بث تجريبي

لماذا يراد إثارة الاستفزازات في الحسكة؟ الحصار الكبير من شنكال إلى الحسكة

لم تندلع الأحداث في الحسكة بصورة مفاجئة، بل جاءت بعد سلسلة من التطورات بدأت منذ أغسطس، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بمسار الاندماج بين دمشق والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. وتتزامن هذه التطورات مع مطالب تتعلق باعتماد اللغة الكردية في التعليم، وعودة مهجري سري كانيه وكري سبي إلى ديارهم، ووضع الاندماج الديمقراطي ضمن إطار قانوني يضمن الحقوق والصلاحيات.

وفي المقابل، شهدت المدينة اعتداءات على رموز ولافتات متعددة اللغات، وتحركات رُفعت خلالها شعارات تطالب بعودة دمشق إلى الحسكة، في تطورات أثارت مخاوف من انتقال الخلاف السياسي والأمني إلى مواجهة بين العرب والكرد.

وتتجاوز أهمية هذه الأحداث حدود المدينة، إذ تتقاطع مع المفاوضات بشأن مستقبل الإدارة الذاتية، ومكافحة تنظيم داعش، والتنافس الإقليمي على مناطق النفوذ وممرات التجارة والطاقة، وصولًا إلى شنكال في شمال العراق.

                                                 أحمد حسن الكاتب السياسي الكردي التركي     

من أغسطس إلى أكتوبر.. سلسلة استفزازات متصاعدة

بدأت سلسلة الأحداث، وفق التسلسل الوارد في هذا الطرح، باغتيال الشاب الكردي سيبان حسو، الذي كان مقاتلًا في قوات سوريا الديمقراطية، في الحسكة، ثم أحداث سجن كوباني التي يصفها المقال بالمجزرة، وصولًا إلى حرق العلم الكردي خلال مظاهرات في نوفمبر.

وفي 8 و10 أكتوبر، شهدت الحسكة تطورات جديدة، تمثلت في الاعتداء على اللافتات متعددة اللغات في مركز المدينة، والتحرك تحت شعار «فلتأتِ دمشق إلى الحسكة»، في مشهد أثار مخاوف من تأجيج الخلافات بين المكونات السكانية.

وتضع هذه الأحداث مسار الاندماج أمام تحديات متزايدة، خصوصًا في ظل استمرار الخلاف بشأن الحقوق اللغوية والإدارية، وعودة المهجرين، وطبيعة العلاقة بين مؤسسات الإدارة الذاتية والدولة السورية.

وتتمثل الفرضية الأساسية في أن تصاعد الاستفزازات قد يُستغل لإفشال الاندماج أو دفعه بعيدًا عن المسار القانوني والسياسي نحو المعالجة الأمنية. غير أن إثبات وجود خطة منظمة تجمع جميع هذه الأحداث، أو تحديد الجهة التي تقف وراءها، يتطلب أدلة مستقلة وتحقيقًا في كل واقعة على حدة.

الحسكة.. قلب مفاوضات الاندماج

تجري مفاوضات بشأن اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في مؤسسات الدولة السورية، في مرحلة تتعلق بمستقبل الإدارة والأمن والحقوق الثقافية واللغوية في المنطقة.

خطة مظلوم عبدي

قبل أربعة أيام من التطورات المشار إليها في المقال، أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في تل تمر، أن مؤسسات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ستندمج مع الدولة السورية، مع الحفاظ على الحقوق الأمنية واللغوية، وأن الاندماج ينبغي أن يستند إلى أرضية قانونية.

ويضع هذا الطرح مسألة الضمانات القانونية في قلب المفاوضات، بما يشمل طبيعة المؤسسات التي ستندمج، والصلاحيات التي ستحتفظ بها، والحقوق التي ستُضمن لسكان المنطقة.

