بقدر ما كانت معاملة العلمانيين مع الحالة الإسلامية في تركيا على امتداد عقود الجمهورية، قاسية وغير إنسانية ولا أخلاقية، كان الأمل بتغيير جذري في سلوك الدولة كبيراً مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002. كان الأمل مضاعفاً في ظل نجاح الحزب بامتلاك غالبية مطلقة تقارب الثلثين في البرلمان وانفراده بتشكيل حكومة من لون واحد. واكتملت عناصر الإمساك بالنظام مع وصول عبدالله غول إلى رئاسة الجمهورية عام 2007.
بين عامي 2002 و 2005 حظي «النظام الوليد» بدعم الاتحاد الأوروبي مع طرح مجموعة تشريعات تعزز الديمقراطية والحريات والنظام المدني، خصوصاً في ما يتعلق باقتراحات حلول للمشاكل المزمنة مثل المسألتين الكردية والعلوية وتدخّل المؤسسة العسكرية في السياسة.
لكن خلال سنوات قليلة تبدّدت الآمال بصورة كلية وعلى جميع «الجبهات». وانطلقت عجلة العمل على تأسيس «نظام الشخص الواحد» المتمثل بشخص رئيس الحزب ورئيس الحكومة رجب طيب إردوغان.
كان يمكن تقبّل، أو فهم، أن يعمل إردوغان على تعزيز هيمنة الحزب الواحد على السلطة و«قطع دابر» الخصوم في الداخل وفي مقدّمهم الجيش وحزب الشعب الجمهوري المدافع الأول عن العلمانية (بمعزل عن تشوهاتها في التجربة التركية) والأحزاب الكردية المختلفة فضلاً عن التيارات التي يدعمها العلويون. لكن مسار سلوك إردوغان انحرف إلى توجيه السهام إلى رفاق الدرب داخل الحزب وداخل الحالة الإسلامية التي لا تنتمي إلى حزب العدالة والتنمية.
تناوب إردوغان على تصفيتهم واحداً تلو الآخر. بدأ برفيق دربه الأقرب عبدالله غول فمنعه من تجديد ولايته في رئاسة الجمهورية عام 2014 ومن العودة إلى أن يكون حتى عضواً عادياً في حزب العدالة والتنمية. ومن ثم دخل في «حرب إلغاء» مع شريكه في الإدارة والدولة رجل الدين فتح الله غولين خصوصاً بعدما اتهم الأخير بأنه كان وراء محاولة انقلاب 15 تموز 2016.
وبما أن صلاحيات رئيس الجمهورية تُعتبر محدودة قياساً إلى صلاحيات رئيس الحكومة، طرح إردوغان استفتاء على إلغاء النظام البرلماني، وبالتالي موقع رئاسة الحكومة، لصالح قيام نظام رئاسي يحصر الصلاحيات المطلقة بشخص رئيس الجمهورية على حساب شطب رئاسة الحكومة ولو كان من داخل حزب العدالة والتنمية، وتقليص كبير لصلاحيات البرلمان وضرب مبدأ فصل السلطات من خلال إخضاع القضاء لتعيينات رئيس الجمهورية. ومن أجل التمهيد لكل ذلك كان إردوغان «يطرد» أحمد داود أوغلو من رئاسة الحكومة (أيار 2016) لأنه كان معارضاً للنظام الرئاسي، وعيّن بدلاً منه بن علي يلديريم. وفي العام التالي، 2018، كان إردوغان يجري بموجب استفتاء 2017 انتخابات رئاسية جديدة ليكون رجل تركيا المطلق قوة ونفوذاً وليبدأ تطبيق شعار «الدولة أنا، وأنا الدولة»!
كان إردوغان ينام على حرير سلطاني عندما فاجأه حزب الشعب الجمهوري بهزيمة مرشحي إردوغان لرئاسة البلديات في أنقرة وإسطنبول في الانتخابات البلدية عام 2019، حيث بزغ نجما رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو ورئيس بلدية أنقرة منصور ياواش كمنافسين رئيسين لإردوغان في انتخابات الرئاسة عام 2023.
وهنا جاء دور القضاء ليمارس دوره كاملاً كمؤسسة مطيعة لرئيس الجمهورية وفتح ملفات مفبركة ضد إمام أوغلو في نهاية 2022 ما حال دون ترشحه للرئاسة. كما بدأت مسيرة إقالة رؤساء البلديات الأكراد وسجنهم وتعيين آخرين من قبل الحكومة للضغط على الجمهور الكردي ليغيّر موقفه المعارض لإردوغان.
