لا تقتصر أهمية البحر على كونه مجالًا للملاحة والاتصال بين الدول، بل تمتد إلى ما يختزنه قاعه وباطن أرضه ومياهه من موارد طبيعية وثروات اقتصادية، وما يتيحه من فرص للاستكشاف والاستغلال والتنمية.
ومن ثم، فإن تحديد نطاق الحقوق البحرية للدولة وصونها في مواجهة المطالبات المتداخلة لا يُعد مجرد مسألة فنية تتعلق برسم الحدود، وإنما يرتبط اتصالًا مباشرًا بسيادتها ومصالحها الوطنية ومركزها القانوني في النظام الدولي.
تحتل هذه القواعد أهمية خاصة بالنسبة إلى الدولة المصرية، التي يرتبط موقعها الجغرافي في شرق البحر المتوسط بمصالح بحرية واقتصادية واستراتيجية جوهرية. وقد اتخذت الدولة المصرية إجراءات قانونية ورسمية لتحديد مجالاتها البحرية والإعلان عن حدودها، من بينها اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع جمهورية قبرص، والاتفاق المصري–اليوناني بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة لعام 2020، فضلًا عن إيداع إحداثيات الحدود البحرية الغربية المصرية لدى الأمم المتحدة وفق الإجراءات المقررة.
وتمثل هذه الإجراءات عناصر أساسية في تحديد الموقف القانوني المصري، يتعين تقييم نطاقها وآثارها في ضوء قواعد القانون الدولي، دون الخلط بين الإعلان عن الحدود البحرية، والاتفاق على ترسيمها، ومدى الاحتجاج بها في مواجهة الدول الأخرى.
وهو ما يبرز أهمية هذا المقال عند تقييم أي ترتيبات بحرية من شأنها أن تتقاطع مع نطاق الحقوق البحرية المصرية في شرق البحر المتوسط أو تمسها؛ إذ يصبح الاحتكام إلى النصوص القانونية والاتفاقات ذات الصلة والاجتهادات القضائية الدولية ضرورةً لتحديد المراكز القانونية وتمييز الحقوق الثابتة.
وفي هذا الإطار، يكتسب كل من الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة أهمية خاصة في تحديد الحقوق التي يقررها القانون الدولي للدول الساحلية.
فقد أقام قانون البحار نظامًا قانونيًا يمنح الدولة الساحلية حقوقًا سيادية في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها وإدارتها، مع التمييز بين طبيعة هذه الحقوق ونطاقها في كل منطقة بحرية. وهي حقوق لا تستمد أساسها من مجرد إعلان سياسي أو تفاهم عابر، وإنما تستند إلى قواعد قانونية تحكم نشأتها وممارستها وتحديد نطاقها، وتضع في الوقت ذاته ضوابط للتعامل مع حالات تداخل الاستحقاقات البحرية بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة.
وهو ما يطرح إشكاليتين:
هل تكفي الإرادة المشتركة لدولتين لتجاوز القواعد التي تحكم تحديد الاستحقاقات البحرية؟
هل تملك دولتان، بموجب اتفاق ثنائي، إعادة تشكيل المجال البحري في منطقة تتداخل فيها حقوق دولة ثالثة، ثم الاحتجاج بذلك الاتفاق في مواجهتها؟
وللإجابة عن هاتين الإشكاليتين، لا بد من الرجوع إلى قواعد القانون الدولي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وكذلك اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.
فقد عرّفت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 المنطقة الاقتصادية الخالصة بأنها المنطقة الواقعة وراء البحر الإقليمي والملاصقة له، وتمتد إلى مسافة لا تتجاوز 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي للدولة الساحلية.
وكذلك عرّفت المادة 76 الجرف القاري بأنه يشمل قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء البحر الإقليمي للدولة الساحلية، على امتداد إقليمها البري الطبيعي حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي، إذا لم يمتد الطرف الخارجي للحافة القارية إلى تلك المسافة.
ولا يمتد الجرف القاري لأي دولة ساحلية إلى ما وراء الحدود التي يقررها القانون الدولي. ويتألف من قاع البحر وباطن أرض الجرف والمنحدر والارتفاع القاريين، لكنه لا يشمل قاع المحيطات العميق، بما فيه من مرتفعات متطاولة، ولا باطن أرضه.
وحق الدولة الساحلية في الجرف القاري حق حصري؛ إذ حددت الفقرة الثانية من المادة 77 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار طبيعة هذه الحقوق، التي تشمل استكشاف الموارد الطبيعية للجرف القاري واستغلالها. ومن ثم، لا يجوز لأي دولة أخرى القيام بأي نشاط يتعلق بهذه الموارد دون موافقة الدولة الساحلية صاحبة الحقوق المقررة قانونًا.
