يتسم الموقف التركي من الأزمة والحرب الدائرة في اليمن بالتعقيد، في ظل تأثره بالتحولات الجيوسياسية الإقليمية وتطور العلاقات مع دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية. وعلى مدار سنوات الصراع، حافظت أنقرة على مقاربة متوازنة تجنبت من خلالها الانخراط العسكري المباشر في المعارك الداخلية، مع التركيز على الأبعاد الإنسانية والدبلوماسية، وصولًا إلى تحديد طبيعة مشاركتها في ضوء اتفاقيات الدفاع المشترك.
الدعم السياسي وحدود التدخل العسكري
منذ اندلاع الأزمة اليمنية، حرصت تركيا على إعلان دعمها للشرعية الدستورية التي تمثلها الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، إلى جانب إدانة الهجمات العابرة للحدود التي تستهدف الأراضي السعودية من جانب جماعة الحوثي. وفي الوقت نفسه، تجنبت أنقرة الانخراط في عمليات عسكرية هجومية داخل اليمن، معتبرة أن الأزمة تحتاج إلى حلول سياسية شاملة تحافظ على وحدة البلاد واستقرارها، وتحد من تصاعد التوترات في المنطقة.
وانعكس هذا التوجه في محاولة تركيا الموازنة بين علاقاتها الإقليمية المتعددة، مع الحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة والسعي إلى أداء دور في المجال الإنساني. واستفادت أنقرة في هذا الإطار من شبكة المنظمات الإغاثية التركية التي قدمت مساعدات للمتضررين والنازحين اليمنيين، بعيدًا عن الانخراط في المواجهات العسكرية.
وأثارت اتفاقيات الدفاع المشترك والأطر الاستراتيجية الإقليمية تساؤلات بشأن احتمالات دخول تركيا طرفًا عسكريًا مباشرًا في المواجهات ضد الحوثيين في اليمن. ويقوم التصور الوارد في المقال على التمييز بين الالتزامات الدفاعية والمشاركة في العمليات الهجومية، إذ يطرح أنقرة باعتبارها طرفًا يركز على تقديم الدعم الدفاعي والتقني للدول الحليفة، دون إرسال قوات لخوض حروب هجومية داخل أراضي دول أخرى.
وفي هذا الإطار، قد يشمل الإسهام التركي المحتمل تقديم الدعم التقني واللوجستي، وتعزيز منظومات الردع والدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، والمساهمة في تلبية الاحتياجات العسكرية والفنية للدول الحليفة عندما تتعرض لتهديدات خارجية تمس أمنها القومي، استنادًا إلى حق الدفاع المشروع. وتندرج هذه المقاربة، وفقًا للتحليل المطروح، ضمن مساعي حماية الاستقرار الإقليمي وتجنب المشاركة المباشرة في القتال داخل اليمن.
التوازنات مع إيران ومخاوف التصعيد
لا يمكن فصل الموقف التركي من حرب اليمن عن الحسابات المعقدة للعلاقات بين أنقرة وطهران، إذ تمثل إيران أحد الأطراف المهمة في التوازنات الإقليمية التي تراعيها السياسة التركية.
وترتبط تركيا بإيران بعلاقات جغرافية واقتصادية وأمنية، تشمل الحدود المشتركة ومجالات الطاقة والتجارة، إلى جانب عدد من الملفات الإقليمية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تجنب أنقرة الانخراط في عمليات هجومية ضد الحوثيين باعتباره جزءًا من حرصها على عدم استعداء طهران أو إثارة توترات معها من خلال استهداف حليفها الأبرز في اليمن، بما قد يفتح المجال أمام مواجهة إقليمية أوسع.
وتفضل تركيا، وفقًا لهذا التصور، إدارة التنافس الإقليمي عبر الأدوات الدبلوماسية، مع السعي إلى طمأنة إيران بأن اتفاقيات الدفاع المشترك لا تستهدف أراضيها أو تمثل تهديدًا مباشرًا لها. وتعكس هذه المقاربة ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الوقائية، التي تسعى إلى التوفيق بين التزامات أنقرة تجاه حلفائها الخليجيين وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع طهران.
