تتواصل أزمات المنطقة وسط تصاعد الصراعات وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، من اليمن إلى الأراضي الفلسطينية، في مشهد يثير تساؤلات بشأن مستقبل الشرق الأوسط وقدرة القوى الإقليمية على فرض معادلات جديدة.
وفي حوار خاص مع "المبادرة"، حذّر السفير شريف شاهين، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، من أن الحل العسكري لن يكون كافيًا لإنهاء الأزمة اليمنية، مشيرًا إلى تعقيدات الصراع وتعدد أطرافه وارتباطاته الإقليمية، كما تناول تداعيات الدور الإيراني ومواقف إسرائيل وسياساتها في المنطقة، مؤكدًا أن محاولات إنهاء الكفاح الفلسطيني بالقوة لن تحقق أهدافها. وناقش الحوار فرص تشكّل شرق أوسط جديد في ظل التحولات الراهنة.
..... إلى نص الحوار
*بداية سيادة السفير، كيف تقيم الأوضاع الراهنة في اليمن وهو الملف الأبرز الآن، في ظل استمرار التصعيد العسكري وتفاقم الأزمة؟
- تتجه الأوضاع في اليمن نحو مزيد من التأزم، في ظل استمرار الصدام العسكري بين الأطراف اليمنية المتناحرة والحوثيين من ناحية، والقوات السعودية من ناحية أخرى. وهذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من المعاناة للشعب اليمني، وسيزيد الأزمة القائمة تعقيدًا. الحل يكمن في الجلوس إلى مائدة المفاوضات، لأنه من دون التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتنازعة، سيستمر نزيف الدم اليمني، وهو أمر يؤلمنا جميعًا بوصفنا عربًا. ومن الضروري أيضًا إجراء حوار مع إيران للضغط على الحوثيين وإقناعهم بأن استمرار نهجهم الحالي سيؤدي إلى مزيد من الأزمات في المنطقة، وأن هذه السياسة لا تخدم المصالح الإيرانية، ولا أمن المنطقة واستقرارها. فضلًا عن ذلك، فإن هذه التطورات تهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما ينعكس بدوره على حركة الملاحة في قناة السويس، واستمرار تدفق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. نحن أمام وضع مأساوي لا تبدو فيه انفراجة قريبة، في ظل استمرار المعارك والإصرار على الحل العسكري. فالحل العسكري لن يؤدي إلى شيء، ولا بد من الجلوس إلى طاولة الحوار، لأن أطراف الصراع أطراف يمنية، وجميعها متضررة من استمرار المواجهات. إن استمرار الصراع يعني استمرار الأزمة وتعميقها، ولا يستفيد أحد من نهج يقوم على حل النزاعات بالقوة المسلحة.
*عندما تؤكد أن الحل يكمن في التفاوض، هل تقصد المفاوضات بين السعودية والحوثيين، أم بين الحكومة اليمنية الشرعية والحوثيين؟
- لا بد أولًا من إجراء مفاوضات مع إيران بهدف تهدئة الأوضاع وحثها على عدم دعم الحوثيين، لأن استمرار هذا الدعم يؤدي إلى تأجيج الأزمة. ومن ناحية أخرى، يجب أن تجلس الأطراف اليمنية إلى مائدة الحوار، لأن الأزمة يمنية وأطرافها يمنيون، ولا يمكن حلها إلا من خلال التفاوض. إذًا، نحن بحاجة إلى مسارين متوازيين: التفاوض بين الأطراف اليمنية، والتفاوض مع إيران لإقناعها بأن دعم أحد أطراف الصراع يمثل سياسة خاطئة تؤدي إلى تعميق أزمة الاستقطاب بين دول الخليج وإيران، وبين السعودية وإيران على وجه الخصوص. هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد والدمار ونزيف الدم والخسائر لجميع الأطراف المتصارعة. إنه صراع عبثي، ويجب أن يكون هناك تحرك من دول الحكمة، وفي مقدمتها مصر والسعودية، إلى جانب أطراف أخرى، للاتفاق على رؤية سياسية لحل الأزمة. وفي جميع الأحوال، فإننا ندعم السياسة السعودية، وندين الهجمات على المدن والمرافق السعودية، التي تسببت في مقتل مدنيين وإصابتهم، رغم أنهم لا ذنب لهم في هذا الصراع. ومن ثم، فإننا ندين المسلك الحوثي بأشد العبارات، وندعو إيران في الوقت نفسه إلى مزيد من التعقل. إيران تسهم في خلط الأوراق بالمنطقة، وربما تسعى من خلال هذا المسلك العدائي إلى تخفيف الضغوط الواقعة عليها، لكن هذه السياسة تعمق الأزمات الأمنية القائمة في منطقة الخليج وتزيدها تأزمًا وتعقيدًا.