موقف دمشق

في المقابل، يتمثل الخلاف الأساسي في شكل الإدارة المقبلة، وحدود السيطرة المركزية، ومدى الاعتراف بصلاحيات محلية أو حكم ذاتي. ويطرح هذا التباين سؤالًا بشأن ما إذا كان الاندماج سيقوم على اتفاق قانوني يحدد الحقوق والمسؤوليات، أم سيُنفذ من خلال ترتيبات أمنية وإدارية تفرضها السلطة المركزية.

وتكتسب الحسكة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تضم مؤسسات الإدارة الذاتية وتشكل إحدى المدن الرئيسية في مناطق نفوذها. وإذا تصاعدت التوترات فيها وظهرت على أنها مواجهة بين مكوناتها السكانية، فقد يؤثر ذلك في موازين التفاوض ويمنح دعاة التدخل المركزي مبررات إضافية للمطالبة بتوسيع صلاحيات دمشق.

ومن هنا، يصبح الحفاظ على السلم الأهلي في الحسكة جزءًا من مستقبل الاندماج، وليس مجرد ملف أمني منفصل عن المفاوضات السياسية.

لماذا الحسكة تحديدًا؟

تجتمع في الحسكة خمسة عوامل تجعلها شديدة الحساسية أمام أي تصعيد، وفق القراءة المطروحة في المقال.

أولًا: خط الصدع الديمغرافي

تختلف الحسكة عن مدن أخرى في شمال وشرق سوريا بسبب تنوعها السكاني وتداخل أحيائها العربية والكردية والسريانية.

ويذكر المقال أن أكثر من نصف سكان المدينة من العرب، وأن الأكراد والسريان يشكلون نحو 35%، فيما تمثل المكونات الأخرى نحو 5%. وهذه النسب تحتاج إلى التحقق من مصدر إحصائي موثوق قبل اعتمادها باعتبارها بيانات دقيقة.

وتشمل المناطق المشار إليها أحياء تل حجر وغويران والنشوة، حيث يمكن للاحتكاكات المحلية أن تثير مخاوف أوسع إذا تحولت إلى خطاب يصور الأحداث على أنها صراع بين العرب والكرد.

وفي المقابل، تختلف التركيبة السكانية في الرقة ودير الزور، اللتين يشير المقال إلى أن العرب يشكلون نحو 95% من سكانهما. ويؤدي هذا الاختلاف إلى تباين طبيعة التوترات المحتملة في كل منطقة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الحسكة اختيرت عمدًا لإشعال صراع بين المكونات.

ثانيًا: العاصمة الرمزية

رغم أن الحسكة ليست عاصمة الإدارة الذاتية، فإنها تُعد من أكبر مدن مناطق شمال وشرق سوريا وأكثرها تنوعًا من الناحية السكانية والثقافية.

ويمنحها هذا التنوع أهمية رمزية في النقاش بشأن مستقبل التعددية والحقوق اللغوية. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء على اللافتات الكردية والسريانية متعددة اللغات في ساحة السلام يوم 8 أكتوبر يتجاوز الأضرار المادية، ليثير تساؤلات بشأن مكانة اللغات المختلفة في الفضاء العام.

وتحمل هذه القضية بُعدًا سياسيًا مرتبطًا بشكل الدولة السورية المقبلة: هل ستعترف بالتنوع القومي واللغوي في مؤسساتها، أم ستتجه إلى نموذج مركزي لا يوفر ضمانات كافية لهذه الحقوق؟

ويشبه المقال هذا الاتجاه بعقلية الدولة الشوفينية التي ارتبطت بالنظام البعثي، محذرًا من تكرار سياسات تهميش التعددية تحت شعار الدولة الواحدة.

ثالثًا: مهجرو سري كانيه وكري سبي

يتزامن التوتر في الحسكة، وفق المقال، مع ملف عودة المهجرين من سري كانيه وكري سبي، إذ كان مقررًا أن تعود نحو 500 عائلة كردية إلى الحسكة في الفترة نفسها.

