مع اقتراب حلول العام الثالث على سقوط الوطن والنظام والدولة السورية في ٨ ديسمبر ٢٠٢٤، لم تتمكن السلطة المؤقتة خلال تلك الفترة الزمنية، بزعامة أبو محمد الجولاني "هيئة تحرير الشام"، الذي جرى تعويمه إجبارياً بالقوة أمريكياً وإسرائيلياً وخليجياً وإقليمياً، تحت عنوان جديد "مجهول النسب"، وفق العديد من التقارير الإخبارية الغربية والعربية، والتي أشارت إلى غياب المعلومات الدقيقة حول حقيقة المنبت والنشأة.
فسلطة الجولاني التي قُدِّر لها البقاء ١٨ شهراً "وفق تقديرات الاستخبارات البريطانية"، لحين ترتيب الأوضاع في سوريا وفقاً لمصالح القوى الكبرى المتصارعة على مختلف الأراضي السورية "أمريكا وتركيا وروسيا وإسرائيل وبريطانيا وإيران"، تترافق معها ترتيبات بتوقيع اتفاق السلام والتطبيع، ومن ثم التوقيع على الاتفاق الأمني مع إسرائيل لتسليم سوريا وطناً وشعباً وأرضاً.
وبرغم انتهاء المدة المفترض فيها إعلان الجولاني عن "حكومة جديدة"، يتخلى فيها عن جميع قادة "هيئة تحرير الشام"، باستثناء "الثلاثي": أحمد الشرع، الرئيس المؤقت، وأنس خطاب، الرجل الأقوى "وزير الداخلية"، وأسعد الشيباني، وزير الخارجية، على أن تضم الحكومة الجديدة مختلف أبناء سوريا من الطوائف والمذاهب والقوى الوطنية، على أن تُقِرَّ "الحكومة" بسيادة سوريا على أراضيها كاملة، ورفضها كل أنواع الاحتلال، وخروج كافة المقاتلين الأجانب، ورفض منطق الإقصاء والتهميش لأي مكون من مكونات المجتمع السوري، مع ضرورة إعادة بناء جيش وطني يحافظ على وحدة الدولة والوطن تحت شعار سوريا الموحدة وليست المنقسمة..
..... المصدر: حساب الكاتب عبر فيسبوك
ومن هنا يمكن القول بأن سوريا اليوم لا تملك شرعية في سيادتها على كامل أراضيها، في ظل الاحتلال التركي لشمال سوريا وبطول الحدود المشتركة قرابة "١٠٠٠ كم"، وبعمق يتراوح ما بين ٣٠ إلى ٥٠ كم، فيما تتهم تركيا "بوصفها الوصي على سوريا" إسرائيل بممارسة نفوذها الكامل باحتلالها للجنوب السوري، وفي انتهاك رسمي معلن على مدار الساعة للسيادة السورية وبتعليمات أمريكية، في حرب عبثية استهلكت دولة ووطناً وشعباً على مدار أكثر من ١٥ عاماً، ولا زالت حتى الآن تحيا في صراع مفضوح على أولويات المصالح التركية والأمريكية، في ظل فرض تل أبيب خطوطاً حمراء أمام أنقرة بعدم الاقتراب من قلب العاصمة دمشق ورفضها إقامة قواعد عسكرية تركية داخل الأراضي السورية.
كما لا يجب الحديث أيضاً عن سيادة سورية على أراضيها في ظل وجود السيادة الروسية على مناطق نفوذها في الساحل السوري على البحر المتوسط من طرطوس إلى بانياس وانتهاء بمحافظة اللاذقية، مع وجود السيادة البريطانية في معظم المناطق السورية التي تمارس فيها نفوذها بوصفها المخطط والمدبر لوجود الجولاني وبوصفها المسؤولة عن حمايته داخل دمشق.
أيضاً، كما لا يصح الحديث عن سيادة سوريا في ظل السيادة الأمريكية التامة على مجمل المنظومة السورية التي جرى تمكينها من السيطرة على مقدرات البلاد في أكبر مؤامرة استهدفت القضاء على دولة ووطن وشعب ممزق، ليصبح الرابط الوحيد فيما بينهم "الاقتتال والانتقام والكراهية والصراع" فيما بينهم، بعدما أحكمت جبهة النصرة "هيئة تحرير الشام" قبضتها على سوريا وتمزيق النسيج للمجتمع السوري باستخدام القوة المفرطة تجاه المدنيين السوريين العلويين والكرد والدروز والسنة والشيعة والمسيحيين، عبر لغة الرصاص والذبح ولغة الدم والانتقام، في أضخم مذبحة بشرية عرفها التاريخ الحديث وبعلم الجولاني.
كما لا يصح الحديث عن السيادة في ظل فرض إسرائيل سيادتها الكاملة على جنوب سوريا، انطلاقاً من جبل الشيخ والجولان السوري المحتل ومحافظة القنيطرة ومحافظة درعا ومحافظة ريف دمشق ومحافظة السويداء، وانتهاء بمحافظة دمشق، حيث لا تبعد بضع كيلومترات عن قصر الشعب، وانتهاء بمنطقة "التنف"، على الحدود السورية العراقية.
وتبقى قضية توسيع صلاحيات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بوصفها أهم وأقوى المكونات السورية المساهمة في بناء سوريا الجديدة، وبمشاركة كافة أبنائها من الطوائف والمذاهب ومختلف القوى السياسية من النخب الفكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقدرتها على سرعة انتشارها ضمن الأجهزة الأمنية والعسكرية الوطنية السورية بحكم خبراتها الطويلة في محاربة الدواعش، لإعادة مظلة الأمن والاستقرار في مختلف أنحاء البلاد.
اليوم، ووفق توصيف العديد من التقارير الإعلامية الخارجية والداخلية من قبل قوى المعارضة لسلطة "الجولاني" في العديد من المناطق السورية، بأنه "الملطشة" لكل القوى المتصارعة على الأراضي السورية في بسط نفوذها على المناطق التي تتعلق بمصالحها وتستنزف من خلالها مقدرات الشعب السوري.
ويبقى الخطر الأعظم في تحويل سوريا إلى مقاطعات لامركزية في ظل عجز الجولاني وانصياعه لأصحاب الوصاية والنفوذ على السيادة السورية، خاصة في أعقاب الاتصال الذي أجراه نتنياهو مع الجولاني مؤخراً لتنفيذ ما طلب منه، ليبقى المؤكد تقسيم سوريا إلى خمس مركزيات من الحكم الذاتي في الساحل السوري "العلويين"، وفي حلب "السنة"، وشرق الفرات "الكرد"، والدروز "السويداء "الدروز"، ودمشق، وجميعهم يتمتعون بالحماية الإسرائيلية.