لا يمثل مسار السلام الكردي في تركيا مجرد محاولة لإنهاء مواجهة مسلحة امتدت لعقود، بل يفتح المسار أمام اختبار أعمق يتعلق بطبيعة الدولة التركية، وحدود استيعابها للتعدد القومي والثقافي، وقدرتها على تحويل التسوية الأمنية إلى معالجة سياسية لجذور الصراع. فإعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه والاتجاه إلى نزع السلاح خلال عام 2025 شكّل تحولًا مهمًا في طريق المواجهة، لكنه لم يكن في حد ذاته تسوية للقضية الكردية؛ لأن إنهاء التنظيم المسلح لا يحسم تلقائيًا قضايا الهوية والحقوق والتمثيل السياسي والمشاركة في إدارة الدولة.
تكمن أهمية التطورات اللاحقة في انتقال المسار تدريجيًا من مستوى المبادرات والرسائل السياسية إلى محاولة وضع إطار قانوني للتعامل مع مرحلة ما بعد الصراع. وقد أقر البرلمان التركي في أغسطس 2026، بأغلبية 468 صوتًا مقابل 88، تشريعًا مرتبطًا بإعادة دمج المقاتلين السابقين، بما يعكس إدراكًا رسميًا لضرورة توفير مسار قانوني للانتقال من العمل المسلح إلى الحياة المدنية. ويتيح القانون لأعضاء التنظيم من الرتب الأدنى ممن لم يتورطوا في جرائم قتل أو جرائم جسيمة العودة وفق شروط محددة، ويرتبط تنفيذه بتحقق السلطات من إنهاء البنية التنظيمية وتسليم السلاح، مع استبعاد أوجلان والقيادات العليا والمحكومين بالمؤبد من نطاقه. وقد أعقب ذلك في سبتمبر انعقاد أول اجتماع للهيئة الرسمية المكلفة بمتابعة التنفيذ، وتشكيل مجموعات عمل للتحقق من نزع السلاح وتحديد الخطوات القانونية والمدنية اللاحقة. غير أن هذا التقدم لا يخفي استمرار التباين بين أولويات أنقرة، التي تضع استكمال نزع السلاح والتحقق منه في مقدمة الشروط، ومطالب القوى السياسية الكردية التي ترى أن نجاح العملية يتطلب، بالتوازي، إطلاق مسار للإصلاحات السياسية والقانونية وتوسيع الحقوق والحريات.
وقد كشفت التطورات الأخيرة عن أن العملية لا تزال أمام اختبار الثقة والانتقال إلى المرحلة التالية؛ إذ تحدث ممثلون عن حزب المساواة وديمقراطية الشعوب عن تعثر المسار، وعن ضرورة توسيع دور عبد الله أوجلان في متابعة العملية، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول الضمانات المطلوبة. ومن هنا، لا تتوقف جدية أنقرة عند قدرتها على إنهاء التهديد المسلح، وإنما تتحدد بمدى استعدادها لقبول أن السلام المستدام لا يقوم على مطالبة الطرف الكردي بتغيير سلوكه وحده، بل يتطلب أيضًا مراجعة السياسات التي أبقت القضية الكردية محصورة طويلًا في الإطار الأمني.
يمثل الانتقال إلى التشريع اعترافًا بأن إنهاء الصراع يحتاج إلى ترتيبات قانونية تتجاوز المواجهة الأمنية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن اختلاف الأولويات بين الحكومة التركية والقوى السياسية الكردية. فإقرار إطار قانوني لإعادة دمج المقاتلين السابقين يوفر أساسًا للتعامل مع مرحلة ما بعد نزع السلاح، لكنه لا يرقى إلى تسوية سياسية شاملة، ولا يعني بالضرورة معالجة أوضاع جميع السجناء أو المنفيين أو الناشطين السياسيين، ولا يتناول وضع أوجلان ولا تعديل تشريعات مكافحة الإرهاب. وتظل فعالية هذا الإطار مرتبطة بوضوح شروط تطبيقه، وضمان عدم تحول الإجراءات القانونية إلى أداة انتقائية، وبوجود مسار يتيح للمقاتلين السابقين العودة إلى الحياة المدنية دون أن يبقى مستقبلهم معلقًا على تقديرات أمنية متغيرة.