وتواجه المدينة، في هذا السياق، تحديات تتعلق بالسكن والاقتصاد والخدمات، ما يجعل أي اضطراب أمني إضافي عاملًا قد يزيد الضغوط على السكان والمهجرين.

ويطرح هذا التزامن تساؤلات بشأن تأثير الأحداث على عودة العائلات إلى ديارها، وعلى فرص توفير بيئة مستقرة تسمح بإعادة توطين المهجرين ومعالجة آثار النزوح.

لكن تزامن العودة مع الأحداث لا يثبت وحده أن التحركات استهدفت تعطيلها عمدًا، وهو ما يتطلب معلومات إضافية بشأن الجهات المشاركة ودوافعها.

رابعًا: الحصار الجغرافي

تتمتع الحسكة بموقع جغرافي مهم لقربها من الحدود العراقية، ومن مخيمي الهول والشدادي والمناطق التي تنشط فيها خلايا تنظيم داعش.

ويشير المقال إلى أن انتقال عناصر متطرفة أو تسللها من المناطق المحيطة بمخيم الهول إلى الحسكة قد يكون أسهل من الناحية اللوجستية، إذا تراجعت السيطرة الأمنية أو اتسعت الفوضى.

كما أن قرب المدينة من الحدود التركية يضيف بُعدًا إقليميًا إلى حسابات الأمن والاستقرار، إذ قد يُستغل أي تدهور أمني لتوجيه انتقادات إلى قدرة الإدارة الذاتية على ضبط المنطقة.

ويجعل هذا الموقع من استقرار الحسكة قضية تتجاوز الخلافات المحلية، لتشمل أمن الحدود ومكافحة الإرهاب ومنع عودة نشاط التنظيمات المسلحة.

خامسًا: الشريان الاقتصادي

تُعد مناطق الحسكة من المناطق المهمة لإنتاج القمح والنفط في سوريا، ما يمنحها وزنًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.

وقد يؤدي اضطراب الأمن إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية والإمدادات، وزيادة الضغوط المرتبطة بالخبز والوقود والخدمات الأساسية.

ويطرح المقال احتمال أن تستغل أطراف سياسية مثل هذه الظروف لتبرير تدخل مركزي تحت عنوان استعادة النظام وتأمين الموارد، إلا أن إثبات وجود خطة متعمدة لإحداث اضطراب اقتصادي يتطلب أدلة مستقلة.

ماذا حدث في 8 و10 أكتوبر؟

في 8 أكتوبر، شهد مركز الحسكة، وفق الرواية الواردة في المقال، قيام مجموعة بتحطيم اللافتات الكردية والسريانية في ساحة السلام.

وفي 10 أكتوبر، وبعد صلاة الجمعة، تجمع حشد في أحياء غويران وتل حجر، حاملًا أعلامًا سورية ومرددًا شعار «فلتأتِ دمشق إلى الحسكة».

ويذكر المقال أن بعض المشاركين كانوا مسلحين على دراجات نارية، وأن التحرك اتجه خصوصًا نحو الأحياء الكردية، الأمر الذي أثار مخاوف من اتساع التوتر وتحوله إلى مواجهة بين السكان.

وأقامت قوات الأمن الداخلي حواجز لمنع تقدم المجموعة، في خطوة يقول المقال إنها حالت دون احتمال اتساع المواجهة.

وتظل تفاصيل المشاركين وتسليحهم والجهات التي قد تكون وراء التحركات بحاجة إلى تحقق مستقل، حتى لا تتحول الاتهامات المتداولة إلى حقائق غير مثبتة.

مواقف سياسية تحذر من الفتنة

عقب الأحداث، صدرت مواقف سياسية كردية حذرت من تداعيات التصعيد على السلم الأهلي.

وقال مظلوم عبدي إنه لن يسمح بالاستفزازات التي تستهدف تخريب السلام المجتمعي وإثارة الفرقة بين الشعوب.

