بث تجريبي

سيهانوك ديبو يكتب: مأزق الدولة الوطنية وحل اللامركزية السورية

هناك سؤالان يطاردان السوريين منذ بداية تشكيل الدولة السورية، وبشكل أكثر إلحاحاً منذ أربع عشرة سنة، ويبدوان في ظاهرهما متناقضين، لكنهما في الحقيقة سؤال واحد.

السؤال الأول يأتي من دمشق: كيف نحافظ على وحدة سوريا؟ كيف لا نتحول إلى نماذج دولٍ تفككت بمجرد انتهاء نظام استبدادي مركزي، دولٍ تتفكك باسم الطوائف والقوميات؟

والسؤال الثاني يأتي من القامشلي والسويداء والساحل: كيف نضمن ألا تعود الدولة المركزية القابضة التي صادرت هوياتنا ولغاتنا وقرارنا المحلي لعقود؟

كلا السؤالين مشروع، وكلا الخوفين حقيقي. ومأزق الدولة الوطنية السورية يكمن هنا: المركزية الشديدة قتلت الوطنية، واللامركزية غير المنضبطة قد تُنهي الدولة.

أما الحل السوري فلا يبدو في اختيار أحد الطرفين، بل في اختراع صيغة ثالثة: دولة وطنية لامركزية.

أولاً: لماذا فشلت الدولة المركزية؟

الدولة التي حكمت سوريا قامت على فكرة خطيرة: وحدة البلاد تعني (التجانس) في توحيد الناس بالقوة. لغة واحدة في المدرسة، وحزب واحد في النقابة، وعلم واحد للحقيقة، وعاصمة واحدة للقرارات الأساسية: تقرر من يحصل على وظيفة أو رخصة بئر أو مقعد جامعي.

النتيجة لم تكن وحدة، بل اغتراباً. فالكردي الذي مُنع من تسمية ابنه بلغته، لم يشعر أن دمشق عاصمته. وجاره العربي في الحسكة، الذي كان عليه أن يسافر 700 كم ليصدق ورقة في وزارة، والذي أدرك بأن “كل شيء جرى باسم العربية”، لم يشعر أن الدولة دولته. والدرزي في السويداء الذي يرى المحافظ يأتي دائماً من خارج المحافظة، لم يشعر بالشراكة. جرى الحال ذاته في إدلب وحلب والساحل والداخل.

لقد أنتجت المركزية دولتين: دولة في دمشق تملك القرار، ودولة في الهامش تملك الصبر حتى تنفجر. وهذا ما حدث في عام 2011.

أما الذين يطالبون اليوم بعودة المركزية المطلقة باسم “الدولة الوطنية”، فهم يطالبون في الحقيقة بإعادة إنتاج سبب انهيارها. فالوطنية لا تُبنى بالإلغاء، بل بالاعتراف. فلا أحد يحب دولة لا تراه.

ثانياً: لماذا تخاف سلطة دمشق من اللامركزية؟

الخوف في دمشق مفهوم أيضاً. السوريون رأوا نماذج مرعبة: ليبيا مقسمة بين شرق وغرب، والسودان انقسم فعلاً إلى دولتين، والصومال إلى ثلاث. ودول أخرى تدرك أن نموذج الدولة الذي فُرض على الشرق الأوسط مأزوم، وما زال يبحث عن صيغة تناسبه وتتحول إليه.

هناك من يطرح اللامركزية كغطاء للانفصال، وهناك من يرى فيها مشروع تقسيمات طائفية وقومية تدار من الخارج. وهناك تجربة الإدارة الذاتية نفسها، التي بدأت شعاراً وفعلاً ديمقراطياً، ورغم أهميتها وحيويتها، إلا أنها تحولت في بعض المراحل إلى سلطة مركزية، واعترتها أخطاء وعيوب ونواقص يمكن أن تعد نموذجاً معمماً حال استدراك ما فاتها من محاسن، وانهاء ما جعلتها تسلك دروباً غير مناسبة.

لذلك، فإن أي حديث عن لامركزية دون ضمانات تعزز المركزية وتصون صلاحياتها، سيُعد خوفاً وطنياً مشروعاً.

ثالثاً: ما هي اللامركزية التي نحتاجها؟

اللامركزية التي يمكن أن تدوّر الزاوية بشكل أكبر بين دمشق والقامشلي ليست تقسيماً على الخريطة بالمسطرة. هي لامركزية سورية تصون حق الشعب في إدارة نفسه بنفسه في المناطق والأقاليم السورية دون تدخل المركز؛ لامركزية سورية تصون حل جميع القضايا الوطنية السورية، ومنها القضية الكردية، بشكل دستوري، على أساس الاعتراف بحقوقه اللغوية والثقافية والقومية.

لكن كيف تكون اللامركزية السورية؟

إن فكرتها مستوعبة وبسيطة:

وحدة السيادة بجيش لا يُلغي أحداً: جيش وطني واحد، وسياسة خارجية واحدة، وعلم واحد، وجواز سفر واحد، ومصرف مركزي واحد. لا جيشان ولا علمان في دولة واحدة. واتفاق 29 يناير الماضي الذي يقر دمج المؤسسات، والموقع في دمشق، هو الأساس هنا. لكن الدمج هنا لا يعني الحل والإلغاء، بل يعني دمجاً مؤسساتياً يحفظ الخبرة والتضحيات. دمج قوات قسد ضمن وزارة الدفاع عبر تشكيل ألوية تحافظ على بنيتها وتخصصها ضمن هيكلية الجيش الوطني الجديد، مع ضمان حقوق المقاتلين ورتبهم، تماماً كما حدث في تجارب دمج ناجحة في دول أخرى. ودمج المؤسسات المدنية ضمن الوزارات يكون مع بقاء الكوادر والخصوصية المحلية، فلا يشعر أحد أنه هُزم أو أُلغي.