وتبرز هنا معضلة الضمانات المتبادلة؛ فالدولة تحتاج إلى التحقق من تفكيك البنية المسلحة وعدم إعادة إنتاجها، بينما يحتاج الطرف الكردي إلى ضمانات بأن التخلي عن السلاح لن يقابَل باستمرار القيود السياسية والثقافية. ولا يمكن بناء الثقة على التزامات أحادية؛ لأن غياب المقابل السياسي قد يضعف الحوافز الداعمة للتسوية، حتى إذا تحقق تقدم ملموس في الجانب الأمني. لذلك، فإن نجاح العملية يتطلب الجمع بين إجراءات التحقق من نزع السلاح، وضمانات العودة والإدماج، وفتح المجال أمام النشاط السياسي والمدني، بما يجعل الانتقال من الصراع إلى السلام عملية متبادلة وليست مجرد إعادة ترتيب أمنية.
ويظل وضع المفكر «عبد الله أوجلان» عنصرًا مؤثرًا في هذه المعادلة، بالنظر إلى دوره في الدعوة إلى إنهاء العمل المسلح وتأثيره داخل الحزب. وقد أعاد انتقاله إلى قسم جديد في سجن إمرالي خلال نوفمبر 2026 النقاش حول طبيعة دوره في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع مطالبة شخصيات من «حزب DEM» بتوسيع قدرته على التواصل والمساهمة في متابعة العملية، فيما أشار مسؤولون أتراك إلى أنه قد يكون في موقع يتيح له الإسهام في المسار دون تحديد طبيعة هذا الدور. لكن أهمية هذا الملف لا ينبغي اختزالها في شخص «أوجلان»؛ فاستدامة السلام تتطلب مؤسسات وقنوات سياسية وقانونية تتجاوز الاعتماد على شخصية واحدة، وتضمن استمرار المسار حتى في حال تغير الظروف أو تراجع قدرة القيادات الحالية على التأثير.
كما يعكس التعثر النسبي للعملية وجود فجوة بين التوافق على إنهاء المواجهة المسلحة والاتفاق على مضمون التسوية السياسية. فالحكومة تستطيع أن تعتبر حل الحزب ونزع سلاحه نقطة تحول كبرى، بينما ترى القوى الكردية أن المرحلة الأولى لا تكتمل دون خطوات مقابلة تتصل بالحريات السياسية، وأوضاع السجناء، وعودة المنفيين، وإعادة النظر في القيود المفروضة على النشاط المدني. وهذا الاختلاف ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل يتعلق بتعريف كل طرف للسلام نفسه: هل هو غياب العنف المسلح، أم إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين الأكراد على أساس المساواة والاعتراف بالتنوع؟
ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لأنقرة يتمثل في قدرتها على الانتقال من إدارة عملية نزع السلاح إلى بناء تسوية قابلة للاستمرار. فالتقدم الأمني قد يمنح الحكومة مكاسب سياسية داخلية ويخفف أعباء المواجهة، لكنه لن يضمن وحده إنهاء أسباب النزاع. وفي المقابل، فإن توسيع الحقوق والحريات لا يعني بالضرورة قبول مطالب الانفصال أو إضعاف وحدة الدولة؛ إذ يمكن بناء صيغة سياسية تستوعب التعدد القومي ضمن إطار دستوري موحد. وتلك هي المساحة التي يمكن أن يتحول فيها السلام من اتفاق بين أطراف متصارعة إلى عقد سياسي أكثر استقرارًا.
لا تنحصر القضية الكردية في تركيا في وجود «حزب العمال الكردستاني» أو نشاطه المسلح، بل ترتبط بتاريخ أطول من التوتر حول الاعتراف بالهوية واللغة والتمثيل السياسي وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق ذات الكثافة الكردية. وقد أدى التعامل الأمني الممتد مع القضية إلى تداخل المطالب السياسية والاجتماعية مع ملف مكافحة الإرهاب، بما جعل أي نقاش حول الحقوق الكردية عرضة للتأويل باعتباره تهديدًا لوحدة الدولة. ومن هنا، فإن التسوية الجادة تتطلب الفصل بين حق الدولة في مواجهة العمل المسلح، وحق المواطنين الأكراد في التعبير السياسي والثقافي والمشاركة العامة، بما يشمل الآتي:
(1) الاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية: يمثل الاعتراف بالتعدد القومي واللغوي مدخلًا أساسيًا لأي تسوية مستدامة. ولا يعني ذلك بالضرورة إعادة تعريف الدولة التركية أو التخلي عن هويتها الدستورية، وإنما تطوير مفهوم المواطنة بما يسمح بالتعبير عن الهوية الكردية واستخدام اللغة الكردية في المجال العام والتعليم والثقافة، دون أن يتحول ذلك إلى سبب للتمييز أو الإقصاء. فالمشكلة لا تتعلق باللغة وحدها، بل بالاعتراف بأن التنوع القومي حقيقة اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها عبر الأدوات الأمنية. وكلما اتسعت مساحة الاعتراف القانوني والثقافي، تراجعت قدرة الخطابات المتشددة على تقديم الدولة باعتبارها طرفًا رافضًا للهوية الكردية.