تقع جزيرة كريت على مسافة تُقدّر بنحو 190 ميلًا بحريًا من السلوم، فيما تبعد جزيرة كارباثوس (إسكاربانتو) نحو 220 ميلًا بحريًا عن مرسى مطروح، مقابل بورسعيد ودمياط، وتقع جزيرة قبرص على مسافة تُقدّر بنحو 200 ميل بحري. كما تقع السواحل التركية في مواجهة المنطقة الوسطى من الساحل المصري للبحر المتوسط، وتبعد عن الإسكندرية بنحو 280 ميلًا بحريًا. وتؤثر هذه الأوضاع الجغرافية، عند النظر في معيار خط الوسط، في تحديد نطاق الاستحقاقات البحرية المصرية، التي قد يتراوح امتدادها بين 90 و130 ميلًا بحريًا على طول السواحل المصرية، وفقًا للمعطيات الجغرافية والقانونية ذات الصلة.
وفي تطور أعاد ملف شرق المتوسط إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، وافق مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر 2026، على مذكرة تفاهم سبق إبرامها مع تركيا في 27 نوفمبر 2019، بشأن ترسيم الحدود البحرية بينهما، في خطوة أعادت إثارة الخلاف بشأن آثارها القانونية وانعكاساتها على الحقوق البحرية للدول المعنية.
وقد قوبل هذا القرار برفض مصري رسمي، عبّرت عنه وزارة الخارجية في بيان صدر في 21 أكتوبر 2026، أكدت فيه مصر رفضها القاطع للتصديق على المذكرة، وتمسكها بموقفها السابق منها، معتبرةً أنها باطلة بطلانًا مطلقًا ومعدومة الأثر القانوني، ومخالفة لمبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 المتعلقة بترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري وفقًا لمبادئ العدل والإنصاف.
وأكدت مصر أن المذكرة تنطوي على مساس بحقوقها السيادية في هاتين المنطقتين، مشددةً على احتفاظها بحقها في حماية حقوقها وفقًا للقانون الدولي.
وهو ما يفتح باب الخلاف بشأن النفوذ والحقوق البحرية في شرق البحر المتوسط، وسط اعتراضات من اليونان ومصر وقبرص.
وبالرجوع إلى النص المودع لدى الأمم المتحدة والخاص بالاتفاق الليبي–التركي، يتبين أن المذكرة الموقعة في 27 نوفمبر 2019 تستهدف تحديد مجالات الصلاحية البحرية التي يدعي الطرفان ممارسة حقوقهما أو ولايتهما فيها في البحر المتوسط. وهو ما يثير مسألة قانونية تتجاوز العلاقات الثنائية بينهما إلى مدى توافق الترسيم المتفق عليه مع حقوق الدول الأخرى ذات الصلة، وهي مصر واليونان وقبرص.
وفي هذا السياق، تبرز المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تقرر القاعدة العامة القائلة إن المعاهدة لا تنشئ التزامات أو حقوقًا للدولة الغير دون رضاها.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية مباشرة عند بحث مدى جواز استناد ليبيا وتركيا إلى اتفاقهما في مواجهة مصر؛ فلا يجوز لمجرد اتفاق دولتين أن يُلزم دولة ثالثة بترسيم لم توافق عليه، أو أن يحسم بذاته حقوقًا بحرية تدعيها تلك الدولة. غير أن تطبيق هذه القاعدة لا يغني عن بحث مستقل للأساس القانوني للاستحقاقات البحرية ذاتها، ومدى تداخلها، والقواعد التي تحكم ترسيمها.
ينطوي خط الترسيم الذي اعتمدته المذكرة، وفقًا للموقف المصري، على انتقاص من الحقوق البحرية لمصر في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تتمسك بحقوقها السيادية فيها. وهو ما يكشف عن تعارض جوهري بين الترسيم البحري الذي أبرمته مصر مع اليونان، والذي استند إلى الاتفاقيات المتعلقة بتعيين الحدود البحرية المشتركة، والخط الذي تسعى مذكرة ليبيا–تركيا إلى تكريسه.
كذلك، فإن الدولة المصرية ليست طرفًا في أي اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، ولا توجد حدود بحرية مشتركة مرسمة بين البلدين. ومن ثم، لا يجوز إغفال المركز القانوني المستقل لمصر في هذه المسألة؛ فهي ليست طرفًا في مذكرة التفاهم الليبية–التركية، كما لا يوجد اتفاق لترسيم الحدود البحرية بينها وبين تركيا.
وتُبرم اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية عادةً بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة. وبالنظر إلى الجغرافيا الإقليمية، تقع الجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت، ضمن الاعتبارات الجغرافية ذات الصلة عند بحث أي ترسيم بحري بين ليبيا وتركيا.
وهو ما يمثل إحدى نقاط الاعتراض الأساسية على المذكرة؛ إذ رسمت خطًا لترسيم الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين ليبيا وتركيا، رغم الاعتراض اليوناني القائم على عدم وجود سواحل متقابلة أو متجاورة بين الدولتين تبرر هذا الترسيم، فضلًا عن تجاهل الاستحقاقات البحرية للجزر اليونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت.
