بث تجريبي

تحالف مكة الدفاعي.. هل يمهد لتشكيل تحالف إقليمي يضم مصر وسوريا؟

تتجاوز أهمية أي اتفاق دفاعي جديد بين دول المنطقة حدود التعاون العسكري المباشر، لتطرح تساؤلات أوسع بشأن مستقبل الأمن الإقليمي، ومدى الاعتماد على القوى الدولية، وإمكانية بناء ترتيبات مشتركة تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

من التنسيق السياسي إلى المظلة الدفاعية

لا تتحدد أهمية التحالفات الدفاعية بعدد الدول الموقعة عليها فقط، بل بطبيعة الالتزامات التي تفرضها، والقدرات التي توفرها لتحقيق أهدافها، ومدى استعداد الأطراف لتحمل تكاليف المواجهة عند الضرورة. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن توسيع إطار دفاعي إقليمي يثير تساؤلات تتجاوز الإعلان السياسي إلى طبيعة المنظومة التي يمكن أن تنشأ عنه.

قد تبدأ التفاهمات الأمنية بتبادل المعلومات والتنسيق الدبلوماسي، ثم تتطور إلى تدريبات عسكرية مشتركة وتعاون في مجالات التسليح والدفاع الجوي، وصولًا إلى ترتيبات أكثر تعقيدًا تشمل الإنذار المبكر، وحماية المنشآت الحيوية، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.

لكن الانتقال بين هذه المستويات ليس تلقائيًا، إذ يتطلب توافقًا سياسيًا مستقرًا، وإمكانات مالية وعسكرية، وآليات واضحة لتحديد المسؤوليات وتوزيع الأدوار.

وتزداد هذه المسألة تعقيدًا في الشرق الأوسط، نتيجة اختلاف أولويات الدول وتباين مصادر التهديد التي تواجهها. فما تعتبره دولة خطرًا مباشرًا قد تراه دولة أخرى تحديًا يمكن احتواؤه عبر الدبلوماسية، كما أن الترتيبات المناسبة لدولة تمتلك منظومات دفاع متقدمة قد لا تتلاءم مع احتياجات دولة أخرى تعاني نقص الموارد أو تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها الأمنية.

السعودية وتركيا وباكستان.. ثلاث قوى ومصالح مختلفة

تمثل الدول الثلاث الموقعة على اتفاق مكة قاعدة أولية لهذا التوجه، لكنها لا تنطلق من موقع واحد أو من حسابات متطابقة.

فالسعودية تسعى إلى توسيع نطاق حماية أمنها الوطني ومنشآتها الحيوية، بينما تمتلك تركيا صناعة دفاعية متنامية وخبرة عسكرية إقليمية، في حين تتمتع باكستان بثقل عسكري كبير، إلى جانب امتلاكها قدرات نووية.

ويمنح هذا التنوع الاتفاق إمكانات قد تتجاوز ما توفره الشراكات الثنائية التقليدية، إلا أن جمع هذه القدرات تحت مظلة واحدة لا يعني بالضرورة تشكيل قوة متجانسة.

فلكل دولة حساباتها السياسية، وحدودها في استخدام القوة، وشبكة علاقاتها الدولية التي قد تتعارض أحيانًا مع أولويات شركائها. كما تفرض الاختلافات في العقائد العسكرية وأنظمة التسليح وآليات اتخاذ القرار تحديات عملية أمام بناء منظومة دفاعية متكاملة.

واكتسب الاتفاق أهمية إضافية في 5 أكتوبر 2026، عندما أعلنت الدول الثلاث تفعيل التزامات الدفاع المشترك، والاتفاق على توفير القدرات العسكرية اللازمة ونشرها سريعًا في السعودية، عقب تصاعد الهجمات الحوثية.

كما عينت الدول الفريق أول المتقاعد نعمان محمود، من باكستان، أمينًا عامًا للتحالف لمدة ثلاث سنوات، في خطوة تعكس توجهًا نحو بناء مؤسسات أكثر استقرارًا واستمرارية.

ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في إعلان التضامن أو الاتفاق على مبدأ الدفاع المشترك، بل في كيفية تطبيقه عند وقوع أزمة. فطبيعة المشاركة العسكرية، وحدودها الجغرافية، وآليات توزيع الأدوار، والجهة المسؤولة عن تحديد مستوى الرد، كلها عوامل تؤثر في قدرة التحالف على الانتقال من الإطار السياسي إلى العمل المنظم.

كذلك، فإن اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الأعضاء اعتداءً على بقية الأعضاء لا يعني بالضرورة أن التدخل العسكري سيصبح تلقائيًا في جميع الحالات؛ إذ تظل القرارات الفعلية مرتبطة بتقدير طبيعة الهجوم، والتشاور بين الحكومات، والإجراءات الوطنية المعمول بها.

وتمثل المسافة بين الالتزامات المعلنة والتنفيذ العملي أحد العوامل الأساسية التي ستحدد مصداقية التحالف وقدرته على تحقيق أهدافه.

مصر وسوريا.. توسع محتمل تحكمه الحسابات

يبرز احتمال توسيع التحالف ليشمل مصر وسوريا بوصفه أحد أكثر جوانب المشروع حساسية. فإذا تحقق هذا التوسع، فلن يقتصر الأمر على إضافة عضوين إلى اتفاق قائم، بل قد يؤدي إلى تغيير طبيعة المنظومة وأولوياتها الجغرافية والسياسية والعسكرية.

تمتلك مصر ثقلًا عسكريًا وموقعًا استراتيجيًا يربط البحرين الأحمر والمتوسط، كما تمنحها قناة السويس أهمية مباشرة في أمن التجارة الدولية. ويرتبط استقرار البحر الأحمر والطرق البحرية المحيطة به بأمنها الاقتصادي ومصالحها الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة مصر المحتملة في إطار دفاعي أوسع قد تمنح التحالف امتدادًا جغرافيًا مهمًا، لكنها ستظل مرتبطة بتقدير القاهرة لمصالحها الوطنية وحدود التزاماتها العسكرية.

أما سوريا، فتواجه معادلة مختلفة؛ إذ يمنحها موقعها الجغرافي أهمية في التوازنات الأمنية بين المشرق وتركيا والعراق والأردن ولبنان. لكن اضطلاعها بدور دفاعي إقليمي فاعل يتطلب أيضًا توافر قدرات مؤسسية وعسكرية مستقرة، إلى جانب تحديد واضح لأولويات سياستها الخارجية.

وقد تناولت تقارير وتحليلات سابقة احتمال انضمام دمشق إلى اتفاق مكة، دون أن يعني ذلك أن العضوية السورية أصبحت أمرًا محسومًا.

كما أن الحديث عن إنشاء إطار دفاعي تقوده الرياض ويضم مصر وسوريا، وفقًا لما نقلته وسائل إعلام عن تقديرات إقليمية، يجب أن يظل في نطاق السيناريوهات المحتملة، ما لم تؤكده اتفاقات أو إعلانات رسمية واضحة.

وتكمن أهمية هذا الاحتمال في أن انضمام سوريا قد يربط أمن الخليج بتوازنات المشرق بصورة أكثر مباشرة، لكنه قد يضع دمشق أيضًا أمام التزامات جديدة في وقت تحتاج فيه إلى ترتيب أولوياتها الداخلية، وتثبيت مؤسساتها، وإعادة بناء قدراتها.

لذلك، لا يقتصر السؤال على مدى رغبة الأطراف في توسيع التحالف، بل يمتد إلى قدرة كل دولة على الوفاء بالتزاماتها دون تحميل نفسها أعباء تتجاوز إمكاناتها.

ما الذي يمنع تحول الاتفاق إلى حلف إقليمي واسع؟

رغم المؤشرات التي تدفع نحو توسيع التعاون الدفاعي، فإن بناء منظومة إقليمية واسعة يواجه عقبات لا يمكن تجاوزها بمجرد التوصل إلى توافق سياسي.

أولًا: اختلاف تعريف التهديدات.

قد تتفق الدول على ضرورة حماية المنشآت الحيوية ومواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكنها تختلف بشأن التعامل مع أزمات أخرى أو تحديد الجهات التي تمثل خطرًا مباشرًا على أمنها.

