بث تجريبي

د. عمر عبدالكريم يكتب: المعلم أولاً.. ثم البقية من بعده تأتي

في الخامس من أكتوبر من كل عام، يقف العالم إجلالاً وتقديراً لمهنة هي أصل المهن، ولرسالة هي أسمى الرسائل؛ اليوم العالمي للمعلم ليس مجرد تاريخ عادي، بل هو وقفة شرفية لتذكير البشرية بمن يحملون مشاعل النور في ظلمات الجهل، ويبنون العقول التي تُشيّد الحضارات.

صنّاع الحضارات والأجيال

إذا كانت الأمم تُقاس بتقدمها العلمي والتكنولوجي، وبمدى عمرانها واقتصادها، فإن الصانع الحقيقي خلف كل هذه الإنجازات هو المعلم.

إن الناظر في صرح الحضارة الإنسانية يرى لوحة بديعة تتشابك فيها الجهود وتتكامل الأدوار؛ فلا يستطيع أحدٌ أن ينكر ما يقدمه الطبيب من أملٍ يداوي به الجراح ويسترد به نضرة الحياة، ولا ما يشيّده المهندس من صروح وعمران يُطوّع الطبيعة لخدمة البشرية. ولا نملك إلا الإجلال لما يطوّعه الفيزيائي والكيميائي من أغوار الكون وأسرار المادة لابتكار حلول تُضيء عتمة المستقبل. حتى حركة الحياة اليومية ونبض الأسواق، ما كانت لتستقيم لولا حكمة التجار، ودقة الصناع، وسعي البائعين الذين يؤمّنون للمجتمعات قوام عيشها واستقرارها.

غير أن هذه العقول المبدعة والأنامل الماهرة لم تصل إلى ما وصلت إليه من رفعة واقتدار بين عشية وضحاها وحدها؛ بل كانت ثمرة غرسٍ خفيّ امتدت جذوره إلى بدايات الصغر. إنها يد المعلم التي امتدت لتزيل غشاوة الجهل، وتفتح أمام تلك العقول الناشئة أبواب المعرفة، وتغرس في نفوسهم شغف البحث والتفكير.

فمشرط الطبيب الدقيق لم يتعلّم الحكمة والرحمة وحده، بل كان وراءه معلمٌ علّمه كيف يستوعب علوم الحياة ويصون كرامة الجسد. ومخطط المهندس العظيم ليس إلا امتداداً لخطوطٍ بسيطة رسمها له معلمه الأول على السبورة، فعلّمه كيف يرى في الفراغ بناءً، وفي الأرقام نظاماً. وكل معادلة كيميائية أو اكتشاف فيزيائي يغيّر مجرى التاريخ، بدأ بشرارة سؤالٍ طرحه معلمٌ داخل أروقة الفصل الدراسي ليوقظ به فضول العقل والعلم لدى أبنائنا الطلاب.

إن المعلم هو المهندس الأول للشخصية الإنسانية، والشرارة الأولى التي تنطلق منها كل العلوم والمهن. هو النهر الذي تتشعب منه كافة الروافد والجداول، والمنارة التي يسترشد بنورها كل سالكٍ في طريق العلم والعمل. ومن هنا، فإن احترام المعلم وإجلال قدره ليس مجرد واجبٍ أخلاقي، بل هو اعترافٌ صريح بالأصل، ووفاءٌ للركيزة الأساسية التي يرتكز عليها تقدم المجتمع ورقيّه.

فعندما نقف إجلالاً لنهضة الأمم وازدهار حضاراتها، يجب أن ندرك يقيناً أن خلف كل عالمٍ متميز، وطبيبٍ بارع، ومهندسٍ ماهر، وصانعٍ متقن... معلماً أضاء شمعة العلم في قلبه، وفتح أمامه آفاق المستقبل.

لماذا المعلم أولاً؟

عندما نقول «المعلم أولاً»، فنحن لا ننقص من قدر المهن الأخرى، بل نضع كل الأشياء في نصابها الصحيح. فالاهتمام بالمعلم هو نقطة الانطلاق لأي إصلاح أو نهضة مجتمعية:

المعلم أولاً في التقدير والاحترام: يستحق المعلم المكانة الاجتماعية الأرفع، فهو ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل، بل هو قائد فكري ومربٍّ للأجيال.

المعلم أولاً في التمكين والدعم: تمكين المعلم وتزويده بأحدث الأدوات والتدريب المستمر وضمان حياة كريمة له هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن.

المعلم أولاً في بناء النهضة: عندما يمتلك المعلم الدافع والشغف والأمان، يستطيع أن يحوّل المدرسة من مجرد مبنى إلى حاضنة للابتكار والإبداع.

رسالة إجلال ومحبة

في هذا اليوم العظيم، نبعثها إلى كل معلم ومعلمة، إلى كل من سهر الليالي ليُعدّ درساً، وإلى كل من امتلك الصبر ليحتوي طالباً، وإلى كل من ترك أثراً طيباً في قلب وعقل أبنائنا الطلاب.

إن الأمم التي أدركت قيمة المعلم ووضعتها في صدارة أولوياتها، هي الأمم التي تقود العالم اليوم. فليكن شعارنا دائماً وأبداً: تُبنى الأوطان بالتعليم، ولا تعليم بلا معلم.. فالمعلم أولاً، ثم البقية من بعده تأتي.

قد يهمك