تعيش المنظومة الدولية، ومعها نسقها الإقليمي التابع، حالةً من الأزمة المركبة والممتدة التي تشمل الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، نتيجة لجملة من التحولات الهيكلية والتغيرات المتسارعة في موازين القوة العالمية. وفي ظل هذا المشهد الضبابي المتشابك والمتأزم، نجد أنفسنا أمام مخاض جيو-سياسي قد يفضي إلى تشكل ملامح نظام دولي جديد وإعادة ترتيبات استراتيجية شاملة لما هو قادم على الساحة العالمية.
فمن جهة، يذهب اتجاه تحليلي إلى القول إن الولايات المتحدة الأمريكية، التي أعلنت انتصارها في الحرب الباردة وتكرس أحاديتها القطبية منذ مطالع التسعينات من القرن الماضي، باتت تواجه اليوم تحديات بنيوية وازدياداً مضطرباً يهدد موقعها في صدارة الهرم الدولي. ويرى أصحاب هذا الطرح أن مستقبل النفوذ الأمريكي سيكون رهيناً بقبول واشنطن بمشاركة قوى دولية صاعدة في صناعة القرار العالمي، أي إعادة توزيع الهيمنة وتشكيل تعددي قطبي واقعي. ومن جهة أخرى، يرى فريق ثانٍ من الخبراء أن الولايات المتحدة ستظل متمسكة بذروة الأحاديّة القطبية، وأن المتغير الوحيد يكمن في تحديث أدواتها وآلياتها التنافسية وفق المعطيات الحديثة وتطور التكنولوجيا المتسارعة وعصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن القوى المنافسة ذاتها تظل جزءاً عضويّاً من المنظومة الرأسمالية العالمية التي تقودها واشنطن، وتفتقر إلى نموذج استراتيجي أو هيكلي بديل. وأياً تكن درجة الصحة في كلتا وجهتي النظر، فإن الأكيد هو أن المشهد الدولي القادم سيكون مختلفاً كلياً، ويقتضي قراءة تفكيكية دقيقة واستشرافاً واعياً لأخذ المبادرة، والتفاعل السياسي القائم على أدوات العصر الحديث في البناء وإدارة الصراع.
ونظراً للأهمية الجيو-استراتيجية البالغة لمنطقة الشرق الأوسط عموماً، وللإقليم العربي خصوصاً، في صياغة المعادلة الدولية والمساهمة في فرز المهيمن العالمي، يشتد التركيز والاهتمام الدولي بالمنطقة وقضاياها الجوهرية. ويهدف هذا الاهتمام المكثف إلى منع خروج الإقليم عن نطاق ضبط وإدارة القطب الدولي المهيمن، أو القوى الناشئة المرشحة لمقاسمته النفوذ. وفي هذا السياق المتلاطم، يغدو واجباً حتمياً على شعوب ودول المنطقة أن تبتكر مقومات قوتها الذاتية، وأن تُعزز إرادتها الاستراتيجية ومؤسساتها الوطنية والإقليمية لفرض مصالحها العليا، أو على الأقل لمنع تجاوز أولوياتها الحيوية وحقوق شعوبها عند صياغة الترتيبات الجديدة للمنظمتين الإقليمية والدولية.
وهنا تبرز حقيقة استراتيجية مفادها أنّ أمن أي دولة في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر التجاوزات والتدخلات الميدانية والانتهاكات المستمرة لسيادة الجيران، بل من خلال الالتزام بالقانون الدولي وحل القضايا العالقة بالوسائل السياسية والحوار المتكافئ، واحترام إرادة شعوب المنطقة ودولها. فالترتيبات الأمنية المفروضة بالقوة لا تنتج سوى استقرار مأزوم وهش، بينما يُشكل الاحترام المتبادل لسيادة الدول وشعوبها الضمانة الوحيدة لتجنيب الإقليم دوامات الصراع الدائم.
ولو نظرنا إلى الجغرافيا السورية والتكوين المجتمعي للشعب السوري، لأمكننا أن نفهم إلى حد كبير بوصلة التوجهات والأجندات التي تسعى بعض القوى الإقليمية والدولية لتوجيه البلاد نحوها، رغم التحديات والأزمات المعقدة المتراكمة في الداخل السوري وفي علاقات دمشق بمحيطها الإقليمي والدولي. ففي ظل الحروب والنزاعات الكبرى التي تعصف بالمنطقة ومحاولات تكييفها مع أولويات النظام الدولي، تظل سوريا جغرافيا حيوية بالغة الأهمية وتركيبة سكانية مؤثرة، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي الشاخص على شرق المتوسط وتماسها المباشر مع دول محورية في الشرق الأوسط.
ومنذ اندلاع الأزمة أو الثورة السورية وما سبقها من إرهاصات، حظيت الساحة السورية بمراقبة وتفاعل دولي مستمر. وما شهدته البلاد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي من تغير عميق في طبيعة النظام السياسي، لم يكن مجرد حدث ناجم عن تراكم الأزمات والانسدادات الداخلية فحسب، بل كان أيضاً نتيجة مباشرة للتوفر والتلاقي في الإرادات الدولية والإقليمية التي تبلورت عقب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها من تداعيات متسلسلة في المنطقة وكذلك احتياجات النظام الدولي للطرق والساحات المهمة في موضع الطاقة والغاز.
إن المراقب الحصيف للمشهد السوري يلاحظ بوضوح كيف تحاول إسرائيل، بكافة أدواتها الاستراتيجية والميدانية، أن تبقي سوريا بأكملها، أو أجزاءً واسعة منها، تحت كفّتي التأثير والضغط، وأن تجعل أجواءها وسيادتها الوطنية تحت سطوة السيطرة والاحتلال المباشر أو غير المباشر. ورغم وجود اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، بادرت إسرائيل عقب تحولات الثامن من ديسمبر إلى احتلال عدد من القرى والبلدات والمناطق السورية المهمة استراتيجياً، وفي مقدمتها موقع جبل الشيخ الإستراتيجي الذي يطل على العمقين السوري واللبناني بموقع جيوسياسي حاسم.