(2) المشاركة السياسية والتمثيل المحلي: تظل العلاقة بين الحكومة المركزية والبلديات ذات الأغلبية الكردية أحد أهم مؤشرات جدية الانفتاح السياسي. فقد أضعفت إجراءات عزل رؤساء بلديات منتخبين وتعيين أوصياء بدلًا منهم الثقة في المؤسسات الانتخابية، وأثارت تساؤلات حول حدود التمثيل المحلي. ولا يمكن مطالبة القوى الكردية بالانخراط الكامل في السياسة القانونية، مع بقاء نتائج الانتخابات عرضة للتعطيل بقرارات إدارية أو أمنية واسعة. لذلك، فإن ضمان احترام الإرادة الانتخابية، وتوفير بيئة تنافسية للأحزاب الكردية، يمثلان اختبارًا عمليًا لمدى استعداد أنقرة لتوسيع المجال السياسي، مع الاحتفاظ بحقها في المحاسبة القضائية وفق أدلة وإجراءات عادلة.
(3) العدالة الانتقالية وإعادة الإدماج: لا يكتمل الانتقال من الصراع إلى السلام بمجرد وقف العمليات المسلحة، بل يحتاج إلى معالجة آثار المواجهة على الأفراد والمجتمعات المحلية. ويشمل ذلك تحديد الأوضاع القانونية للمقاتلين السابقين، وإتاحة فرص العودة إلى الحياة المدنية، والنظر في ملفات السجناء السياسيين وفق معايير قضائية واضحة، إلى جانب معالجة آثار النزوح والفقدان والانتهاكات التي شهدتها مناطق الصراع. كما يتطلب الأمر عدم تجاهل حقوق ضحايا العنف من مختلف الأطراف؛ لأن بناء السلام لا يقوم على إنكار معاناة طرف أو احتكارها من طرف آخر. وتساعد آليات العدالة والإنصاف على منع انتقال المظالم القديمة إلى أجيال جديدة.
(4) تجاوز اختزال التمثيل الكردي في حزب واحد: لا تمثل الحركة الكردية كتلة سياسية أو تنظيمية متجانسة؛ فهناك أحزاب وقوى مدنية وانتخابية، وتيارات محافظة ويسارية، وتباينات في المواقف من أوجلان وحزب العمال الكردستاني، فضلًا عن اختلافات بين الأجيال والمناطق. ولذلك، فإن التعامل مع القضية باعتبارها ملفًا تنظيميًا واحدًا يحد من فرص التسوية، ويغفل أن جزءًا مهمًا من المطالب الكردية يُطرح عبر مؤسسات سياسية ومدنية تعمل داخل النظام القانوني التركي. ويقتضي الحل توسيع دائرة المشاركة، وعدم اشتراط التطابق السياسي مع أي قيادة أو تنظيم باعتباره معيارًا للاعتراف بالحقوق.
(5) بناء ضمانات دستورية ومؤسسية: تظل الإصلاحات المؤقتة عرضة للتراجع مع تغير الحكومات أو الحسابات الانتخابية، وهو ما يجعل إدراج ضمانات واضحة للحقوق والحريات داخل المنظومة القانونية أمرًا ضروريًا. ولا يشترط ذلك تبني نموذج فيدرالي أو حكم ذاتي؛ فهذه خيارات سياسية لها سياقاتها وتوازناتها، وإنما يتطلب ضمان المساواة أمام القانون، وحماية حرية التنظيم والتعبير، وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية في إطار الدولة. كما أن وجود رقابة برلمانية وقضائية مستقلة على تنفيذ التفاهمات يمكن أن يقلل من مخاوف الطرفين، ويمنع تحول العملية إلى تفاهم سياسي قابل للانهيار عند أول أزمة.
