدار الشعب الأردني المنيع.
فاللُّحمة الوطنية الأردنية، الممتدة من عمق العشائر والقبائل الأصيلة، ليست شعارًا يُرفع في مواسم الخطابة، بل هي عقيدة حياة.
المسيحي في الكرك، وفي كل بقعة من تراب الأردن الطهور، ليس «ضيفًا» عليه، ولا شريكًا في مؤتمر للتعايش، بل هو جزء لا يتجزأ من صانعي هذا الوطن، ولن يفلح الفكر الظلامي في إقناعنا بأننا غرباء.
فمن هدموا العقول لا يدركون أن هذه الأرض التي نقف عليها ليست مجرد تراب، بل هي امتداد مبارك لسيدنا عيسى عليه السلام ومعابده، وهي شاهد حيّ على صرخات رهبان المسيح الأوائل الذين واجهوا ظلم الإمبراطوريات ورفضوا الركوع.
هذه الأرض التي أرضعت الأحرار ما زالت إلى اليوم تُنجب الرهبان والمؤمنين، والمرابطين المقاومين الذين سيقضون على هذه العقلية المتخلفة من جذورها.
لقد أرادوا أن يفتحوا بابًا للفتنة، فوجدوا أنفسهم أمام باب مغلق بسور متين من وعي عشائري ووطني أقدم بكثير من كراهيتهم.
إن الدماء التي سالت في الكرك لم تكن سوى مداد إضافي يوثّق عُرى المحبة والتماسك، ويؤكد للقاصي والداني أن الأردن، بمسلميه ومسيحييه، بقبائله وعائلاته، سيبقى عصيًّا على الانكسار، وأن أردن المجد والشهامة سيبقى واحة للسلام والأخوّة الحقيقية، لا يعكّر صفوها خفافيش الظلام.
نقلاً عن موقع ناطق نيوز...
منبر الرأي
نبض الشرق
منبر الرأي
منبر الرأي