كما شدد مجلس سوريا الديمقراطية على ضرورة عدم تحويل الخلافات السياسية والأمنية إلى صراع بين المكونات.

وأعربت المتحدثة باسم حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، أيشيغول دوغان، عن قلقها من محاولات الاستفزاز في الحسكة.

ويذكر المقال أن محافظ الحسكة وصف الأحداث بأنها عمل لمثيري الفتنة والمحرضين، وهو موقف يشير إلى وجود مخاوف رسمية من تداعياتها على الاستقرار المحلي.

وتؤكد هذه المواقف أهمية احتواء التوترات ومنع انتقالها إلى مواجهة اجتماعية، لكنها لا تثبت بمفردها وجود جهة واحدة تقف وراء جميع الأحداث أو وجود خطة مشتركة لإشعال الصراع.

الهدف المحتمل.. تخريب الاندماج

تتمحور القراءة السياسية للأحداث حول احتمال استفادة ثلاثة أطراف أو مجموعات من تصاعد التوتر في الحسكة، وإن كانت درجة ارتباط كل طرف بالأحداث تحتاج إلى أدلة منفصلة.

الجناح المتشدد داخل دمشق

يطرح المقال احتمال وجود قوى داخل المشهد السوري تفضل الحل العسكري على الاندماج السياسي، ولا ترغب في اتفاق يمنح الإدارة الذاتية ضمانات قانونية أو صلاحيات محلية.

وفي حال تصاعد العنف في الحسكة، قد تستند هذه القوى إلى التدهور الأمني للمطالبة بتدخل الجيش أو توسيع السيطرة المركزية، بحجة أن التفاهمات السياسية غير كافية لضمان الاستقرار.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن يتحول الاضطراب الأمني إلى عامل يضعف فرص التفاوض ويؤجل معالجة القضايا المتعلقة بالحقوق والإدارة.

بقايا داعش وشبكات التهريب

يشكل استمرار نشاط خلايا داعش وشبكات تهريب النفط والسلاح تهديدًا للأمن المحلي، خصوصًا إذا انشغلت المؤسسات الأمنية بصراعات داخلية أو تراجعت قدرتها على مراقبة المناطق الحساسة.

وقد تستفيد هذه الشبكات من ضعف التنسيق الأمني أو اتساع الفوضى لاستعادة حرية الحركة وتوسيع أنشطتها.

ومن ثم، فإن منع التصعيد بين المكونات يرتبط أيضًا بالحفاظ على القدرة الأمنية اللازمة لمواجهة التنظيمات المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة.

القوى الخارجية الساعية إلى توسيع نفوذها

يطرح المقال احتمال أن تستفيد أطراف خارجية من اضطراب الحسكة لإعادة ترتيب حساباتها بشأن الوجود الأمريكي ومستقبل مناطق شمال وشرق سوريا، إلى جانب التنافس المرتبط بتركيا وإيران وإسرائيل.

وقد يؤثر اتساع الاضطرابات من الحسكة إلى القامشلي ودير الزور والرقة في النقاش بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وفي حسابات القوى الإقليمية بشأن الحدود ومناطق النفوذ.

غير أن تلاقي المصالح المحتملة لا يكفي لإثبات أن هذه الأطراف تدير الأحداث من مركز واحد، وهو ما يتطلب أدلة على التنسيق أو التوجيه المباشر.

الانسحاب الأمريكي من العراق.. هل تعود سيناريوهات 2014؟

يمثل الوجود الأمريكي في العراق وسوريا أحد العوامل المؤثرة في حسابات الأمن الإقليمي، ويطرح المقال مخاوف من أن يؤدي أي انسحاب أو تراجع في الدعم العسكري إلى خلق فراغات تستغلها خلايا تنظيم داعش.