المشهد السوري وتباين الحسابات الإقليمية
في ظل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتطور العلاقات بين أنقرة ودمشق، يبرز تباين في طريقة التعاطي التركي مع الملف اليمني مقارنة ببعض الملفات الأخرى في المنطقة، ولا سيما الملف اللبناني.
فعلى صعيد اليمن، يتناول المقال ما يصفه بمرونة الموقف التركي تجاه التحركات السورية الجديدة، مشيرًا إلى عدم صدور اعتراضات واضحة عن أنقرة على الانخراط السوري في الملف اليمني أو على التنسيق العربي المرتبط به. ويضع هذا التوجه في سياق التعامل مع مساعي سوريا لاستعادة دورها العربي والإقليمي، ودعم التحركات الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
في المقابل، يطرح المقال اختلافًا بين هذه المرونة وبين الحذر التركي تجاه التحركات التي استهدفت حزب الله في لبنان، ويربط هذا التباين بالمخاوف من انعكاسات التصعيد اللبناني على الأمن القومي السوري والتركي، وما قد ينتج عنه من اختلال في التوازنات الإقليمية المحيطة بحدود تركيا ومناطق نفوذها الحيوية.
ويعكس هذا الاختلاف، وفقًا للقراءة المطروحة، طبيعة الحسابات التي تحكم الموقف التركي من التحركات الإقليمية، ومدى ارتباطها بتقدير أنقرة لتداعيات كل ملف على مصالحها الأمنية والسياسية.
المصالح الاقتصادية والإنسانية ومستقبل اليمن
يمثل اليمن، من المنظور التركي، جزءًا مهمًا من معادلة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر البحري وتأثير الاضطرابات فيه على حركة التجارة الدولية والاقتصاد التركي. ومن هذا المنطلق، تولي أنقرة اهتمامًا بسلامة الملاحة البحرية وحمايتها من التهديدات التي قد تؤثر على حركة التجارة والاستقرار الإقليمي.
وعلى الصعيد الإنساني والتنموي، يبرز الاهتمام التركي بمرحلة ما بعد الحرب، في ظل الحاجة إلى الاستعداد لجهود الإغاثة وإعادة إعمار البنية التحتية، إلى جانب تقديم الدعم الطبي والتعليمي للشعب اليمني الذي تحمل أعباء إنسانية واقتصادية كبيرة طوال سنوات الصراع.
ويعكس هذا البعد أهمية المسار الإنساني والتنموي في أي تصور لمستقبل العلاقات التركية اليمنية، خصوصًا في مرحلة تتطلب جهودًا واسعة لمعالجة آثار الحرب ودعم الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات والخدمات الأساسية.
الخلاصة
يتحرك الموقف التركي من حرب اليمن ضمن معادلة تجمع بين الالتزامات تجاه الحلفاء الإقليميين، ولا سيما في ما يتعلق بأمن الخليج وأطر الدفاع المشترك، وبين الحذر الاستراتيجي من استفزاز إيران أو الانزلاق إلى صراعات إقليمية مفتوحة.
وفي ضوء هذه المعادلة، تسعى أنقرة، وفقًا للتحليل المطروح، إلى الحفاظ على علاقاتها مع الدول الخليجية، مع تجنب التحول إلى طرف مقاتل بصورة مباشرة في الساحة اليمنية، والتركيز على أدوار دفاعية وتقنية ودبلوماسية محتملة تدعم الاستقرار الإقليمي.
كما يرتبط هذا التوجه بتعامل تركيا مع التحولات السياسية في سوريا، في سياق أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، مع مراعاة اختلاف الحسابات المرتبطة بكل ملف من ملفات المنطقة.
وفي المحصلة، تبرز الدبلوماسية بوصفها أحد المسارات التي يمكن أن تعتمد عليها تركيا للموازنة بين التزاماتها تجاه حلفائها ومصالحها الإقليمية، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام الجهود الإنسانية والمساعي السياسية الرامية إلى تسوية شاملة ومستدامة للأزمة اليمنية.
من زوايا العالم