الثورة الصناعية الرابعة والتوجه نحو الثورة الخامسة وارتباطهما باقتصاد المعرفة يتطلب بحث إمكانية توجه العديد من الدول العربية نحو تدويل التعليم، حيث لم يعد خيارًا رفاهيًا بقدر ما أنه ضرورة استراتيجية للعبور نحو المستقبل، لضمان تحقيق مكانة مميزة في نظام اقتصاد المعرفة المسيطر على الأسواق العالمية.
ومن المؤكد أن هذا الخيار بحاجة لإرادة سياسية رشيدة وواعية، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
بلا شك، تدويل التعليم لا يستهدف استيراد المناهج الأجنبية فقط أو تقليد التجارب الغربية، بل في حقيقته يراعي إعادة هيكلة شاملة للمنظومة التعليمية لصياغتها وفق معايير الجودة العالمية، مع أهمية الحفاظ الكامل على الهوية الوطنية الخالصة، وذلك اتساقًا مع إطار الاهتمام بإدماج البعد العالمي والدولي والتعليمي والمستقبلي في أهداف التعليم ووظائفه من تدريس وبحث علمي وخدمة المجتمع.
وتدويل التعليم ربما يسهم في نقل دائرة الطالب من مرحلة التلقين المحلي إلى آفاق التفكير العالمي والعمل المحلي، وتزويده بالمهارات الكونية دون فصله عن جذوره الحضارية، وإذا كانت الغاية منه إكساب الطالب قدرات على التحليل النقدي والتفكير الإبداعي والتواصل بلغات متعددة، مع القدرة على التكيف في بيئات عمل متنوعة ثقافيًا، مما يجعله قادرًا على المنافسة في سوق العمل الدولي دون أن يفقد اعتزازه بهويته ولغته الوطنية.
وحتى ينتقل التعليم التقليدي في العديد من الدول العربية ويرحل من محطته الرئيسية، لابد أن يستند على مجموعة من المقومات التكاملية، والتي تشمل التكامل بين العلوم، سواء العلوم الهندسية أو الرياضية أو التكنولوجية أو مناهج العلوم بصفة عامة، إلى جانب العلوم الإنسانية والفنون، مع التركيز المكثف على مهارات البرمجة والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن بناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات التعليمية الوطنية ونظيرتها من الجامعات والمدارس الدولية الكبرى عبر منح درجات علمية مزدوجة وتسهيل التبادل الطلابي وأعضاء هيئة التدريس.
ويتطلب التدويل في التعليم تحويل دور المعلم من الملقن إلى الميسر والموجه عبر برامج تنمية مهنية مستمرة يتم إعدادها بالشراكة مع بيوت الخبرة العالمية، ممزوجة بالفلسفات التربوية المتوازنة، والاستفادة من النماذج العالمية الرائدة في تبني الشخصية المتكاملة، مثل فلسفة التوكاتسو اليابانية التي تنمي الانضباط والعمل الجماعي والاعتماد على الذات، أو نظام البكالوريا الدولية الذي ينمي البحث العلمي والتفكير الحر.
ويظل الرهان المستحدث يدور حول التعليم التكنولوجي كأحد أبرز مجالات التدويل وأكثرها تأثيرًا في الوقت الحالي، حيث أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصادات القوية لا تُبنى فقط بالشهادات الأكاديمية النظرية، بل بالمهارات الفنية المتقدمة. أتصور ضرورة التوسع في إنشاء المدارس والجامعات التكنولوجية المعتمدة دوليًا، فضلًا عن الشراكة المباشرة مع القطاع الصناعي والشركات العالمية، نظرًا لأنه يمثل المسار العملي الأسرع للربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، حيث إن البكالوريا التكنولوجية والشهادات المزدوجة في مجالات مثل الطاقة الجديدة والمتجددة والبرمجيات والسيارات الكهربائية تمنح الخريجين فرصًا حقيقية للعمل داخل الوطن وخارجه وفق أعلى المستويات المعيارية.
ويظل أمامنا في مسألة تدويل التعليم مجموعة من التحديات لا يمكن إغفالها، في مقدمتها الفجوة الاقتصادية، وخاصة عند غياب العدالة الاجتماعية، مما يعمق الفجوة الاجتماعية، لذلك فإن المسؤولية الحقيقية تتطلب إتاحة هذه النماذج الدولية داخل المنظومة الحكومية والمجانية عبر المدارس النموذجية والتوسع في المنح الدراسية، مع الحفاظ على الهوية واللغة، حيث إن الانغماس غير المنهجي في المناهج الأجنبية قد يؤثر على تهميش اللغة الأم، مما يؤدي لإضعاف الوعي التاريخي.
ومن الأهمية مراعاة تدريس اللغة الوطنية والتاريخ والتربية الوطنية بشكل معياري إلى جانب المناهج الدولية.
ومن مخاطر تدويل التعليم تحويله إلى سلعة تجارية، مما يطرح أمامنا مجموعة من المخاوف الأساسية، وأبرزها ضرب مبدأ تكافؤ الفرص، حيث التعليم هنا يوجه للقدرة المالية وليس للكفاءة، ومن المتصور أنه عندما يتحول التعليم لسلعة، فإن الطالب يحصل على جودته بقدر يتناسب مع ما يدفعه، مما يؤدي إلى حرمان أبناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة من التعليم المتميز، وبدلًا من أن يكون التعليم أداة للحراك الاجتماعي والارتقاء بالفئات الأقل حظًا، يتحول إلى أداة لترسيخ الفوارق الطبقية، فضلًا عن التخلي عن التعليم كحق إنساني وخدمة عامة، ويحول الطالب إلى زبون، يتغير دوره من متلقٍ للتربية والمعرفة إلى مستهلك، ودور المعلم من مربٍ وموجه إلى مقدم خدمة يخضع لمعايير الربحية والتكلفة، بالإضافة إلى التخوف من تراجع دور الدولة والانسحاب التدريجي لرقابتها، بجانب إغفال التخصصات الإنسانية والتركيز على الربح، حيث تسعى المؤسسات التعليمية الربحية للتركيز على التخصصات ذات التكلفة المنخفضة والعائد المالي السريع، مثل علوم الحاسب والإدارة، وتتجاهل العلوم الأساسية كالفيزياء والرياضيات والعلوم الإنسانية واللغة والآداب والتاريخ.
ويقع العبء الأكبر على بعض المؤسسات في اقترانها بفخ تسهيل متطلبات النجاح والحصول على الشهادات لإرضاء الزبائن، مما يؤدي إلى ما يعرف بتضخم الدرجات وهبوط المستوى الأكاديمي، كما يتضح في هذا النظام اللجوء لتقليل أعداد المعلمين أو التعيين برواتب منخفضة أو تقليص مساحات الأنشطة والخدمات المساعدة لزيادة هامش الربح. من الأهمية الأخذ في الاعتبار مراعاة التصدي لمخاوف تدويل التعليم، نظرًا لصعوبة إخضاع المؤسسات العابرة للحدود أو المنصات الرقمية الدولية لنفس معايير الرقابة الوطنية على الجودة والمحتوى.
وأخيرًا، عندما يتحول الربح المالي هو الهدف الأول من تدويل التعليم، تتحول الجودة وتكافؤ الفرص لمجرد عوامل ثانوية لتطوير التعليم.