بث تجريبي

نسرين معتوق تكتب: استمرار التوظيف السياسي للدين.. قراءة في المشهد المؤلم

مؤسف حقًا ما نشهده اليوم من تصعيد ومواجهات متبادلة، لكن الأشد إيلامًا وتناقضًا هو ما شهدناه خلال الأيام القليلة الماضية من بيانات وتصريحات من بعض النخب الثقافية والأدبية ووجوه إعلامية تبنّت خطابًا تم تعمّد تضليل الوعي العربي من خلاله (وانتقائي بحت).

فهؤلاء الذين يبكون استهداف العاصمة السعودية أو مطار الملك خالد، معلنين الاستنكار والمساندة، ويناشدون العالم الوقوف مع المملكة، نسوا تمامًا ذكر أن جذور المأساة تمتد لأكثر من عقد كامل.

من عام 2015، يتعرض اليمن لعملية عدوانية عسكرية واسعة طالت بنيته التحتية ومطاراته - مطار صنعاء العاصمة - واستُهدفت فيها المدارس والأسواق والمستشفيات والأحياء السكنية، وحتى سرادق العزاء يا مؤمنين!!!

توازى كل ذلك مع حصار خانق رفع معدلات المجاعة لأرقام مرعبة، وخلّف أعدادًا هائلة من الشهداء والمصابين، وأضعافهم مرضى ومشرّدين.

طوال هذه السنوات، قوبلت المأساة الإنسانية اليمنية بالصمت والتغاضي من قبل نفس تلك الأقلام والأبواق الإعلامية.. وكأن دماء اليمنيين أقل قيمة!!!

إن الدولة ذات المكانة الخاصة التي تلقّب نفسها ببلاد الحرمين الشريفين، كان من المفترض أن تكون راعية للسلام ومظلة تجمع المسلمين كافة، بل ترعى سلام الإنسانية كلها - قال تعالى: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا».. لم يقل الله الناس السنة، الشيعة، لم يذكر الله كون الناس مسلمين تحديدًا أو مسيحيين أو يهودًا.. النااااااااااس جميعًا، بكل مللهم، وبكل طوائفهم وأطيافهم - لا أن تكون طرفًا يتورط في حروب وتغذية انقسامات مذهبية.

وللأسف، هذه ليست المرة الأولى التي يُستخدم فيها الخطاب الديني وتُستدعى فيه الأفكار المتطرفة لخدمة مصالح سياسية بحتة، شاهدنا السيناريو نفسه وعلى مدى عقود:

- من أفغانستان: حين تم حشد وتجنيد الشباب المسلم تحت مسمى «مساندة المجاهدين» لمواجهة الاتحاد السوفيتي الشيوعي الكافر، في إطار شراكة وتوافق مع الإدارة الأمريكية.

- إلى العراق ثم سوريا: حيث أُعيد إنتاج ذات الحشد الطائفي ودعم مقاتلين متطرفين، أدى في النهاية إلى تفكيك وتمزيق نسيج الدولتين.

- وصولًا إلى اليمن: واستخدام الذرائع نفسها وتأجيج المذهبية، بدعوى الانتصار للشرعية، برغم أن الصراع سياسي بالأساس.

حقيقة، هناك أسئلة تحتاج إلى إجابة:

إلى متى سيظل مقبولًا استخدام الدين كأداة في ساحات الصراعات السياسية؟ خاصة في منطقتنا المنكوبة؟

ألا يتساوى الدم اليمني مع الدم السعودي في قيمته وإنسانيته؟ أليس للمواطن اليمني الحق في الأمان تمامًا كما هو حق للمواطن السعودي؟ ألا تتساوى دماء كل شعوب المنطقة، ويتساوى حقهم في أمانهم والعيش الكريم؟؟؟

إن الاستهانة بأمن الشعوب، واستدعاء لغة الطائفية المقيتة لتحقيق أهداف سياسية بحتة، لن يعود بالضرر على طرف دون آخر، بل سيدفع الجميع الثمن - لا السعودية وحدها ولا اليمن وحده - وفي النهاية هو استنزاف لمقدرات شعوب المنطقة كافة.

وبكل صراحة، حان الوقت لقول: كفى.

أوقفوا المواجهات المسلحة، وليعترف الجميع بسيادة الآخر على أرضه ويحترمها، ثم يجلسوا على طاولة التفاوض، صونًا لدماء الشعوب دون تمييز أو تفرقة.

 

قد يهمك