لم تكن حرب السادس من أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بل كانت عبورًا تاريخيًا نحو المستقبل، ولا نزال حتى اليوم نتأمل الدروس المستفادة من هذه الحرب على جميع المستويات: العسكرية، والسياسية، والاستراتيجية، والنفسية. وما زالت تُدرَس في الأكاديميات العسكرية حول العالم بعد مرور 53 عامًا، خاصة نجاح الصواريخ المضادة للدبابات والمحمولة كتفًا في تحييد التفوق الجوي والدرعي الإسرائيلي مؤقتًا، مما غيّر الفكر العسكري العالمي، وأبرز أهمية الدفاع المتكامل والأسلحة الدقيقة الرخيصة نسبيًا.
نجحت مصر في تحقيق مفاجأة استراتيجية وتكتيكية كاملة، رغم تحذيرات استخباراتية جزئية، من خلال عمليات خداع محكمة، واختيار التوقيت الذي يوافق يوم عيد الغفران عند الإسرائيليين، والإعداد الطويل بعد حرب الاستنزاف. وأثبت ذلك أن التخطيط الجيد والتنسيق الدقيق يمكن أن يغيرا موازين القوى، حتى أمام عدو متفوق تقنيًا.
ولم يكن هدف مصر تدمير إسرائيل، بل كسر حالة اللا حرب واللا سلم، واستعادة الأرض والكرامة، وفتح باب المفاوضات بشكل جدي قائم على الندية بين الطرفين. وحققت مصر ذلك بنجاح، واستعادت سيناء عبر كفاح طويل عسكريًا وسياسيًا.
وكان الدعم الشعبي والوحدة الوطنية عاملين حاسمين، إلى جانب الدعم الاقتصادي العربي، خاصة سلاح النفط. وأظهر ذلك أن التضامن والعمل المشترك يضاعفان القدرة على التأثير إقليميًا ودوليًا، وكذلك ضرورة ربط القوة العسكرية بهدف سياسي واضح وقابل للتحقيق، والحذر من التحيزات المعرفية، وأهمية الاستعداد للسيناريوهات غير المتوقعة، وأن الكرامة الوطنية والوحدة الداخلية عوامل قوة حقيقية لا تقل عن السلاح.
ولأن معركة العبور إلى المستقبل تظل مستمرة، حتى لو اختلفت آليات التنفيذ، اختارت مصر سيناء لتكون أرض معركة التنمية، كما كانت في معركة التحرير، وبدأت في تنفيذ مشروع قومي شامل ومتكامل، يشمل مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والأمنية، بهدف تحويل سيناء من منطقة هامشية نسبيًا إلى امتداد طبيعي للوادي والدلتا، ومركز جذب للسكان والاستثمار، وركيزة للأمن القومي.
وبدأت الدولة في إقامة مئات المشروعات باستثمارات ضخمة، منها شبكة أنفاق أسفل قناة السويس، وطرق ومحاور استراتيجية، وتطوير خط سكة حديد يمتد من الفردان/بئر العبد إلى العريش، ثم طابا، بطول نحو 500 كم، ويهدف إلى ربط سيناء بمصر، وإقامة ممر لوجستي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، إلى جانب تطوير ميناء العريش والمطارات.
ولأن ندرة المياه كانت من المشكلات الأساسية في سيناء، أقامت الدولة محطات عملاقة لمعالجة المياه، ومحطات لتحلية مياه البحر في العريش ومدن جنوب سيناء. ويسهم ذلك في استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة، مع التركيز على زراعة الزيتون والقمح والخوخ والنباتات الطبية، وإنشاء تجمعات زراعية وتوطين البدو، إلى جانب إنشاء وتطوير مدن وتجمعات جديدة، ومنازل بدوية، وتجمعات سكنية متكاملة في رفح والشيخ زويد وبئر العبد وغيرها، إلى جانب مشروع «التجلي الأعظم» في سانت كاترين لتطوير السياحة الروحية والبيئية، وإقامة مدارس حديثة وفندقية وزراعية، وتوسعات في الكهرباء والطاقة الشمسية.