جدّد الشعب انتخاب إردوغان رئيساً للجمهورية بصعوبة بالغة عام 2023. لكن مع انتصار «الشعب الجمهوري» في الانتخابات البلدية عام 2024 وتصدّره النتائج وتراجع «العدالة والتنمية» إلى المركز الثاني للمرة الأولى منذ وصوله إلى السلطة، كانت المعارضة في انتظار انتقام إردوغان الذي شهر سيف القضاء لتصفية الحساب مع المعارضة.
في 19 آذار 2025 اعتُقل إمام أوغلو، ولا يزال في السجن، بعشرات التهم. ومن ثم بدأت خطة إقالة رؤساء بلديات حزب الشعب الجمهوري وتعيين آخرين بدلاً منهم. و«ما أُخذ بالانتخابات يُستردّ بالإقالة والتعيين» كان ديدن إردوغان، وبموجب ذلك كانت سياسة الترغيب والترهيب تفعل فعلها ويضع حزب العدالة والتنمية يده على معظم البلديات الرئيسية دون حرج ودون أي اعتراض من القضاء رغم الدعاوى المُقامة.
كان توغاي يفضّل خيانة حزبه وجمهوره وبلديته وينضم، يوم الأربعاء في 7 تشرين الأول الجاري، في احتفال مع إردوغان، إلى «العدالة والتنمية». وبذلك كانت بلدية إزمير تنتقل للمرة الأولى منذ قرن إلى يد حزب آخر غير «الشعب الجمهوري»
وبلغ عدد رؤساء البلديات التي اعتُقل رؤساؤها أو أقيلوا منها حتى الآن أكثر من سبعين بلدية كبرى من بينها إسطنبول وأنتاليا وبورصة وبولو وأوشاق وبشكتاش وأوسكي دار وغيرها. وذلك بتهم الفساد والرشاوى والهدر وأحياناً دعم الإرهاب. في وقت لم تمس أي بلدية، كبيرة أو صغيرة، تابعة للسلطة، على قاعدة أن الإسلاميين لا يسرقون ولا يرتكبون المعاصي.
ولم يكتفِ القضاء المُسيّس بذلك بل اندفع لإضعاف قيادة حزب الشعب الجمهوري بإصدار قرار في أيار الماضي بحل قيادته الحالية بتهم الاحتيال وإعادة كمال كيليتشدار أوغلو إليها. وهو ما اضطر زعيم الحزب أوزغور أوزيل إلى الانفصال عن الحزب مؤسّساً حزباً جديداً هو «الحزب الجديد» كممثل للتيار العلماني ومعه انتقل العدد الأكبر من نواب «الشعب الجمهوري».
غير أن إحدى الخطوات الأكثر نفوراً كانت الضغوط التي مارسها حزب العدالة والتنمية على رئيس بلدية إزمير جميل توغاي. ليست إزمير مدينة عادية. صحيح أنها ثالث المدن بعد إسطنبول وأنقرة لكنها تاريخياً هي قلب العلمانية النابض. هي مبتدأ الانتصار على اليونانيين عام 1922 وقلعة أتاتورك. يمكن للشيطان أن يفكر في أي شيء إلا أن يأخذ إزمير من يد العلمانيين.
تمّ الضغط على توغاي التابع لـ«الحزب الجديد»، وتم تخييره بين الإقالة والسجن أو الخروج من حزب الشعب الجمهوري والانضمام إلى حزب العدالة والتنمية. وبمعزل عن الإغراءات الأخرى المالية، كان توغاي يفضّل خيانة حزبه وجمهوره وبلديته وينضم، يوم الأربعاء في 7 تشرين الأول الجاري، في احتفال مع إردوغان، إلى «العدالة والتنمية». وبذلك كانت بلدية إزمير تنتقل للمرة الأولى منذ قرن إلى يد حزب آخر غير «الشعب الجمهوري» (الآن «الحزب الجديد»). بطبيعة الحال رفض الحزب الجديد المستجدات ودعا أبناء إزمير إلى التجمع ورفض الانقلاب الذي حصل.
وعلى ما يبدو فإن حزب العدالة والتنمية يمارس أيضاً ضغوطاً هائلة على رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش التابع للتيار العلماني مع تساؤلات عما إذا كان ياواش في طريقه أيضاً للانضمام إلى حزب العدالة والتنمية بعد الزيارة التي قام بها قبل أيام إلى إردوغان في القصر الجمهوري ولم يكن لها أي مبرر.