فجزيرة كريت، بوصفها جزءًا من الإقليم اليوناني، لا يجوز استبعادها لمجرد أن اتفاقًا ثنائيًا بين دولتين أخريين قد رسم خطًا بحريًا في المنطقة ذاتها. ومن ثم، يتعين مراعاة استحقاقاتها البحرية عند تحديد المناطق البحرية ذات الصلة، وفقًا لقواعد القانون الدولي.
ويستند الموقف التركي في معارضة الاتفاقيات البحرية بين مصر واليونان وقبرص إلى مقاربة قانونية وسياسية خاصة في تفسير الحقوق البحرية للجزر. إذ ترفض تركيا منح جزر مثل كريت ورودس، وخاصة جزيرة كاستيلوريزو اليونانية، جرفًا قاريًا واسعًا أو منطقة اقتصادية خالصة كاملة الأثر، بحجة أن ذلك يضر بالدول ذات السواحل القارية الطويلة، مثل تركيا، ويحصر امتدادها البحري في نطاق ضيق.
أكدت محكمة العدل الدولية، في حكمها الصادر في 3 يونيو 1985، أن ترسيم الجرف القاري يجب أن يقوم على مبادئ منصفة، مع مراعاة الظروف الجغرافية ذات الصلة، بما يشمل التكوين العام للسواحل وموقعها بالنسبة إلى بعضها، والتفاوت في أطوالها.
وأوضحت المحكمة أن مهمتها تقتصر على ترسيم الجرف القاري بين ليبيا ومالطا، ولا تمتد إلى الفصل في حقوق إيطاليا، التي كانت تتمسك بمطالبات بحرية في المنطقة ذاتها.
وهو ما يؤكد أن الاتفاق أو الحكم الذي يحدد المجالات البحرية بين دولتين لا يحسم بذاته حقوق دولة ثالثة، ولا يجوز فهمه على أنه يفصل في استحقاقاتها دون سند اختصاصي وقانوني.
نظرت محكمة العدل الدولية في أثر جزيرة الأفاعي التابعة لأوكرانيا، وانتهت إلى أن أثرها في الترسيم لا يتجاوز الأثر الناشئ عن قوس بحرها الإقليمي البالغ 12 ميلًا بحريًا.
كما رسمت المحكمة الحد البحري حتى المنطقة التي يمكن أن تتأثر عندها حقوق دول ثالثة. والمعيار الذي يمكن استخلاصه من الحكم هو ضرورة فحص الموقع الجغرافي للجزيرة وعلاقتها بالسواحل المتقابلة عند تحديد أثرها في ترسيم الحدود البحرية.
قررت محكمة العدل الدولية، أثناء نظر القضية، أن ترسيم الحدود البحرية يجب أن يراعي القواعد والمبادئ القانونية ذات الصلة والظروف الجغرافية الخاصة بكل حالة. كما أكدت أهمية عدم تجاوز نطاق النزاع المطروح أمامها إلى الفصل في حقوق الدول الثالثة.
ويُستفاد من ذلك أن وضع خط على خريطة من جانب واحد لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود حد بحري متفق عليه أو حسم نطاق الامتداد القاري في مواجهة الدول الأخرى؛ إذ يتعين أن يستند الترسيم إلى أساس قانوني معتبر، مع مراعاة حقوق الدول المعنية.
يمكن القول إن الدفاع عن الحقوق البحرية المصرية لا يقتصر على حماية مصالح وطنية محددة فحسب، بل يمتد ليؤكد مبدأً أصيلًا في العلاقات الدولية، مؤداه أن إرادة الدول، مهما كانت اعتبارات إعمالها، تظل محكومة بقواعد القانون الدولي، ولا تمنح أطراف الاتفاقات سلطة إنشاء حقوق في مواجهة الغير أو الانتقاص من حقوقه المشروعة.
فصون السيادة البحرية لا يتحقق بفرض الأمر الواقع، وإنما بإثبات الحقوق والتمسك بها عبر الوسائل القانونية والدبلوماسية والمؤسسية التي يكفلها النظام الدولي. فخرائط النفوذ لا تنشئ، بذاتها، حقوقًا بحرية مشروعة، كما أن الاتفاقات الثنائية لا تستطيع أن تحل محل القواعد القانونية المنظمة للترسيم أو أن تنتقص من حقوق الدول غير الأطراف.
فالبحار قد تفصل بين السواحل جغرافيًا، لكنها لا تفصل الدول عن التزامها بالقانون، ولا تجعل من الأمر الواقع بديلًا عن الحق المشروع.
نقلًا عن مركز أتون للدراسات...
فضاءات الفكر
فضاءات الفكر
فضاءات الفكر