إنها سيناء، بوابة مصر الشرقية، وتنميتها الشاملة تعزز السيطرة الفعلية على الأرض، وتحد من الفراغات التي قد تُستغل، وتربطها عضويًا بباقي الجمهورية، وتسهم في تخفيف الضغط على الوادي والدلتا المكتظين، وتوسيع الرقعة المعمورة، وجذب الشباب والسكان إلى مناطق جديدة، وزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، ودعم الصادرات، وتحويل سيناء إلى مركز لوجستي يربط التجارة الدولية، واستغلال الموقع الجغرافي الفريد لسيناء كجسر بين آسيا وأفريقيا، وتعزيز دور مصر الاقتصادي في المنطقة.
ومنذ أيام قليلة، كانت هناك ضجة مفتعلة بسبب مشروعات السكك الحديدية الجديدة في سيناء، خاصة المشروع الرئيسي، وهو خط سكة حديد الفردان – شرق بورسعيد – بئر العبد – العريش – طابا، بطول إجمالي يقارب 500 كيلومتر، ويشكل المكون الرئيسي للممر اللوجستي التنموي «العريش – طابا»، الذي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر برًا.
ويعد هذا الممر طريقًا بريًا بديلًا/مكملًا لقناة السويس لبعض أنواع البضائع، ويربط مصر بشبكات تجارية إقليمية، بما في ذلك بضائع من الدول العربية والخليج والهند والصين، ويعزز السيادة المصرية على سيناء من خلال ربطها عضويًا بالوادي، وملء الفراغ التنموي الذي كان يُستغل سابقًا.
كما يسهم في نقل الركاب والبضائع بكفاءة عالية وتكلفة أقل من النقل البري التقليدي، مما يخدم التجمعات السكنية والصناعية والتعدينية والزراعية في شمال ووسط وجنوب سيناء، ويربط المناطق الإنتاجية مباشرة بميناء العريش وميناء طابا، ثم بشبكة السكك الحديدية القومية، مما يسهل التصدير والاستيراد، ويعزز تنافسية المنتجات المصرية، ويؤدي إلى جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، ودمج سيناء اقتصاديًا واجتماعيًا مع باقي محافظات الجمهورية.
لقد تعرض هذا المشروع التنموي المهم لانتقادات من العدو، الذي يرى أن ربط سيناء بالوادي وتسهيل الاستيطان والتنمية يغير «الفراغ» السابق قرب الحدود، ويعزز الوجود المصري الدائم، وأن ربط الخط بتطوير ميناء العريش وتوسعة مطار العريش يُقرأ كمنظومة لوجستية متكاملة تزيد القدرات، وقد ينافس أفكارًا إسرائيلية قديمة لإنشاء خط سكة حديد يربط إيلات بأشدود أو حيفا كبديل جزئي لقناة السويس.
والحقيقة أن هذا المشروع مدني تنموي بحت، ولا ينتهك معاهدة السلام، التي تسمح بالطرق والسكك الحديدية، وأن سيناء أرض مصرية ومن حقنا تنميتها. وكان رد وزير النقل الفريق كامل الوزير صريحًا ومباشرًا عندما قال: «هما زعلانين ليه؟ دي أرضنا ومن حقنا ننميها.. هو القطر بيضرب نار؟!».
إن معركة العبور إلى المستقبل التي ما زلنا نخوضها تشير إلى أن التنمية الحالية ليست مجرد مشروعات متفرقة، بل رؤية متكاملة تجمع بين التعمير والاستقرار والإنتاج، وتهدف إلى جعل سيناء جزءًا حيويًا من «الجمهورية الجديدة».
والجهود مستمرة ومتسارعة، مع تركيز واضح على المياه والزراعة والربط اللوجستي كأساس لكل ما يليها.
نقلاً عن جريدة الأهرام...
منبر الرأي
فضاءات الفكر
فضاءات الفكر
منبر الرأي