يفعل حزب العدالة والتنمية علناً ما لم يجرؤ أحد من قبل على فعله، في وقت كانت الفضائح والتناقضات تُغرِق الحزب في أوحالها وتصيبه مقتلاً في سلوكه الأخلاقي قبل أي شيء آخر.
ففي نهاية العام الماضي (24 كانون الأول 2025) كانت تنفجر فضيحة مخدّرات ودعارة كبيرة تورّط فيها عدد كبير من الفنانين والإعلاميين. وكان بطلها وزعيمها محمد عاكف إرصوي رئيس تحرير الأخبار في محطة «خبر تورك» والمذيع فيها، مع المقدّمة الأخرى إيلا رميسة جبجي، إضافة إلى العشرات من الإعلاميين والفنانين الذين اعتُقلوا لاحقاً. والأهم أن إرصوي والمحطات التي يعمل فيها هؤلاء تابعون أو مؤيّدون لحزب العدالة والتنمية.
وانفجرت فضائح التحكيم في مباريات كرة القدم على مسمع ومرأى من وزارة الرياضة التابعة لحزب العدالة والتنمية.
والفضيحة الأكبر والأخطر كانت تلك التي انكشفت قبل أيام وعُرفت بـ«سرقة القرن» حيث استثمرت شخصيات رفيعة من حزب العدالة والتنمية (حتى الآن الوزيرة السابقة فاطمة بتول صايان قايا هي قمة جبل الجليد) في صناديق استثمار جنوا من خلالها ملايين الدولارات على حساب 500 ألف مواطن طارت ودائعهم. وتتكشف فضيحة القرن عن تورط شخصيات بارزة من حزب العدالة والتنمية في سرقة الأموال. وأغرب ما في الفضيحة أن القضاء لم يستجوب حتى الآن الوزيرة قايا. بل إن المال المسروق لم يعد بعد إلى الخزينة واكتفى إردوغان بإعفائها من مهامها في الحزب. كما لو أن الأمر ينتهي هنا على قاعدة: «اسرق اسرق، ونحن نعفو عنك وعفا الله عمّا مضى».
ولم يتوقف إردوغان هنا فقد بدأ بملاحقة رفاق الأمس حتى بعد اعتزالهم السياسة مثل أحمد داود أوغلو الذي فتح تحقيق ضده في 3 أيلول الماضي بتهمة تحقير رئيس الجمهورية في وقت سابق. وفي آخر آب منع كتاب «أمتي شاهدتي» لأكرم إمام اوغلو وجُمعت نسخه من المكتبات ويروي فيه تفاصيل محاكمته التي لا تزال مستمرة منذ آذار 2025 وحتى الآن.
في كل حركته الداخلية يعكس إردوغان كل عناوين الاستبداد والتسلط والقمع وتسخير القضاء ضارباً عرضَ الحائط بالإرادة الشعبية التي رسمت المشهد السياسي. ربما يستند إردوغان في سلوكه النافر إلى دعم «صديقه» دونالد ترامب الشريك في إبادة غزة. لكنه ربما يستند أكثر إلى أن الحالة الكردية في تركيا، باعتقاده، سوف تدعمه في انتخابات الرئاسة وفي تأبيد سلطته مقابل إعطاء الأكراد بعض الحقوق الثقافية ومن خلال عبدالله أوجلان بالذات.
وهذا ما يُقلِق العلويين الذي يرون أن الحل سيكون على حساب هويتهم كما يقلق القوى الديمقراطية والعلمانية من أن يأتي الحل على حساب إرساء نظام ديمقراطي.
لكن تبقى المسألة الأساس في مكان آخر؛ يقول الكاتب الإسلامي المعارض محمد أوجاقتان: «انطلقنا بحلم جيل متديّن وانتهينا إلى فقدان الأخلاق. وأسوأ ما في الأمر أن جحيم الأزمة الأخلاقية هذه يبنيه أشخاص يدّعون أنهم يهتمّون بالأخلاق والعدالة. فيما النبي قال: بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق. يبدو أن الأخلاق قيمة لا تعني شيئاً للجيل الحالي من حزب العدالة والتنمية».
وبدورنا نضيف: «أهذا هو النموذج الإسلامي الذي روّج له حزب العدالة والتنمية؟».
المصدر: حسابه عبر فيسبوك