في الخامس من أكتوبر 2026، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي «رشاد العليمي» إطلاق عملية «فجر اليمن» بهدف «إنهاء الحوثيين وتحرير العاصمة صنعاء»، وقالت القيادة العسكرية إن قواتها نفذت أكثر من ألف غارة خلال ساعات على مواقع المدفعية ومنصات الإطلاق وخطوط الإمداد ومسارات التعزيز. غير أن الإعلان جاء بعد يوم واحد من إحكام الحوثيين الطوق على تعز بقطع الطريق الرئيسي الذي يربطها بعدن، وبعد نحو شهر من اجتياح الجماعة الساحل الغربي والسيطرة على ميناء المخا ومحيط مضيق باب المندب. وتقول الحكومة إنها استعادت المخا ومناطق في ذباب ومواقع قرب المضيق، بينما تصف الجماعة هذه الأنباء بأنها «بطولات مفبركة»، ولم تتحقق «الجزيرة» من حجم المكاسب بشكل مستقل. وعلى الأرض، خلّف القتال منذ استئناف الحرب ما لا يقل عن 959 قتيلًا وأكثر من 4200 جريح، بحسب منظمة الصحة العالمية، ونزوح أكثر من 184 ألف شخص، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.
ولا تشبه هذه الجولة ما سبقها منذ هدنة 2022؛ فقد استؤنفت الهجمات الحوثية على السعودية في 13 يوليو 2026 في سياق الحرب الإقليمية مع إيران، ورد التحالف بضربات على محافظة الحديدة، فيما أعلنت الجماعة حصارًا على السفن السعودية في البحر الأحمر. والأهم أن المعسكر المناهض للحوثيين خرج لتوّه من زلزال داخلي؛ ففي ديسمبر 2025، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة، وفي يناير 2026، أعلن حل نفسه بعد أن قصفت طائرات سعودية شحنات قالت إنها إماراتية في ميناء المكلا، وانسحبت الإمارات من اليمن، وفرّ رئيس المجلس «عيدروس الزبيدي» إلى أبوظبي. وبهذا، تُقدم الرياض على معركة صنعاء وقد أزاحت أبرز منافسيها داخل معسكرها، وحازت وحدة قرار نادرة، لكنها صارت تحمل العبء وحدها.
وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى قراءة ما إذا كانت وحدة القرار الجديدة في معسكر الشرعية تعكس تماسكًا حقيقيًا أم وحدة مفروضة بالقوة؛ مع قياس حدود القدرة العسكرية على تحويل المكاسب الساحلية الأولية إلى سيطرة ثابتة، وموقع تعز والحديدة والطريق إلى صنعاء في هذه المعادلة؛ وتقدير ما إذا كان الاقتصاد المنقسم والأزمة الإنسانية يشكلان القيد الحاسم على أي حسم عسكري؛ وصولًا إلى بناء سيناريوهات الأزمة.
مسار حرج:
بدأت الأزمة الجنوبية في الثالث من ديسمبر 2025، حين سيطرت قوات المجلس الانتقالي المدعومة إماراتيًا على حضرموت ثم المهرة، فصار بيدها المحافظات الثماني التي كانت تشكل جنوب اليمن السابق، وانتقل العليمي من عدن إلى الرياض. وفي الأول من يناير، أعلن المجلس مرحلة انتقالية مدتها عامان تنتهي باستفتاء على تقرير المصير، وهو ما عدّته الرياض خطًا أحمر؛ لأن حضرموت تضم معظم ثروة اليمن النفطية وأطول حدوده مع المملكة. وخلال أسابيع، استعادت قوات «درع الوطن» المدعومة سعوديًا المعسكرات في حضرموت والمهرة، وأعلنت الحكومة بحلول العاشر من يناير استعادة كل المناطق التي كان المجلس قد سيطر عليها، وانتقلت قوات «العمالقة» إلى صف المجلس الرئاسي، وشُكّلت لجنة عسكرية عليا أمر العليمي عبرها الجماعات المسلحة بتسليم أسلحتها.