ويجعل هذا التباين الاتفاق على استراتيجية موحدة أمرًا أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تتباين مصالح الدول الأعضاء أو تختلف تقديراتها لطبيعة التهديدات الإقليمية.

ثانيًا: القيادة والسيطرة.

يحتاج التحالف الفاعل إلى قنوات اتصال دائمة، وأنظمة إنذار مبكر، وتبادل للمعلومات الاستخباراتية، وتنسيق بين منظومات الدفاع الجوي، فضلًا عن قواعد واضحة تحدد متى وكيف تستخدم القدرات العسكرية المشتركة.

ومن دون هذه العناصر، قد يظل التعاون محدودًا من الناحية العملية، حتى مع وجود التزامات سياسية واسعة.

ثالثًا: العلاقة مع القوى الدولية.

ترتبط السعودية وتركيا وباكستان بشبكات مختلفة من المصالح الأمنية والاقتصادية، ولا يعني إنشاء إطار إقليمي جديد بالضرورة التخلي عن الشراكات القائمة مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية.

وقد يتمثل الهدف في تنويع مصادر الدعم، وتعزيز الاستقلالية في اتخاذ القرار، وتوسيع هامش التحرك الإقليمي، بدلًا من استبدال تحالف دولي بآخر بصورة كاملة.

رابعًا: صعوبة التوافق مع اتساع العضوية.

يمكن أن يؤدي توسيع عضوية التحالف إلى تعزيز عمقه الجغرافي وزيادة قدراته، لكنه قد يجعل التوافق على القرارات أكثر صعوبة.

فكلما اتسعت دائرة الدول المشاركة، زادت احتمالات اختلاف المصالح وتباين المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، خصوصًا عندما تتطلب الاستجابة العسكرية قرارات سريعة وحاسمة.

وبناءً على ذلك، فإن نجاح اتفاق مكة لن يتحدد بعدد الدول التي قد تنضم إليه، بقدر ما سيتوقف على قدرته على تحويل المصالح المشتركة إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وإيجاد توازن بين الردع العسكري ومنع التصعيد.

من اتفاق ثلاثي إلى معادلة إقليمية جديدة؟

يمثل اتفاق مكة محاولة لإعادة تنظيم جانب من العلاقات الأمنية في المنطقة، في ظل تزايد المخاوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة، واتساع نطاق التهديدات التي تستهدف المنشآت الحيوية وخطوط التجارة.

لكن الاتفاق لا يزال بحاجة إلى اختبار قدرته على إدارة الأزمات، وتحديد حدود التزاماته، وإثبات إمكانية تحول التعاون بين أعضائه إلى منظومة مستدامة.

وإذا اتجه الاتفاق إلى توسيع عضويته لتشمل دولًا مثل مصر وسوريا، فقد يكتسب تأثيرًا أكبر في معادلات الأمن الإقليمي. غير أن هذا التأثير سيظل مرهونًا بوضوح الأهداف، وتكامل القدرات، واستعداد الأطراف لتحمل تبعات قراراتها المشتركة.

ولا يكمن التحول الأهم في إنشاء تحالف جديد بحد ذاته، بل في احتمال انتقال دول المنطقة من الاعتماد المتفرق على ترتيبات أمنية خارجية إلى بناء مستوى أكبر من التنسيق فيما بينها.

ومع ذلك، فإن هذا المسار لن يكون خطيًا أو مضمون النتائج؛ إذ تفصل بين الطموح إلى تحقيق الردع المشترك والقدرة على تنفيذه تحديات تحددها المصالح السياسية والإمكانات العسكرية.

وفي هذا السياق، تبرز سوريا باعتبارها إحدى الحالات التي قد تكشف طبيعة هذا التحول: هل ستصبح طرفًا محتملًا في منظومة تتشكل حول المصالح الدفاعية المشتركة، أم ستظل أولويات إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي العامل الأساسي في تحديد دورها الإقليمي؟

لن تأتي الإجابة من السيناريوهات المتداولة وحدها، بل ستتحدد وفق القرارات الرسمية والخطوات العملية التي تتخذها الأطراف خلال المرحلة المقبلة.

قد يهمك