لا تتحرك أنقرة في الملف الكردي بمعزل عن محيطها الإقليمي؛ فالتداخل بين الساحات التركية والسورية والعراقية يجعل أي تقدم داخلي مرتبطًا بحسابات الأمن القومي والحدود والتحالفات الإقليمية. لكن هذا الترابط لا يعني أن جميع القوى الكردية في المنطقة تمثل طرفًا واحدًا، أو أن التسوية داخل تركيا يمكن أن تُفرض تلقائيًا على بقية الساحات، وتنقسم الملفات الإقليمية إلى:
(1) سوريا واختلاف السياق السياسي والعسكري: تمثل المسألة الكردية في سوريا أحد أكثر الملفات حساسية أمام أنقرة، وقد شهد هذا الملف تحولًا جوهريًا خلال عام 2026. فبعد تعثر اتفاق مارس 2025 وفشل تطبيقه، اندلعت اشتباكات في حلب في يناير 2026 انتهت بسيطرة الحكومة السورية على مساحات واسعة من مناطق الإدارة الذاتية، ثم أُبرم اتفاق نهاية يناير نص على دمج مرحلي للقوات العسكرية والمؤسسات المدنية والأمنية الكردية في مؤسسات الدولة. وفي أغسطس 2026، أعلن «مظلوم عبدي» اكتمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، ثم أعلن حل قوات سوريا الديمقراطية رسميًا من القصر الرئاسي في دمشق بعد انتهاء دمجها في الجيش السوري. وقد جاء ذلك مصحوبًا باعتراف بالحقوق الثقافية والمدنية والتعليمية الكردية، وبمنح اللغة الكردية صفة لغة وطنية إلى جانب العربية، ومعالجة وضع الأكراد عديمي الجنسية، وتعيين شخصيات كردية في مواقع حكومية، من بينها منصب نائب وزير الدفاع للمنطقة الشرقية. وتظل الصورة غير مكتملة؛ إذ لم تُحسم بعد مسألة الوحدات النسائية الكردية، ولا تزال المحادثات جارية بشأن النظام التعليمي الكردي، فيما لم تُدرج الحقوق الكردية في الدستور بعد، وهو ما يجعل العلاقة مع دمشق قابلة للتوتر. ويمثل ما جرى إسهامًا مهمًا في تهدئة أحد أعقد ملفات الجوار التركي، وقد رأى «أوجلان» أن اتفاق الدمج سيسهّل مسار «تركيا بلا إرهاب» ويسرّعه.
ومع ذلك، فإن تجربة الأكراد السوريين في مواجهة تنظيم «داعش» وما قدموه من تضحيات، وخصوصية سياقهم المحلي، تفرض النظر إليهم كشركاء في بناء الدولة السورية، لا كامتداد لأي ملف خارجي. ومن ثم، فإن الخلط بين المسارين السوري والتركي يظل مضرًا بالتسوية في البلدين، كما لا يمكن تجاهل المخاوف الأمنية التركية. ويتطلب الاستقرار السوري ترسيخ ما تحقق عبر ضمانات دستورية وقانونية تحمي الحقوق الكردية والتمثيل المحلي، بما يضمن وحدة الدولة ومؤسساتها، بعيدًا عن فرض حلول أحادية أو استخدام التهديد العسكري بديلًا عن الشراكة والتفاوض.
(2) العراق ومرحلة ما بعد نزع السلاح: يظل شمال العراق ساحة أساسية في مسار تفكيك البنية المسلحة، بحكم وجود معسكرات ومواقع ارتبطت بنشاط حزب العمال الكردستاني على مدى سنوات. وقد مثّل إعلان انسحاب مقاتلين من عدد من المعسكرات خلال أكتوبر 2026 مؤشرًا على انتقال العملية إلى ترتيبات ميدانية، لكنه يضع بغداد وأربيل أمام تحديات تتعلق بالسيادة وإدارة المناطق المتأثرة بالصراع وضمان عدم نشوء فراغ أمني. كما أن نجاح هذه المرحلة يحتاج إلى تنسيق عراقي داخلي، وعدم تحويل المناطق الكردية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين أنقرة والقوى المحلية. فاستقرار العراق يقتضي أن تتم ترتيبات الأمن ضمن مؤسساته، مع مراعاة خصوصية إقليم كردستان ومصالح سكان المناطق الحدودية.