وبعد انحسار النظام السوري السابق وخروج النفوذ الإيراني المباشر من الساحة السورية، سارعت تركيا لملء الفراغ الجيوسياسي، مما أوجد إشكالية استراتيجية جديدة؛ فبعد أن كانت سوريا مسرحاً للتناقض والصراع الإيراني-الإسرائيلي المباشر، تحولت اليوم إلى مسرح مكشوف للتجاذب والتنافس التركي-الإسرائيلي، رغم ارتباط الطرفين — ومعهما السلطة الانتقالية الحالية برئاسة الشرع — بمسارات ومدارات المنظومة الغربية بدرجات متفاوتة.
وفي الوقت الذي يصرح فيه الجانب الحكومي السوري المؤقت، على لسان رئيسه، بأن المفاوضات القائمة مع إسرائيل حققت تقدماً كبيراً وصل إلى تسعين بالمئة قبل أن تتنصل تل أبيب منها، وأن السلام لن يكون ممكناً مع استمرار احتلال الأراضي السورية واغتصاب الحقوق الوطنية، فإن طيفاً واسعاً من المعارضة الوطنية ومجموعة كبيرة من المحللين السياسيين يرون أن موقف حكومة دمشق الحالية تحيط به علامات استفهام وتساؤلات كبرى. ويعود ذلك إلى ما يترشح من معلومات حول تفاهمات وترتيبات أمنية حول الجنوب السوري لا تراعي المصالح العليا لسوريا، ناهيك عن وصف المواقف المتخذة من قبل دمشق بغير الجادة، مع التأكيد على أن هشاشة الجبهة الداخلية والاعتماد المفرط على الفاعلين الخارجيين لن يُغيّرا من هذا الواقع المأزوم شيئاً.
إن من أبرز وأخطار التحديات الماثلة أمام استعادة السيادة السورية ووحدة الدولة والمجتمع هي هذه التدخلات الإقليمية والدولية وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي المباشر وتجاوزاته المستمرة، في ظل غياب حالة من الاستقرار والأمان التي تسمح ببروز إرادة وطنية سيادية متماسكة تقف في وجه الانتهاكات اليومية. ويعزى هذا العجز بالأساس إلى طبيعة السلوك الأحادي الذي تمارسه السلطة الانتقالية الحالية، وخلفيتها الفكرية الإسلاموية وممارسة التهميش تجاه الداخل، فضلاً عن غياب التفاعل الكافي مع العمق العربي صاحب المصلحة الحقيقية في صون وحدة سوريا وسيادتها.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: كيف تستطيع سوريا تجاوز مرحلتها الانتقالية الحساسة على نحو صحيح، لتتحول إلى فاعل إقليمي مؤثر يحمي سيادتها ورفاه شعبها، بدلاً من أن تظل جغرافيتها وشعبها ساحة للصراع وصندوقاً لتبادل الرسائل الأمنية والسياسية بين القوى المتصارعة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تؤكد أن استعادة سوريا لموقعها كلاعب إقليمي أمر ممكن وليس مستحيلاً، لكنه ينطوي على تحديات جِسام تتطلب معالجة شاملة تتجاوز العجز الراهن. فلضمان السير في المسار الصحيح نحو سوريا الموحدة ذات السيادة والمتكاملة مع عمقها العربي، يجب البدء بمراجعة شاملة للمرحلة الانتقالية وآلياتها الحاكمة، بما في ذلك الإعلان الدستوري، وتشكيل مجلس الشعب، وتفعيل العدالة الانتقالية؛ لتكون "المصالحة الوطنية السورية العليا" هي الغاية الكبرى، لا التمكين الفئوي لمجموعة حصرية ترى أنها الأحق بإدارة البلاد لمجرد اختيارها من قِبل أطراف دولية وإقليمية في ظروف استثنائية.
كما تتطلب هذه المقاربة شمول العملية السياسية لكافة أطياف ومكونات الشعب السوري، لكي تتجسد قوة الدولة عبر تلاحم كافة أبنائها القادرين على فرض الاحترام للسيادة السورية. فالحد من الهشاشة الداخلية يعتمد بالأساس على إعادة بناء المؤسسات السيادية بشكل جامع وموحِّد لكل السوريين، بعيداً عن الأجندات الفئوية أو الدينية أو العرقية، لكي نصل لسوريا الدولة القادرة على حماية وحفظ حقوق شعبها وسيادتها الوطنية أمام التجاوزات.
أما على المستويين الإقليمي والدولي، فيتوجب على سوريا امتلاك أدوات سياسية ودبلوماسية قادرة وعلاقات مؤثرة، بالتعاون والتنسيق الوثيق مع المجموعة العربية في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، لخلق حوامل وضغوط سياسية فاعلة تجبر إسرائيل على إنهاء احتلالها ووقف تجاوزاتها المتكررة للقانون الدولي، مع استثمار موقع سوريا كحلقة وصل جيو-اقتصادية لمشاريع التجارة والطاقة. إن بناء هذا النموذج المتكامل داخل الساحة السورية وخارجها هو السبيل الوحيد لإجبار القوى الخارجية على احترام سيادة البلاد، والمدخل الأساسي لاستعادة دمشق دورها التاريخي كلاعب إقليمي قادر على التأثير وصياغة توازنات المنطقة، بدلاً من إبقائها مجرد مسرح تتجاذبه إرادات الآخرين.
المصدر: مجلة الوطن العربي