شهدت مدن فرنسية عدة، السبت، موجة احتجاجات على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الإنفاق العام وضعف الخدمات، وسط انتشار أمني مكثف ومخاوف من اتساع نطاق الاضطرابات، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطًا اقتصادية وسياسية متزايدة.
وفي العاصمة باريس، استخدمت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين في ساحة الجمهورية، قبيل انطلاق «مسيرة غضب» دعت إليها مجموعات احتجاجية للتنديد بارتفاع تكاليف المعيشة. وارتدى عدد كبير من المشاركين ملابس سوداء وأقنعة، فيما ألقى بعضهم مقذوفات وألعابًا نارية باتجاه قوات الأمن.
وشهدت عدة مناطق في العاصمة انتشارًا مكثفًا للشرطة، خصوصًا وسط باريس وبالقرب من معالم بارزة، بينها جادة الشانزليزيه وقوس النصر، اللذان استُبعدا من مساري المظاهرتين الرسميتين. وكان من المقرر تنظيم مئات التحركات الاحتجاجية في مختلف أنحاء البلاد، وسط توقعات بمشاركة عشرات الآلاف.
وفي مرسيليا، اقتحم محتجون مقر البلدية لفترة وجيزة، بينما أُضرمت النيران في حاويات قمامة، وفقًا للتقارير الواردة.
من مطالب التعليم إلى الاحتجاج على الأوضاع المعيشية
بدأت موجة الاحتجاجات الشهر الماضي في مدارس ثانوية بالضواحي الشمالية الفقيرة لباريس، احتجاجًا على نقص المعلمين وسوء المرافق التعليمية، قبل أن تتسع دائرة المطالب لتشمل قضايا عدم المساواة الاجتماعية وتراجع الإنفاق العام وتدهور مستوى الخدمات.
وقالت محتجة تبلغ من العمر 19 عامًا في باريس إن المشاركين يتحركون اعتراضًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، إلى جانب ما وصفته بتعرض طلاب المدارس الثانوية للعنف والإصابات خلال احتجاجاتهم للمطالبة بتوفير مزيد من المعلمين وتحسين الظروف التعليمية.
كما أغلق محتجون يرتدون السترات الصفراء عددًا من الشوارع، في مشهد أعاد إلى الأذهان حركة الاحتجاج التي شهدتها فرنسا عام 2018، عندما اندلعت المظاهرات رفضًا للضرائب على وقود الديزل، قبل أن تتوسع لتشمل الاعتراض على ارتفاع تكاليف المعيشة واتساع فجوة الدخل.
ماكرون يواجه ضغوطًا اقتصادية وانقسامات سياسية
تأتي الاحتجاجات في وقت يدخل فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته، وسط انقسام بين الناخبين وتشرذم في المشهد السياسي، بالتزامن مع تصاعد التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
ولم تنجح جهود الحكومة الرامية إلى خفض الدين العام المتزايد في طمأنة المستثمرين، الذين يتخلون عن السندات الفرنسية، ما دفع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، بحسب ما أوردته وكالة رويترز.
وكان رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو قد حذر، الخميس، من مخاوف السلطات بشأن احتمال اندلاع اضطرابات خلال الاحتجاجات. وفي السياق ذاته، اتهمت الحكومة حزب «فرنسا الأبية» اليساري بتأجيج التحركات، بينما نفى الحزب هذه الاتهامات.
وأشارت تقارير إلى انتشار دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي لمشاركة أفراد من حركات احتجاجية سابقة، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع نطاق التحركات وامتدادها إلى مناطق إضافية.
وكانت الأوضاع قد اتسمت بهدوء نسبي بعد موافقة ماكرون على تخفيضات ضريبية بمليارات اليورو، إلا أن الاحتجاجات الأخيرة أعادت قضايا الضغوط الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى صدارة النقاش العام في فرنسا.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر في الشرطة توقعاته بإمكانية مشاركة نحو 200 ألف شخص في التحركات الاحتجاجية، بينهم 40 ألفًا في باريس.
ماكرون يدعو إلى الهدوء وسط تباين مواقف الأحزاب
من جانبه، دعا ماكرون، الجمعة، من بروكسل، إلى «الهدوء والاحترام»، مشددًا على أن الحق في التظاهر ينبغي أن يقترن باحترام الأشخاص والممتلكات.
وكان الرئيس الفرنسي قد اعتبر مؤخرًا أن المطالب «المشروعة» للطلاب يجري استغلالها لأغراض سياسية، وفقًا لتصريحات متحدثة باسم الحكومة.
في المقابل، أعلن زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري، جان لوك ميلانشون، دعمه للحراك الطلابي، وشارك في إحدى المظاهرات التي شهدتها باريس.
وعلى الجانب الآخر، أعرب حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبان، عن دعمه للشرطة، محملًا الطلاب مسؤولية أعمال العنف التي رافقت بعض التحركات.
وفي إشارة إلى استمرار الاحتجاجات واحتمالات امتدادها، قال جيروم، أحد الشخصيات البارزة في حركة «السترات الصفراء»، الذي فقد إحدى عينيه خلال مظاهرات باريس في يناير 2019، إن حل الأزمة لن يتحقق خلال يوم واحد، مؤكدًا ضرورة مواصلة الاحتجاجات وإيصال المطالب إلى السلطات لفترة أطول.
وتعكس التطورات الحالية تداخل المطالب التعليمية والاجتماعية مع الضغوط الاقتصادية والانقسامات السياسية في فرنسا، وسط ترقب لمسار الاحتجاجات ومدى قدرة السلطات على احتواء التوترات والاستجابة للمطالب المطروحة.
منبر الرأي