ويستحضر أحداث عام 2014، عندما انسحبت القوات الأمريكية من مناطق عراقية، ثم تمدد التنظيم وسيطر على الموصل، قبل أن يرتكب جرائم واسعة بحق الإيزيديين في شنكال ويهاجم مدينة كوباني في سوريا.

وتحذر هذه المقارنة من تكرار ظروف تسمح للتنظيم باستغلال الخلافات السياسية والفراغات الأمنية، خصوصًا في المناطق الحدودية التي تربط العراق بسوريا.

ويشير المقال إلى نشاط خلايا نائمة في مناطق تمتد بين الموصل وكركوك ومناطق أخرى، ويربط ذلك بمخاوف من اتساع نشاط التنظيم بين جناحيه العراقي والسوري.

وبحسب هذا السيناريو، فإن اضطراب الحسكة قد يمتد تأثيره إلى دير الزور والرقة، بينما تستفيد الخلايا الموجودة في العراق من تراجع التنسيق الأمني عبر الحدود.

لكن تكرار سيناريو 2014 ليس نتيجة حتمية لأي تغيير في الوجود الأمريكي، إذ يعتمد تقييم المخاطر الحالية على معلومات محدثة بشأن قدرات التنظيم وانتشاره والتعاون الأمني بين الأطراف المعنية.

شنكال.. مفتاح الجغرافيا وصراع الممرات

تحتل شنكال موقعًا مهمًا في شمال العراق، بالقرب من مناطق الموصل والحدود السورية، ما يجعلها نقطة تقاطع بين اعتبارات الأمن المحلي والتجارة وحركة القوى الإقليمية.

ويضع المقال شنكال في قلب شبكة جغرافية تربط شمال العراق بشمال شرق سوريا، وتمتد منها مسارات تجارية نحو الموصل وكركوك وبغداد، فضلًا عن الروابط مع تركيا والخليج.

ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل الإدارة المحلية في شنكال والعلاقة بين مؤسساتها والحكومة العراقية المركزية يمثلان جزءًا من النقاش الأوسع بشأن توزيع النفوذ في المناطق الحدودية.

ويشير المقال إلى أن دخول الجيش العراقي إلى شنكال لم يُنهِ الخلافات المتعلقة بالحكم المحلي والتمثيل السياسي، وأن طبيعة الصلاحيات المتاحة للسكان والمؤسسات المحلية ما زالت موضع نقاش.

تركيا وممرات التجارة البديلة

يطرح المقال فرضية أن تركيا تسعى إلى تجاوز الاعتماد على معبر إبراهيم الخليل، المعروف في الجانب العراقي بمعبر الخابور، الذي يمثل منفذًا رئيسيًا للتجارة بين تركيا وإقليم كردستان العراق.

ويشير إلى احتمال فتح مسار تجاري بديل يمر عبر قرية آيفا وشنكال والموصل وبغداد وصولًا إلى الخليج، بما قد يغيّر مسارات التجارة ويؤثر في الدور الاقتصادي لإقليم كردستان.

ووفق هذا التصور، فإن وجود إدارة محلية مستقلة في شنكال قد يمثل عاملًا مؤثرًا في طبيعة هذه المشروعات، بينما قد يؤدي تغيير الترتيبات الإدارية والأمنية إلى تسهيل بعض المسارات التجارية.

غير أن وجود خطة تركية محددة بهذا الشكل، وأهدافها الاقتصادية والسياسية، يحتاج إلى وثائق وتصريحات موثقة تثبت تفاصيلها.

ممرات النفط من الموصل وكركوك إلى جيهان

يتناول المقال كذلك خط النفط الذي يربط مناطق العراق بتركيا عبر جيهان، والذي شهد خلافات ومشكلات تشغيلية وقانونية خلال السنوات الماضية.

ويطرح احتمال إنشاء مسار أمني ونفطي جديد عبر شنكال وربيعة، ويربط ذلك بالتنافس على التحكم في طرق الطاقة والممرات البرية.