لامركزية القرار والخدمات: في فترة لاحقة أكثر استقراراً، من المهم تفعيل آلية الانتخاب في كل محافظة. لنصل -مثالاً- بأن يقرر مجلس محافظة الحسكة مناهج التعليم الإضافية (تعليم وتدريس الكردية إلى جانب العربية)، ويوزع الموازنة المحلية، ويدير الصحة والبلديات والزراعة والجامعة. فتضع دمشق السياسة العامة، لكن التنفيذ والموارد بيد أهل المنطقة.

لامركزية الثروة والاعتراف بمعادلة واضحة: زراعة وتجارة ومعابر ونفط الحسكة ليست ملك الحسكة وحدها، كما أن ضرائب دمشق ليست ملك دمشق وحدها. الثروة وطنية، لكن القانون يجب أن يضمن معادلة شفافة وعادلة بأن ينص القانون على إنشاء صندوق سيادي وطني لإعادة الإعمار، توزع عائداته بمعادلة واضحة: 50% تذهب للخزينة العامة للدولة لتغطية الرواتب والسيادة، و30% تذهب للمحافظة المنتجة نفسها كحق تنموي لإصلاح ما دمرته الحرب والاستخراج، و20% تذهب للمحافظات الأقل نمواً وفقراً لتحقيق التوازن الوطني. هكذا نضمن أن نفط الحسكة يعمر الحسكة ويعمر دمشق والسويداء واللاذقية معاً. وبالمقابل، تعترف الدولة دستورياً – كما فعل مرسوم آذار – بأن الكرد جزء أصيل من شعب سوريا، وأن لغتهم وثقافتهم حق وطني، لا منة من أحد. إنه مرسوم يمكن البناء عليه ليتحول إلى مدخل لأبواب واسعة في الحقوق والواجبات.

بهذا، نحن لا نقسم سوريا، بل نعيد تعريف الدولة الوطنية: الوطنية لم تعد تعني أننا متشابهون، بل تعني أننا مختلفون ومتساوون تحت سقف واحد.

فاللامركزية بهذا المعنى هي التي تحمي وحدة سوريا، لأنها تجعل العربي في دير الزور، والكردي في قامشلو/ القامشلي، والسرياني في ديريك، والدرزي في السويداء، والعلوي في اللاذقية، وكل مكون سوري، قومياً كان أم دينياً، يشعرون أن الدولة دولتهم، فلا يبحثون عن دولة أخرى تحميهم.

الطريق من هنا:

كي نكون أمام نتيجة متقدمة للاندماج، وكي نكون مقاربين للتدوير الكلي بين دمشق والقامشلي، فإن الأمر يحتاج إلى ثلاث خطوات عملية، نبدأ بالأهم أخلاقياً:

أولها، العدالة الانتقالية كشرط أخلاقي للمصالحة: فلا يمكن بناء دولة وطنية لامركزية دون أن نبدأ بتنظيف جراح الماضي. كل ما يحقق عدالة انتقالية حقيقية تنصف الشعب السوري الذي ارتُكبت بحقه جرائم منها جريمة دولة موصوفة بحق جزء من مواطنيها كما في مثال مشروع “الحزام العربي” العنصري، وإحصاء 1962 الجائر الذي جرد عشرات الآلاف من الكرد من جنسيتهم، وملفات المعتقلين والمفقودين والمُهجّرين في كل سوريا. هذه ليست تفاصيل جانبية توضع في الهامش، بل هي المدخل الأخلاقي لأي عقد جديد. لا شراكة دون اعتراف، ولا اعتراف دون إنصاف. يلي ذلك حوار وطني شامل يفضي إلى حكومة انتقالية تمثل العموم السوري، ثم تُسلَ الدروب المعهودة في بناء الدولة الدولة الوطنية وصولاً إلى انتخابات مجالس محافظات حرة خلال عام، تمنح شرعية محلية حقيقية.

ثانيها، إقرار قانون لامركزية سورية واضح يوزع الصلاحيات والموارد بين المركز والأطراف بمعادلات رقمية وقانونية، لا يبقيها شعارات.

ثالثها، تجريم خطاب الكراهية من جميع الأطراف: من يقول “اللامركزية انفصال” يخون إرادة الناس في إدارة شؤونهم، ومن يقول “المركزية احتلال” يخون وحدة البلاد.

سوريا الجديدة لن تُبنى إذا انتصرت دمشق على القامشلي، أو قامشلو/ القامشلي على دمشق. ستُبنى إذا انتصرت فكرة واحدة: أن إرادة الشعوب في إدارة حياتها اليومية، هي نفسها التي تحمي الدولة الوطنية من التفكك.

المركزية قتلت سوريا مرة. لا يجب أن نسمح للخوف من اللامركزية أن يقتلها مرة ثانية.

==========

نقلاً عن موقع المؤسسة الدولية للتضامن وحقوق الإنسان

 

قد يهمك