بث تجريبي

الإثنوسنترية وإعادة بناء الفضاء المشرقي: من مجازر المفهوم إلى تجاوز الأحادية

يُمثّل مفهوم "المركزية الإثنية" أو "الإثنوسنتريّة" (Ethnocentrism) إحدى أكثر المقولات المعقدة والمحورية في العلوم الاجتماعية، والأنثروبولوجيا، والفلسفة السياسية؛ إذ يُشير إلى ميل الجماعة البشرية إلى جعل ثقافتها، وقيمها، وبنيتها الرمزية هي "المركز المطلق" والأصل الإبستمولوجي الذي تُقاس عليه وتُقيّم وفقاً له كافة الثقافات والجماعات الأخرى. وقد شهد هذا المفهوم مساراً تنظيرياً فلسفياً مكثفاً؛ إذ صاغه عالم الاجتماع الأمريكي ويليام غراهام سمنر (William Graham Sumner) عام 1906 لتحديد الرؤية الذاتية للجماعة الداخلية بوصفها مصدر المعايير الأخلاقية، مقابل تموضُع الجماعة الخارجية كـ "آخر" أدنى مرتبة أو مصدر للتهديد. وفي حين حذّر بنيوياً عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستراوس (Claude Lévi-Strauss) من تحويل هذا التباين الثقافي إلى تراتب هرمي يتوهم وجود "أصل بشري نقي"، مؤكداً أن التنوع والتثاقف هما المحركان الأساسيان للتاريخ البشري، تناوله الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) كإخفاق بنيوي في "العقلانية التواصلية" يُغلق أفق الحوار المتكافئ ويستعيض عنه بمنطق الاستتباع والإخضاع. وتكتمل أبعاد هذا المفهوم في نقد المفكر والأكاديمي إدوارد سعيد (Edward Said) لـ "المركزية الأوروبية" (Eurocentrism)، مبايناً كيف تتحول الإثنوسنتريّة من مجرد انحياز ثقافي عفوي إلى سلطة معرفية-سياسية تُنتج "الآخر" المشرقي وتنزع عنه الفاعلية الحضارية لتبرير الهيمنة عليه.

إسقاط المفهوم على الشرق الأوسط: الجغرافيا والتاريخ

عند نقل مفهوم الإثنوسنتريّة من مداره النظري إلى التاريخ السياسي للشرق الأوسط، نجد أن المنطقة لم تكن تاريخياً مبنية على التمركز الإثني المغلق بمعناه الحديث، بل كانت فضاءً إمبراطورياً ومجتمعياً متعدداً وشبكياً يتسع لتعددية الإثنيات والأديان واللغات. غير أن دخول الحداثة الغربية في أعقاب تداعي الدولة العثمانية وفرض اتفاقيات التقسيم الاستعماري (كسايكس-بيكو) أدخلا أزمة التمركز العرقي إلى قلب البنية المشرقية.

إن الإثنوسنتريّة في الشرق الأوسط لم تتبلور كظاهرة اجتماعية تلقائية فحسب، بل تحولت إلى إثنوسنتريّة دولتيّة مؤسساتية؛ إذ تم استيراد نموذج "الدولة-القومية" الغربي المتجانس وإسقاطه على جغرافيا شديدة التنوع والتداخل. ونتج عن ذلك سعي الأيديولوجيات القوموية والدينية المهيمنة في المنطقة — سواء بتمظهراتها القوموية العربية، أو الطورانية التركية، أو القوموية الفارسية، أو المشروع الصهيوني الاستيطاني — إلى اختطاف مفاصل الدولة أو فرض الكيان القومي الإقصائي، وإضفاء صبغة المركزية المطلقة على الهوية الذاتية. ورافق ذلك إزاحة الشعوب والقوميات والمكونات الأصيلة الأخرى (كالكرد، والأمازيغ، والآشوريين، والأرمن، والتركمان، والفلسطينيين) إلى الهامش السياسي والثقافي أو اقتلاعهم من أرضهم التاريخية، واعتبار أي مطالبة بالاعتراف بالهوية والوجود بمثابة تهديد وجودي لـ "الكيان القومي للدولة".

التفكيك الفلسفي والفكري للتمركز العرقي

يتطلب التفكيك الفلسفي للإثنوسنتريّة تشريح أوهامها الابستمولوجية والأخلاقية؛ فالمركزية العرقية تقوم على مغالطة اختزال التعقيد الإنساني والوجود التاريخي في معيار هوياتي أحادي مقفل، إذ تفترض فلسفياً وجود "جوهر نقي وحصري" للإثنية، وهو وهم يكشف التفكيك النقدي عن تهافته عبر ثلاث قضايا رئيسية: أولها وهم "النقاء الهوياتي"، إذ لا توجد إثنية أو ثقافة نشأت في عزلة وجودية صماء، فكل الهويات المشرقية هي وليدة تلاقح وتأثيرات وتراكمات حضارية متقاطعة عبر آلاف السنين، وثانيها تحويل "الخاص" إلى "مطلق كوني"، حيث تُحوّل الإثنوسنتريّة السرديات والممارسات الثقافية للجماعة المهيمنة إلى معايير إنسانية مطلقة تُحيل الهويات الثقافية الأخرى إلى انحراف أو حالة من البدائية التي يجب تقويمها أو قمعها، وثالثها صناعة ثنائية (المركز/الهامش)، حيث تعتمد المركزية العرقية على أنطولوجيا صلبة تقوم على الثنائيات الضدية (أنا/الآخر، الذات/الموضوع، المرأة/الرجل، الحضارة/المدنية)، مما يُغلق بوابات العقد الاجتماعية ويعيق بناء أفق حداثي قائم على الاعتراف المتبادل والتفاعل الخلاق.