ويذهب هذا الطرح إلى أن السيطرة على المسارات الجديدة قد تؤثر في دور القوى الكردية المحلية وفي توزيع النفوذ الاقتصادي بين تركيا وإقليم كردستان والعراق.

كما يربط المقال هذه الحسابات بالهجمات التي تعرضت لها شنكال بواسطة الطائرات المسيّرة خلال السنوات الخمس الماضية، معتبرًا أن الموقع الاستراتيجي للمنطقة قد يكون أحد العوامل المؤثرة في الصراع عليها.

لكن الربط المباشر بين هذه الهجمات ومشروعات الممرات النفطية يظل فرضية تحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت الدوافع والجهات المسؤولة.

مشروع 2011.. من تغيير النظام إلى صراع النفوذ

يعود المقال إلى عامي 2011 و2012، معتبرًا أن الأزمة السورية لم تكن مجرد صراع على إسقاط نظام البعث، بل ارتبطت أيضًا بمشروعات إقليمية تتعلق بإعادة تشكيل السلطة ومناطق النفوذ.

ويتكون التصور الذي يطرحه المقال من ثلاثة عناصر: إضعاف نظام البعث، وإنشاء إدارة انتقالية ذات طابع إسلامي مكانه، وقطع خطوط الإمداد الإيرانية إلى حزب الله اللبناني وغزة عبر الأراضي السورية، بالتوازي مع تحويل مناطق كردستان إلى منطقة عازلة.

ويربط المقال بين صعود تنظيم داعش وجبهة النصرة، التي أصبحت لاحقًا هيئة تحرير الشام، وبين هذه الحسابات الإقليمية.

ويطرح كذلك أن تغير أسماء التنظيمات والقوى الفاعلة لا يعني بالضرورة تغير جميع الأهداف الاستراتيجية التي تحكم الصراع، معتبرًا أن بعض النتائج الميدانية قد تخدم مصالح متقاطعة رغم اختلاف الأطراف.

غير أن القول إن داعش والجيش الوطني السوري وهيئة تحرير الشام أدوات لجهة واحدة أو أنها تتحرك وفق خطة مشتركة، يحتاج إلى أدلة مباشرة على التنسيق والقيادة وتوزيع الأدوار، ولا يمكن اعتباره حقيقة مثبتة اعتمادًا على التشابه في بعض النتائج السياسية.

ثلاثة أدوار في المشهد السوري

داعش.. أداة الخوف والضغط الأمني

يصف المقال تنظيم داعش بأنه مصدر تهديد أمني يمكن أن يُستغل لتصوير الإدارة الذاتية على أنها غير قادرة على توفير الأمن.

ويشير إلى وجود مخاوف من نشاط خلايا التنظيم في مخيم الهول ومناطق الشدادي وريف دير الزور، محذرًا من أن تصاعد التوترات الداخلية قد يشتت جهود المؤسسات الأمنية ويمنح هذه الخلايا فرصًا إضافية للتحرك.

ويضع المقال هذا الاحتمال في سياق المفاوضات بشأن الاندماج، إذ قد يؤدي تدهور الأمن إلى زيادة الضغوط المطالبة بفرض السيطرة المركزية.

لكن لا توجد في النص أدلة مستقلة تثبت أن نشاط داعش يجري توجيهه بالتزامن مع المفاوضات أو أنه يُستخدم ضمن خطة موحدة لإفشالها.

الجيش الوطني السوري.. القوة البرية والتغيير الديمغرافي

يربط المقال بين فصائل الجيش الوطني السوري والعمليات العسكرية التي شهدتها مناطق سري كانيه وكري سبي وعفرين، وما أعقبها من نزوح وتغيرات سكانية وخسائر في الممتلكات.

ويشير إلى أن تهجير السكان والقيود التي تواجه عودتهم يظلان من أبرز الملفات المرتبطة بمستقبل الاستقرار في المناطق المتنازع عليها.