وتحقق هذه النتيجة للرياض مكاسب واضحة؛ فقد انتقل المعسكر المناهض للحوثيين من تعدد الرعاة المتنافسين إلى راعٍ رئيسي واحد، ما يقلل احتمال اصطدام الحلفاء داخل جبهة واحدة، ويضع حضرموت وموانئها تحت إشراف مباشر من حليف يعدّها مسألة أمن قومي. غير أن هذا الاستقرار يبقى محل شك لثلاثة أسباب. فالمجلس لم يختفِ سياسيًا؛ إذ رفض متحدثه في أبوظبي قرار الحل ووصفه بأنه «أخبار سخيفة»، وخرجت حشود في عدن تأييدًا للزبيدي، وتشير قراءات بحثية يمنية إلى أن قيادات مرتبطة بالمجلس ما زالت تحتفظ بمعسكرات ومواقع أمنية وإدارية في عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة، ووقع في عدن في 21 يناير تفجير سيارة مفخخة استهدف موكب أحد العمداء وأسفر عن مقتل خمسة أشخاص. وثانيًا، لم تُعالج المظالم الجنوبية الناشئة عن وحدة 1990، ولا يزال مؤتمر الرياض الجامع للقوى الجنوبية بلا موعد، ورغم وجود توافق واسع على صيغة فيدرالية أو حكم ذاتي، لا يُعرف ما إذا كان الجنوبيون سيقبلونها بديلًا عن الانفصال. وثالثًا، غاب الثقل المالي والعسكري الإماراتي عن المعركة، بينما تحتفظ أبوظبي بنفوذ في القرن الأفريقي ضمن ما وصفته تقارير بـ«محور بربرة»، ما يجعل علاقتها بالرياض عاملًا يتجاوز اليمن نفسه.
وبالتالي، فإن وحدة القرار الراهنة هي وحدة «بالقوة» أكثر منها وحدة «بالتوافق»؛ فهي صالحة لإدارة معركة عسكرية قصيرة المدى، لكنها لا تكفي لحكم مناطق جديدة بعد معركة طويلة. وقد لخّص الباحث «فرناندو كارفاخال» المعضلة بقوله إن دولة جنوبية لا يمكن أن تعيش في سلام وازدهار ما دام الحوثيون يسيطرون على الشمال، وهو ما يعني أن حسم الملف الجنوبي ذاته مرهون بنتيجة المواجهة مع الجماعة، ويجعل الجنوب حاضرًا في كل حسابات صنعاء.
الجبهات العسكرية:
أصبحت هذه المعركة مواجهة متعددة الجبهات تتداخل فيها السيطرة على المدن والممرات الاستراتيجية مع حسابات الردع الإقليمي وحدود الدعم الخارجي. فنجاح الهجوم لا يتوقف على حجم الضربات أو اتساع التحركات الميدانية وحدهما، وإنما على القدرة على الاحتفاظ بالمناطق المستعادة، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع الحوثيين من تحويل الجبهات المفتوحة إلى نقاط استنزاف، فضلًا عن تحديد ما إذا كانت العمليات تستهدف تغيير ميزان القوى تمهيدًا لتسوية سياسية أم تهيئ بالفعل لحسم عسكري أوسع. ومن ثم، فإن تقييم فرص الهجوم ومآلاته يقتضي التمييز بين المكاسب التكتيكية وحدودها الاستراتيجية، ويمكن رصد ملامح المعركة وحدودها عبر أربعة مسارات:
(1) الساحل الغربي وباب المندب: تمثل المخا مفتاح هذا المسار؛ فهي، بحسب «كارفاخال»، محاطة بالحوثيين من ثلاث جهات والبحر من الجهة الرابعة، ولذلك فإن التمسك بها «علامة حيوية» يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لجبهات أخرى. وقد أعلن التحالف أن قواته البحرية استهدفت مواقع في الحديدة تشمل مخازن أسلحة ومنشآت لتجهيز الزوارق المفخخة والألغام البحرية، بما يعكس أن الهدف الأقرب هو تحييد قدرة الجماعة على تهديد الممر قبل السعي إلى الاستيلاء على الميناء نفسه. ولهذا الساحل وزن يتجاوز اليمن؛ إذ إن السيطرة عليه تحدد من يملك القدرة على تهديد الملاحة قرب باب المندب في وقت صار فيه البحر الأحمر المنفذ البديل لصادرات الخليج مع تعطل مضيق هرمز.
