بث تجريبي

سارية محمد تكتب: الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية.. صراع مؤجل تحرّكه الحسابات الانتخابية والاقتصاد الهش

تُخيّم على المنطقة حرب استنزاف خفية بين إيران وإسرائيل، توازياً مع وقف هش لإطلاق النار. وتتغذى هذه الأزمة المؤجلة على الحسابات الانتخابية لنتنياهو وترامب والخوف من تداعي الاقتصاد العالمي، وسط كلفة أمنية واقتصادية باهظة تتحملها دول الجوار.

قبل كل شيء علينا السؤال؛ ما هي طبيعة هذه الحرب الجارية، وما هو الهدف من استمرارها إلى الآن، ولماذا لم تنتهِ؟ من المهم توضيح أن الوضع الراهن ليس حرباً شاملة مستمرة، بل هو وقف لإطلاق النار هش بدأ في 7 تموز 2026، أوقف تبادل الضربات المباشرة، لكنه أبقى على الحصار البحري الأمريكي على إيران، ولم يحل الملف النووي.

ما نراه الآن هو "حرب استنزاف في الظل"؛ تهديدات متبادلة، هجمات على السفن في مضيق هرمز، واستعدادات عسكرية مكثفة على الجانبين. واستمرار حالة اللاحرب واللاسلم هذه يخدم أغراضاً مختلفة لكل طرف، وهي أسباب تجعل إنهاءها صعبة.

إسرائيل ومسألة الانتخابات هي المحرك الأول،  فكما نعلم، من المقرر إجراء انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول 2026، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "الذي يتخلف في استطلاعات الرأي" يرى في التصعيد مع إيران وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وتجميد الانتخابات؛ إذ إن إعلان حالة الطوارئ قد يؤدي إلى تأجيلها، مما يطيل بقاءه السياسي ويشتت الانتباه عن الأزمات الداخلية كالاستثمار والاقتصاد والاحتجاجات عبر تحويل الأنظار إلى "التهديد الوجودي" الإيراني.

لكن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترفض هذا التوريط، فالجيش الإسرائيلي لا يرى مبرراً عملياتياً عاجلاً لضربة قبل الانتخابات، ويخشى أن تجره الحكومة إلى مغامرة تخدم نتنياهو سياسياً فقط.

أما الولايات المتحدة فحسابات الطاقة والانتخابات النصفية هي الحاكمة. الرئيس ترامب يريد إبقاء الضغط على إيران، لكنه يرفض الانجرار لحرب واسعة قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني 2026.

السبب الرئيسي هو الاقتصاد والنفط؛ فأي حرب واسعة تعني إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود، وهو أمر كارثي على شعبية الحزب الجمهوري في الانتخابات.

هذا الموقف المتناقض يظهر حين يعلن ترامب أحياناً أنه لن يهاجم قبل الانتخابات، ثم يصرح بأنه سيتخذ قراراً قريباً بشأن إيران، وهذا الغموض هو استراتيجية ضغط لأنه يطيل أمد الأزمة.

ومن جانب إيران، فهي تعيش حالة استنزاف ومن ناحية أخرى حالة مقاومة، وتدرك أنها لا تستطيع خوض حرب شاملة، لكنها ترفض الاستسلام واستراتيجيتها تقوم على التهديد بالرد غير المتماثل والتلويح بضرب البنية التحتية للطاقة في دول الخليج لإقناع واشنطن أن ثمن الحرب باهظ، فضلاً عن الاستفادة من الانقسام الغربي وإبقاء باب المفاوضات موارباً مع روسيا والصين وعدم قطع الأمل في رفع العقوبات.

لماذا لا يقترب أحد من إنهاء هذه الحرب؟

وسؤال يطرح نفسه مرة أخرى؛ لماذا لا يقترب أحد من إنهاء هذه الحرب؟ ربما السبب الجوهري هو غياب توافق على "شروط النهاية".

فإسرائيل تريد تدمير القدرات النووية الإيرانية وتغيير سلوك النظام وربما تغيير النظام نفسه، والولايات المتحدة تريد اتفاقاً نووياً جديداً يقيد إيران دون تحمل تكاليف احتلال أو حرب برية، بينما إيران تريد رفع العقوبات والحفاظ على برنامجها النووي أو جزء منه ونفوذها الإقليمي.

وبما أن أي حل وسط يعني تنازلات مؤلمة للجميع، فإن اللاحرب هي الخيار الأقل سوءاً للسياسيين، وخصوصاً في ظل الانتخابات المقبلة.

وبكل الأحوال، هذه الحرب الدائرة لها تأثير على دول الجوار من الجانب الاقتصادي والأمني فنرى الجبهات مفتوحة؛ ففي اليمن والبحر الأحمر ما زالت مسألة الحوثيين مستمرة، وبما أنهم حلفاء لإيران فقد كثفوا في الآونة الأخيرة هجماتهم على السعودية وعلى الملاحة مما هدد أمن السعودية مباشرة.

وفي العراق، الفصائل الموالية لإيران تستخدم الأراضي العراقية لتهديد القوات الأمريكية وإسرائيل، مما يضعف سيادة العراق ويجره لصراعات لا يريدها. وفي الخليج، إيران تهدد بضرب منشآت الطاقة مثل أرامكو في السعودية والإمارات إذا تعرضت لهجوم، مما يجعل هذه الدول رهائن في أي جهة.

أما عن التأثير الاقتصادي فشبح أزمة الطاقة يلوح في الأفق؛ فمضيق هرمز واستمرار التوتر فيه يعني استمرار ارتفاع أقساط التأمين على ناقلات النفط وتهديد إمدادات الطاقة العالمية، ناهيك عن تأثيرها من الناحية الاستثمارية والسياحية في المنطقة.

هذه الحرب هي أزمة سياسية مجمدة. استمرارها ليس لأن أحداً ينتصر، بل لأن التوقف عنها يتطلب قرارات سياسية لا يريد أي طرف تحمل كلفتها قبل الانتخابات. دول الجوار تدفع الثمن أمنياً واقتصادياً، لكنها تفتقر إلى القدرة على فرض تسوية على الأطراف الكبرى.

قد يهمك