*يشهد الشرق الأوسط أزمات وصراعات متزامنة في أكثر من ساحة، كيف تقرأ هذه التطورات، في ظل السياسات الإسرائيلية في سوريا وغزة والضفة الغربية ولبنان، والتصعيد مع إيران؟
- إن السياسات الإسرائيلية العدوانية في سوريا وغزة والضفة الغربية، والاعتداءات على لبنان، إلى جانب الحرب على إيران، فضلًا عن الموقف الإسرائيلي الداعم لإثيوبيا في مواجهة مصر، كلها سياسات تسهم في زعزعة الاستقرار. والهدف من هذه السياسات هو إظهار إسرائيل باعتبارها الدولة الأقوى وصاحبة النفوذ واليد الطولى في الإقليم، والقادرة على إعادة ترتيب الأوضاع وفقًا لرؤيتها ومصالحها. لكنها رؤية قاصرة؛ فمهما تمادت إسرائيل في عدوانها، فإنها ستحصد في نهاية المطاف نتائج جرائمها، عاجلًا أو آجلًا. ولن تظل المنطقة رهينة للسياسات العدوانية الإسرائيلية إلى الأبد. يجب على إسرائيل وقادتها أن يتحلوا بالتعقل، وأن يدركوا أن العيش في سلام داخل المنطقة يتطلب سلامًا متبادلًا، لا أن يمد العرب أيديهم بالسلام، بينما تواصل إسرائيل اعتداءاتها وتنتهج سياسات عدائية. مثل هذا السلوك يؤدي إلى انعدام الثقة. وإذا كنا قد ارتضينا السلام خيارًا استراتيجيًا في المنطقة، فإن ذلك لا يعبر عن ضعف، بل عن إدراك أن العنف لا يؤدي إلا إلى مزيد من العنف، وأن دائرة الصراع إذا استمرت فلن تنتهي.
*كبف ترى تعدد هذه الأزمات يا سيادة السفير؟ وهل نحن أمام ميلاد شرق أوسط جديد؟
- لقد شهدت المنطقة، على مدار ما يقرب من عقد ونصف، انتقالًا من أزمة إلى أخرى؛ من الأزمة الليبية إلى الأزمة السودانية، ثم اليمنية والسورية والعراقية، وصولًا إلى الحرب الأمريكية الإيرانية التي دخلت فيها إسرائيل. وتهدف هذه السياسات والاستراتيجيات الإسرائيلية، في نهاية المطاف، إلى إضعاف دول المنطقة لإحكام السيطرة عليها وفرض النفوذ الإسرائيلي. لكن هذه السياسات لن تفضي إلى شيء سوى زرع الكراهية تجاه إسرائيل باعتبارها دولة غريبة عن المنطقة. ومن الواضح أن الشرق الأوسط يشهد تغيرات فعلية نتيجة الصراعات القائمة، لكن هذا لا يعني أن إسرائيل ستتمكن من إحكام قبضتها على المنطقة، أو فرض سياساتها وفقًا لأهوائها، أو الاستمرار في نهجها العدواني دون عواقب. هناك جرائم لا تسقط بالتقادم، والشعوب لا تنسى حجم الجرائم الإسرائيلية. فإيران لن تنسى العدوان الإسرائيلي عليها، وسوريا لن تنسى أن إسرائيل تحتل جزءًا من أراضيها، كما تواصل إسرائيل التوسع والاعتداء على جنوب لبنان، بهدف إضعافه وتهجير سكانه وتأجيج الصراعات الداخلية فيه. ولا تزال السياسة الإسرائيلية تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه من خلال الاضطهاد والممارسات العدوانية، سواء في غزة أو في بقية الأراضي الفلسطينية. كما تسعى إسرائيل إلى تمزيق القطاع وإنهاء فرص تطبيق حل الدولتين. وحتى إذا حاولت إسرائيل القضاء على حل الدولتين، فإنها لن تستطيع إنهاء الكفاح الفلسطيني من أجل استعادة الحقوق المشروعة. فالشعب الفلسطيني متجذر في أرضه، ولم يتخلَّ عنها، ولا يزال متمسكًا بها. ومهما طال الزمن، سيواصل نضاله من أجل استعادة حقوقه المشروعة وفقًا للقانون الدولي.