(3) الحسابات التركية الداخلية والإقليمية: يمكن لأنقرة أن تحقق مكاسب استراتيجية من إنهاء الصراع، تشمل تخفيف الأعباء الأمنية والاقتصادية، وتوسيع قدرتها على التركيز في ملفاتها الإقليمية، وتقليل فرص استغلال التوتر الكردي في علاقاتها مع جيرانها. لكن هذه المكاسب قد تتراجع إذا استُخدم المسار أداة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي أو فرض شروط أمنية على القوى الكردية خارج تركيا دون معالجة مطالبها السياسية. كما أن التنافس الحزبي الداخلي قد يدفع بعض القوى إلى التعامل مع التسوية باعتبارها عبئًا انتخابيًا، لا فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن العفو عن عناصر التنظيم غير شعبي لدى الأتراك. لذلك، تحتاج أنقرة إلى تصور يتجاوز المكاسب الآنية، ويوازن بين أمن الحدود واستقرار الجوار والحقوق السياسية داخل الدولة.
وفي هذا السياق، قد يتقدم نزع السلاح وإعادة الإدماج وفق الشروط التي تضعها الدولة، مع تقديم تنازلات سياسية وقانونية محدودة. ويؤدي ذلك إلى خفض مستوى العنف وتحسين الاستقرار، لكنه يترك القضايا المتعلقة بالهوية والتمثيل والحريات دون معالجة كافية، بما يجعل السلام قابلًا للاهتزاز مستقبلًا.
بينما يمكن أن تنجح الأطراف في ربط استكمال نزع السلاح بإصلاحات قانونية ودستورية، وتوسيع المشاركة السياسية، وضمان الحقوق الثقافية والمحلية. ويمثل هذا السيناريو المسار الأكثر قدرة على إنتاج سلام مستدام، لكنه يتطلب توافقًا داخليًا تركيًا يتجاوز التحالف الحاكم، وقدرًا من الثقة المتبادلة لا يزال غير مكتمل. وتعزز التجربة السورية هذا الاحتمال إذا ترسخت مكتسباتها بضمانات دستورية، بينما قد تنعكس سلبًا على المسار التركي إذا تعثر تنفيذها.
وفي المقابل، يظل احتمال التعثر قائمًا إذا طال الخلاف حول تسلسل الخطوات، أيهما أولًا: نزع السلاح أم الضمانات القانونية، أو إذا أُبقي وضع أوجلان دون معالجة، أو تعثر تنفيذ التفاهمات في سوريا. وفي هذه الحالة، قد يتراجع زخم المسار دون أن ينهار، لكنه يفقد قدرته على بناء الثقة ويصبح أكثر عرضة لتقلبات السياسة الداخلية والإقليمية.
تأسيسًا على ما سبق، لا تكمن القيمة الاستراتيجية لمسار السلام الكردي في إنهاء مواجهة مسلحة طويلة فحسب، بل في قدرته على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة التركية ومواطنيها الأكراد. فأنقرة حققت تقدمًا مهمًا عندما انتقل النقاش من استمرار الصراع إلى تفكيك البنية المسلحة ووضع ترتيبات قانونية لمرحلة ما بعده، لكن هذا التقدم يظل ناقصًا ما لم يصاحبه تحول في مقاربة القضية من ملف أمني إلى مسألة سياسية وحقوقية ومجتمعية.
وفي المحصلة، لا يتعارض الحفاظ على وحدة الدولة التركية مع الاعتراف بالتعدد الكردي، كما لا ينبغي أن تتحول المخاوف الأمنية المشروعة إلى مبرر لتقييد الحقوق السياسية والثقافية. إن معيار نجاح العملية لن يكون عدد الأسلحة التي جرى تسليمها أو المعسكرات التي أُخليت وحدها، بل مدى قدرة الدولة على بناء ضمانات تجعل العودة إلى الصراع أقل احتمالًا، وتجعل المشاركة السياسية السلمية خيارًا ممكنًا وفعالًا. فالتحدي الحقيقي أمام أنقرة لم يعد فقط إنهاء الحرب مع «حزب العمال الكردستاني»، وإنما إثبات قدرتها على حل القضية الكردية دون اختزالها في الحزب أو السلاح.
فضاءات الفكر
فضاءات الفكر