(2) تطورات تعز: تحولت المدينة إلى اختبار مبكر لمصداقية الهجوم؛ فقد قطع الحوثيون الطريق الرئيسي بينها وبين عدن في الرابع من أكتوبر، واندلعت اشتباكات عنيفة في جبل حبشي والمقبنة وجبهة الأقروض والجبهتين الشمالية والشرقية للمدينة، وأعلنت قوات الحكومة صد الهجمات، بينما أعلنت وزارة الصحة التابعة للحوثيين مقتل سبعة وإصابة أربعين، بينهم أطفال، في غارة على سوق مفرق ماوية، قالت الحكومة إنها استهدفت معسكرًا ومركبات حوثية في الموقع نفسه.
(3) الطريق إلى صنعاء: يخدم إعلان هدف «تحرير العاصمة» أغراضًا سياسية ومعنوية وتفاوضية بقدر ما يعكس خطة ميدانية قريبة؛ فالوصول إلى صنعاء يعني عبور مرتفعات حصّنتها الجماعة طوال أكثر من عقد، بينما لم تتوقف هجماتها المضادة حتى بعد الإعلان.
(4) الكلفة وسقف الدعم الخارجي: تتسع دائرة الحرب خارج اليمن؛ فقد ادعت الجماعة استهداف مطار الملك خالد في الرياض ومصفاة أرامكو في رابغ ومطار أبها وقاعدة خميس مشيط ومواقع في نجران وجازان، وأكدت السعودية إصابة مطاري جازان ونجران بثلاث إصابات طفيفة دون تعليق على معظم المزاعم الأخرى، فيما أدى هجوم بطائرة مسيّرة في أواخر سبتمبر إلى تعطيل محول كهرباء في المدينة المنورة، وقال الأمين العام لمجلس التعاون إن الهجوم «تجاوز كل الخطوط الحمراء». وردًا على ذلك، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان تفعيل إجراءات الردع والنشر السريع للقوات بموجب اتفاق مكة، وتفيد تقارير بأن واشنطن تقدم دعمًا استخباراتيًا للرياض، فيما قال وزير الخارجية الأمريكي إن السعودية والحكومة اليمنية «لهما حق الدفاع عن نفسيهما». غير أن هذا الدعم دفاعي في معظمه، فهو يحمي الأراضي السعودية ولا يعوض حاجة القوات اليمنية إلى قدرة برية قادرة على الإمساك بالأرض.
الاقتصاد المنقسم:
ينقسم اليمن اقتصاديًا إلى منطقتين بنظامين نقديين ومصرفيين منفصلين. ففي مناطق الحكومة، بلغ سعر الدولار نحو 1573 ريالًا في الربع الثاني من 2026، بعد أن بلغ نحو 2900 ريال في وقت سابق، بينما ثبت سعر الريال القديم في مناطق الحوثيين عند نحو 531 إلى 534 ريالًا. غير أن التحسن في عدن اقترن بأزمة سيولة خانقة، إذ أغلق البنك المركزي شركات صرافة غير مرخصة، ووضعت البنوك سقفًا للصرف يبلغ نحو 50 ريالًا سعوديًا للشخص في اليوم، وصارت رواتب موظفي الدولة تُدفع في الغالب بفئة المئة ريال حتى بات العاملون يحملونها في أكياس. وفي مايو، رفعت الحكومة سعر الدولار الجمركي للسلع غير الأساسية من 750 إلى 1550 ريالًا، فارتفعت أسعار الوقود في مناطقها حتى 30% بين فبراير ومايو، وارتفعت أسعار الغذاء الأساسي في صنعاء نحو 13%.