أزمة "الدولة القومية الأحادية" في الشرق الأوسط: بين العلمانية الشمولية، الدينية المذهبية، والذكورية الأبوية

تمثّل المظهر الأكثر تدميراً للإثنوسنتريّة المشرقية في قيام "الدولة القومية الأحادية، والتي تشكّلت وتغذّت عبر ثلاثة نماذج وأعمدة إقصائية متداخلة:

1- النماذج العلمانية الشمولية: سعت الأنظمة القومية (كالكمالية في تركيا، والبعثية في سوريا والعراق، والبهلوية في إيران) إلى بناء دولة حديثة مفترضة عبر ممارسة "الإبادة الثقافية" و"الصهر القسري" لكافة المكونات. وقد تجسد ذلك في تجريم اللغات الأم، وهندسة الجغرافيا السكّانية، ومحو الأسماء التاريخية. لقد كانت "علمانية" هذه الأنظمة مجرد قشرة أيديولوجية؛ إذ استبدلت "اللاهوت الديني" بـ "لاهوت القومية المهيمنة"، وحوّلت أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية إلى أدوات لفرض التمركز العرقي.

2- النماذج الدينية والمذهبية: في المقابل، لم تكن المشاريع الإسلاموية أو المذهبية السياسية التي طرحت نفسها كبديل للعلمانية القومية أقل تمركزاً؛ بل قامت بدمج التمركز العرقي بالمذهبي وإلباسه لبوساً مقدساً. وسواء تمثّل ذلك في أشكال الثيوقراطية أو سعي الجماعات الراديكالية لاستعادة إمبراطوريات متخيلة، فقد أدت هذه المشاريع إلى نفي المكونات غير المسلمة أو المخالفة مذهبياً، وعمّقت الشرخ الاجتماعي عبر استبدال المواطنة بالانتماء العقائدي المغلق.

3- النماذج الذكورية الأبوية: تُشكل البنية العميقة والممتدة في كلا النموذجين السابقين؛ حيث بُنيت الدولة والسياسة وفق أنطولوجيا إخضاعية تحتكر فيها النخبة الذكورية مجالات القرار والسيادة، وتُقصي المرأة وتُشيّئ وجودها الفاعل. ولتصبح السلطة المؤسساتية في الدولة القومية امتداداً لبنية أبويّة تُقاس فيها القوة والشرعية بمنطق السيطرة والغلبة والتراتبية القمعية، مما يربط بشكل وثيق بين القمع العرقي والقمع الجندري.

لقد برهنت التجربة التاريخية أن الدولة القومية الأحادية بأعمدتها الثلاثة — العلمانية الشمولية، والدينية المذهبية، والذكورية الأبوية — فشلت تماماً في إدارة التنوع المشرقي، وأصبحت المصدر الأساسي للحروب الأهلية، والحروب الاستنزافية، والانهيار المؤسسي.

التجربة الكردية ونقد السيد عبد الله أوجلان للتمركز العرقي

تُمثّل المسألة الكردية الحالة النموذجية والمعبرة عن ضحايا الإثنوسنتريّة المشرقية والدولة القومية الأحادية. فمع تقسيم كردستان بين أربع دول قومية حديثة، خضع الشعب الكردي لسياسات إنكار وجودية وإقصاء ممنهج.

وفي مواجهة هذا الانسداد، قدم المفكر ورائد الحركة السياسية الكردية عبد الله السيد عبد الله أوجلان مراجعة فلسفية وسياسية وإستراتيجية شجاعة لنماذج التحرر القومي التقليدية، منتقلاً بالمسألة الكردية من حيز المظلومية القومية الضيقة إلى أفق كوني وإقليمي ينشد الفكاك من قبضة الحداثة الرأسمالية عبر "نظريّة السلام والمجتمع الديمقراطي":

1-    التحوّل الاستراتيجي نحو "السياسة الديمقراطية": تجاوز السيد عبد الله أوجلان طروحات "الدولة القومية الكردية المستقلة"؛ إذ يرى أن تأسيس دولة قومية كردية جديدة ليس سوى إعادة إنتاج لآليات الاضطهاد والتمركز العرقي ذاتها. ومن هنا، فرض التحول نحو استراتيجية السياسة الديمقراطية كمسار مدني ونضالي يعتمد الحوار السياسي، والنضال المؤسسي، والبناء المجتمعي كبديل حتمي لثنائية (العنف الأمنوي / المقاومة المسلحة).