كما يحذر من احتمال انتقال التوترات المسلحة إلى الحسكة، أو استغلال مجموعات مسلحة لإظهار التحركات المحلية باعتبارها انتفاضة شعبية تطالب بعودة السيطرة المركزية.

ويستحضر المقال ما حدث في سري كانيه عام 2019، محذرًا من تكرار أنماط من الضغط العسكري أو التغيير السكاني في مناطق أخرى.

لكن تحديد الجهة التي تقف وراء التحركات التي شهدتها الحسكة، أو إثبات ارتباطها بفصائل بعينها، يتطلب معلومات موثقة عن المشاركين والجهات التي توجههم.

هيئة تحرير الشام.. إدارة دمشق والشرعية السياسية

يتناول المقال انتقال هيئة تحرير الشام من العمل المسلح إلى إدارة مؤسسات الحكم في دمشق، وما يثيره ذلك من أسئلة بشأن طبيعة السلطة الجديدة وحدود الاعتراف بالتعددية واللامركزية.

ويطرح احتمال أن يؤدي تقديم دمشق نفسها باعتبارها سلطة قادرة على فرض النظام ومكافحة داعش إلى تعزيز موقفها في المفاوضات المتعلقة بالاندماج.

وفي المقابل، يثير المقال تساؤلات بشأن مدى قدرة السلطات على ضبط جميع الفصائل المسلحة، ومنع تجاوزاتها، وضمان عدم استخدام التوترات الأمنية لفرض ترتيبات سياسية بالقوة.

ويذهب الطرح إلى أن الأدوار التي تؤديها القوى المختلفة قد تتقاطع في بعض النتائج، لكنه لا يقدم دليلًا كافيًا لإثبات أن هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري وداعش تتحرك جميعها وفق قيادة واحدة أو مشروع موحد.

استراتيجية الحصار.. ثلاثة ملفات أساسية

تجمع القراءة المطروحة في المقال بين ثلاثة ملفات يرى أنها تحدد مستقبل مناطق شمال وشرق سوريا، وتفسر أهمية التطورات في الحسكة وشنكال.

أولًا: منع تثبيت الحقوق الكردية

يتعلق الملف الأول بمكانة اللغة الكردية في التعليم، والاعتراف بالحقوق الثقافية والإدارية، واندماج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن إطار قانوني، وعودة مهجري سري كانيه وكري سبي إلى ديارهم.

ويحذر المقال من أن بقاء الاندماج في إطار أمني فقط، من دون ضمانات قانونية واضحة، قد يسمح بإعادة تشكيل المؤسسات المحلية وتقليص صلاحياتها وفق قرارات مركزية لاحقة.

كما يضع الاعتداء على اللافتات متعددة اللغات في ساحة السلام يوم 8 أكتوبر ضمن النقاش بشأن الاعتراف بالتعددية في المجال العام، معتبرًا أن القضية لا تتعلق باللافتات وحدها، بل بمستقبل الحقوق اللغوية والثقافية في سوريا.

ثانيًا: إعادة تشكيل الممرات بين العراق وسوريا

يربط المقال بين الحسكة وشنكال والموصل ودير الزور والرقة، باعتبارها مناطق تتقاطع فيها طرق التجارة والحدود والموارد، فضلًا عن المخاطر الأمنية المرتبطة بخلايا داعش وشبكات التهريب.

ويحذر من احتمال تشكل مسارات إقليمية جديدة تربط شمال العراق بسوريا وتركيا والخليج، بما يغير موازين النفوذ ويؤثر في القوى المحلية الموجودة على امتداد هذه المناطق.

كما يطرح احتمال أن تُستخدم الخلافات بين العرب والكرد لتبرير ترتيبات أمنية وإدارية جديدة، إلا أن إثبات وجود مشروع إقليمي موحد يتطلب أدلة على تنسيق الأطراف المعنية.

