بث تجريبي

عبدالرحمن ربوع يكتب: العدالة أولاً

أدى سقوط نظام البعث وهروب بشار الأسد من البلاد إلى تفكيك إرث العقود الماضية من الممارسات العنصرية ضد المكون الكردي فيما تستمر المطالبات الحثيثة بإلغاء قرارات "التعريب الجبري" التي تمت صياغتها وفرضها في بعض المناطق وبعض الحقب على الكرد. واليوم تشهد سوريا تحولاً سياسياً جذرياً يُفترض أن يقطع تماماً مع النظام البائد، ويعيد بناء الدولة وفق منظومة قيمية وأخلاقية تشاركية توصل البلد إلى شاطئ السلام والاستقرار من خلال الحوكمة والنزاهة وسيادة القانون وإلغاء السياسات التمييزية والعنصرية.

كما تتكرر التساؤلات حول "الضمانات العملية" للقطيعة نهائياً مع الإرث العنصري والطائفي ضد بعض المكونات الاجتماعية في سوريا.. ما الذي على هذه المكونات، ومنهم الكرد بطبيعة الحال، عمله؟. وما الذي على الحكومة الانتقالية عمله لإعادة صياغة منظومة المواطنة وصياغة عقد اجتماعي جديد ودستور وطني يوفران الاستقرار؟.

لا شك أن التحول السياسي التاريخي الذي شهدته سوريا أواخر 2024 حتّم الحاجة إلى إعادة بناء الدولة السورية على أسس التعددية والمواطنة، والقطع مع عقود من السياسات والممارسات الإقصائية. فقد أدى انهيار النظام البعثي إلى تقويض الركائز الأيديولوجية التي قامت على صهر المكونات غير العربية وإقصائها. وتجلى هذا التفكيك في تجميد وإلغاء القوانين التاريخية التي غيرت الأسماء الكردية التاريخية للقرى والبلدات في مناطق مثل الجزيرة وعفرين وكوباني إلى أسماء عربية مصطنعة، مع إعادة الاعتماد الرسمي للأسماء الأصلية في السجلات العقارية واللوحات المرورية.

كما تم نهائياً طيُّ صفحة تجريد آلاف الكرد من جنسيتهم السورية، حيث تم منحهم وثائق المواطنة الكاملة. كذلك تحولت اللغة الكردية من لغة محظورة يُعاقب من يتحدث بها في المؤسسات الرسمية إلى لغة وطنية معترف بها قانوناً، وأُدخلت رسمياً كأحد المقررات الأساسية في المناهج التعليمية بوزارة التربية السورية لعام 2026. ولضمان عدم العودة إلى ممارسات الإقصاء القومي تحت أي ظرف سياسي مستقبلي، تم إرساء ثلاث ضمانات جوهرية هي الضمانة الدستورية بصياغة الهوية السورية الجامعة، حيث أُسقطت صفحة "الجمهورية العربية السورية" من مسودات التعديل الدستوري الجديد لصالح اسم "الجمهورية السورية"، ليكون اسم الدولة حاضناً وممثلاً لكافة العرقيات والقوميات دون تمييز أو هيمنة لقومية على أخرى. كما سنّ البرلمان السوري الجديد قوانين صارمة تُجرم خطاب الكراهية، أو التمييز العرقي، أو القومي، أو الطائفي، مع فرض عقوبات قانونية ومدنية على أي مؤسسة أو فرد يمارس التمييز في التوظيف أو التعليم أو المعاملات الرسمية.

اللامركزية الإدارية الموسعة

علاوة على ذلك، يمثل إقرار قانون اللامركزية الإدارية ضمانة جغرافية وسياسية؛ حيث يمنح المحافظات والمناطق، بما فيها الحواضر ذات الكثافة الكردية، صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها الاقتصادية والتعليمية والثقافية والخدمية محلياً. مما يمنع تمركز القرار بيد سلطة مركزية أحادية في العاصمة. وأصبحت المرحلة الانتقالية الحالية تتطلب تكاملاً في الأدوار بين الحكومة السورية المركزية والمكون الكردي وبقية القوميات لتثبيت السلم الأهلي عبر فتح قطاعات الدولة السيادية كالجيش والأمن والدبلوماسية والوزارات أمام الكوادر الكردية بناءً على معيار الكفاءة والنزاهة، لإنهاء عقود من الإقصاء الأمني.

كما تتطلب توجيه الاستثمارات وإعادة الإعمار إلى المناطق التي عانت من "التفقير الممنهج" في الشمال والشمال الشرقي، لتأهيل البنية التحتية، وتطوير القطاعات الزراعية والنفطية بما يعود بالنفع على سكان المنطقة والاقتصاد الوطني معاً، وترسيخ التنمية الاقتصادية المتوازنة. هذا فضلا عن استكمال دمج وتطوير المنظومة الجامعية الناشئة في المنطقة مثل جامعات روج آفا وكوباني ضمن إطار جامعة الفرات الحكومية. ومعادلة شهادات الخريجين القدامى لحمايتهم وصيانة حقوقهم في سوق العمل.

الاندماج السياسي والاجتماعي

في المقابل بات بالإمكان المكونات الانخراط الفعال في التيارات السياسية الوطنية السورية العابرة للقوميات، والمشاركة الكثيفة في الانتخابات المحلية والبرلمانية لصياغة القرار السوري من داخل مؤسسات الدولة المعترف بها. هذا فضلاً عن تجاوز العزلة اللغوية بتشجيع الأجيال الجديدة على إتقان اللغتين الكردية والعربية معاً؛ لضمان قدرة الشباب الكرد على التنافس بكفاءة في أسواق العمل بدمشق وحلب، وبناء تواصل أكاديمي متين مع بقية المحافظات في مقابل انفتاح من بقية المكونات بتعلم اللغة الكردية والتفاعل إيجابياً مع الكرد خصوصاً في مناطقهم.

واليوم نحن أحوج ما نكون لإعادة صياغة العلاقة بين الكرد وبقية المكونات من عرب وتركمان وسريان.. وتبني حوار مجتمعي محلي، ورعاية مؤتمرات وندوات دورية ليس في مدن مثل القامشلي والحسكة وحلب والرقة.. بل في دمشق واللاذقية ودرعا.. وكل مكان في سوريا تحت شعار "أخوة الشعوب والعيش المشترك"، لتفكيك الترسبات النفسية التي خلفها النظام السابق تجاه الكرد. كذلك الالتزام التام بحماية حقوق الأقليات الأخرى العيشة في المناطق ذات الأغلبية الكردية وضمان تمثيلهم العادل في المجالس المحلية للمحافظات تماشياً مع مبادئ العدالة الشاملة. وتثبيت كل هذه الحقوق بقواعد دستورية حاكمة، وممارسات عملية تتجاوز الرسميات والشكليات وتنزل وتترسخ على أرض الواقع.

قد يهمك