2-    تفكيك المركزية عبر "الإدارات المحلية والإدارة الذاتية": يُشكل مفهوم الإدارات المحلية والمستقلة ذاتياً اللبنة التنظيمية والفلسفية الأهم في فكر السيد عبد الله أوجلان لتفكيك بنية الدولة القومية الشمولية. فالإدارة الذاتية عنده ليست تقسيماً للجغرافيا أو انفصالاً سياسياً، بل هي تفكيك للمركزية السياسية الشديدة لصالح نقل السلطة والقرار إلى الكومونات والمجالس الشعبية المحلية. إنها تمكين المجتمعات المشرقية من إدارة شؤونها الحيوية (كالتعليم باللغات الأم، والاقتصاد التعاوني، والتنمية، والأمن المحلي) عبر آليات الديمقراطية المباشرة.

3-    أطروحة "الاندماج الديمقراطي" بديلًا عن الانفصال والصهر: يرفض السيد عبد الله أوجلان أطروحتين فاشلتين: "الصهر القسري" الذي تمارسه الدول المركزية، و"الانفصال القومي" الذي يُمزّق النسيج المشرقي التاريخي. ويطرح بدلاً منهما "الاندماج الديمقراطي"؛ وهو صيغة تفاعلية قائمة على إعادة هيكلة بنية المركز وتحويل الدولة من "كيان قومي أحادي" إلى "دولة قانون ديمقراطية" تتسع لكافة مكوناتها، مقابل اندماج المكونات في الفضاء السياسي بصفة شركاء أصلاء ومساوين.

4-    المواطنة الديمقراطية المتساوية وحق الهوية والتنظيم: يرتكز الاندماج الديمقراطي على المواطنة الديمقراطية المتساوية الكافلة للاعتراف الدستوري بكافة الهويات الثقافية واللغوية. ويُلغى وفق هذه الرؤية منطق "الأغلبية المهيمنة والأقلية التابعة"، ليُكفل لجميع المجتمعات والشعوب الحق المطلق في التعبير والتنظيم الذاتي وصيانتها ضمن أطر قانونية ودستورية مرنة.

5-    التكامل الديمقراطي وإعادة بناء العلاقات المشرقية: يرى السيد عبد الله أوجلان أن حدود الدول القومية أحدثت قطيعة مصنعة بين الشعوب المشرقية (العرب، الأكراد، الأتراك، الفرس، الأرمن، والآشوريين). لذا، تُشدد رؤيته الأخيرة على الضرورة التاريخية لـ إعادة بناء العلاقات بين شعوب المنطقة في إطار "التكامل الديمقراطي المشرقي". هذا التكامل لا يسعى لإلغاء الحدود القائمة بالقوة، بل يفرغها من محتواها الإقصائي القائم على التعصب العرقي والتمترس المركزي، ويستبدلها بإدارات محلية متضامنة وفضاء إقليمي واسع من التعاون الاقتصادي والتضامن الأخوي الثقافي.

مسؤولية المفكر والمجتمع المشرقي

 يتطلب الخروج من حالة الانسداد الحضاري والسياسي التي تعيشها جغرافيتنا المشرقية شجاعة فكرية وسياسية لمغادرة أوهام التمركز العرقي والدولة القومية الشمولية، وتقع هنا مسؤولية تاريخية ومضاعفة على عاتق المفكر والمجتمع المشرقي: تكمن مسؤولية المفكر المشرقي في القطيعة الأبستمولوجية مع موقع "مثقف السلطة" أو "مثقف القومية المهيمنة"، والنهوض بدور نقد البنى الفكرية والمفاهيمية للإثنوسنتريّة والتأسيس لأفكار جديدة تُعلي من شأن التعددية، والعيش المشترك، والتحول الديمقراطي، والتمكين المحلي التشاركي، بينما تتجلى مسؤولية المجتمع المشرقي في استعادة الذات المشرقية التاريخية القائمة على التنوع الجغرافي والثقافي، والانتقال الواعي من منطق الصراع بين الهويات المغلقة والدول المركزية إلى منطق الحوار والتضامن الشعبي وبناء مجتمع ديمقراطي مؤطر بإدارات محلية حرة تُدير شؤونها بنفسها من القاعدة إلى القمة؛ فمستقبل الشرق الأوسط مرهون بالانتقال الحاسم من "مركزية العرق والدولة القومية" إلى "ديمقراطية المجتمع، والإدارات المحلية، والاندماج المتعدد"، بمعنى من الدولة الأحادية إلى الجمهورية الديمقراطية، حيث يتحول التنوع الإثني والثقافي من الذريعة التاريخية للاقتتال والتهميش إلى الرصيد الأساسي للنهضة والانبعاث الحضاري المشرقي.

...... نقلاً عن وكالة فرات للأنباء.

قد يهمك