 

ثالثًا: إيران وممرات الطاقة

يمثل النفط والقمح وطرق التجارة البرية أحد الأبعاد الاستراتيجية التي يركز عليها المقال.

فالحسكة من المناطق المهمة لإنتاج القمح والنفط في سوريا، بينما ترتبط شنكال بممرات جغرافية وتجارية في شمال العراق، ويمكن أن تؤثر الترتيبات الأمنية والإدارية في حركة البضائع والطاقة عبر الحدود.

ويشير المقال إلى أن بوابة إبراهيم الخليل تقع ضمن نطاق إدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني، ويطرح احتمال أن تسعى تركيا إلى فتح ممرات بديلة تقلل اعتمادها على المعبر الحالي.

ويربط هذا التصور بين السيطرة على طرق التجارة والطاقة وبين التنافس الإقليمي، بما يشمل المصالح التركية والإيرانية ومشروعات الربط بين العراق وسوريا ولبنان والخليج.

لكن تحديد الأطراف المستفيدة من أي مسار تجاري، أو إثبات أن أحداث الحسكة وشنكال مرتبطة مباشرة بهذه المشروعات، يتطلب أدلة موثقة تتجاوز الاستنتاجات السياسية.

من الحسكة إلى شنكال.. هل نحن أمام مخطط واحد؟

تجمع هذه القراءة بين أحداث الحسكة، والاعتداء على الرموز الكردية، وملف سجن كوباني، وعودة المهجرين، ونشاط خلايا داعش، والتنافس على شنكال وممرات الطاقة والتجارة.

وتقوم الفرضية المركزية على أن التصعيد بين العرب والكرد قد يؤدي إلى إضعاف فرص الاندماج الديمقراطي، وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية أكثر مركزية، بالتزامن مع استمرار التنافس الإقليمي على المناطق الحدودية.

وفي هذا التصور، يمكن تلخيص الأدوار المحتملة على النحو الآتي: يشكل داعش تهديدًا أمنيًا، وتثير تحركات الفصائل المسلحة مخاوف بشأن النزوح والتغيير السكاني، بينما تسعى السلطات في دمشق إلى تثبيت سيطرتها وإدارة المفاوضات من موقع أقوى.

إلا أن اعتبار هذه الأطراف أجزاء من سيناريو واحد تديره جهة مركزية يظل استنتاجًا يحتاج إلى أدلة مستقلة. فتلاقي المصالح أو تشابه النتائج لا يثبت وحده وجود قيادة مشتركة أو تنسيق مباشر.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن فهم المخاطر الأمنية والسياسية لا يتطلب الجزم بوجود مؤامرة موحدة، بل يستلزم فحص الوقائع وتحديد المسؤوليات، ومراقبة ما إذا كانت الأحداث تؤدي عمليًا إلى تقويض التفاهمات السياسية وإضعاف الاستقرار المحلي.

الخلاصة.. مستقبل الاندماج يتجاوز الحسكة

لا تتوقف أهمية ما يحدث في الحسكة على طبيعة الاحتجاجات أو الاعتداءات التي شهدتها المدينة، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين دمشق والإدارة الذاتية، ومصير الحقوق اللغوية والثقافية، وعودة المهجرين، وقدرة المؤسسات الأمنية على منع عودة نشاط داعش.

كما تطرح التطورات في شنكال أسئلة بشأن توزيع النفوذ في شمال العراق، ومستقبل الإدارة المحلية، والممرات التجارية والنفطية التي تربط العراق بتركيا وسوريا والخليج.

ويحذر المقال من أن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع بين العرب والكرد قد يضعف فرص التفاهم ويزيد المخاطر الأمنية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى اتفاقات واضحة بشأن الصلاحيات والحقوق وضمانات الاستقرار.

وتبقى الأولوية أمام الأطراف المعنية هي منع التصعيد، والتحقيق في الاعتداءات والتحركات المسلحة، وتحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة

قد يهمك