وتتجلى هشاشة الدولة في أن الصادرات النفطية متوقفة منذ أواخر 2022 بعد استهداف الحوثيين لموانئ التصدير، ما أفقد الحكومة مصدرها الرئيسي من العملة الأجنبية والإيرادات، وجعل الموازنة معلقة بالدعم السعودي، ومنه منحة وقود بقيمة 150 مليون دولار وحوالي 224 مليون ريال سعودي (نحو 60 مليون دولار) لسد عجز الموازنة وصرف الرواتب، في وقت تنفق فيه الحكومة نحو 100 مليون دولار شهريًا على الوقود وإيجار محطات الكهرباء. وفي المقابل، تراجعت واردات الوقود عبر موانئ مناطق الحوثيين بنسبة 73% بين يناير ومايو مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وعبر موانئ الحكومة بنسبة 60%، وأضافت مخاطر الملاحة نحو ثلاثة آلاف دولار على كل حاوية، ما قد يرفع كلفة الاستيراد حتى 15%.
وتزيد الأزمة الإنسانية من وطأة هذه الأرقام؛ فقد قدّرت الأمم المتحدة أن 22.3 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة، وأن أكثر من 5.3 مليون نازح، وأن 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء تغذية حادًا، وأن 40% من المرافق الصحية تعمل جزئيًا أو لا تعمل، وذلك قبل موجة النزوح الأخيرة. وتكمن دلالة ذلك في أن أي طرف يتقدم نحو الحديدة أو صنعاء سيرث مسؤولية ملايين السكان في مناطق تعاني نقصًا حادًا في الخدمات، بينما لا تستطيع حكومة عدن انتظام دفع رواتبها. ومن ثم، فالقيد الحاسم قد يكون اقتصاديًا بقدر ما هو عسكري؛ فالسيطرة على الأرض بلا قدرة على الإدارة والتمويل تنتج مناطق محررة مثقلة بالفوضى، وتمنح الجماعة سردية تستثمرها في الرد.
السيناريوهات المحتملة:
يتحدد المسار خلال الأشهر المقبلة بثلاثة متغيرات: مدى تماسك الجنوب أمنيًا وسياسيًا، وقدرة القوات الحكومية على تثبيت المخا وفتح طريق تعز، ومصير مسار التفاوض الأمريكي الإيراني الذي ينعكس مباشرة على سلوك الجماعة تجاه السعودية. وتتوزع الاحتمالات على ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
(1) حسم تدريجي بإسناد سعودي: تنجح القوات الحكومية في تثبيت المخا وفتح طريق تعز والتقدم نحو الحديدة بدعم جوي وبحري سعودي، فتخسر الجماعة منافذها على البحر وجزءًا من عوائدها، ويتحول الضغط العسكري إلى ضغط اقتصادي وسياسي عليها. يتطلب هذا السيناريو هدوءًا في الجنوب، وقدرة برية يمنية لم تتوفر بعد، ودعمًا ماليًا سعوديًا يتجاوز المنح الحالية، ولذلك يبدو الأقل ترجيحًا على المدى القريب. ومن مؤشراته سقوط مواقع حوثية في الحديدة وعودة الطريق إلى تعز.
(2) جمود ميداني مع استنزاف: تتأرجح السيطرة على خطوط المخا وتعز والجوف دون حسم، وتواصل الجماعة ضرب العمق السعودي، وتتمركز القوات التركية والباكستانية في مهام دفاعية، وتتفاقم الأزمة الإنسانية، وتتسع الفجوة بين الاقتصادين. وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع الراهن؛ لأنه لا يتطلب تغيرًا كبيرًا في موازين القوة، لكنه الأكثر كلفة على المدنيين وعلى الرياض، التي تتحمل أعباء الدفاع والتمويل معًا. ومن مؤشراته تكرار ادعاءات السيطرة المتناقضة، وتوسع النزوح، وتدهور سعر الريال في عدن.
(3) تسوية مرتبطة بالمسار الإقليمي: إحياء «مذكرة إسلام آباد» بين واشنطن وطهران، فتتراجع الجماعة عن استهداف السعودية مقابل تجميد الجبهات، وتتحول «فجر اليمن» إلى ورقة تفاوض تُستخدم لتحسين شروط الحكومة. وهو سيناريو ممكن؛ لأن جزءًا من تصعيد الجماعة مرتبط بحرب إيران، لكنه ينطوي على خطر تثبيت واقع تبقى فيه الجماعة مسيطرة على صنعاء وعلى مناطق قريبة من باب المندب. ومن مؤشراته عودة الوساطات الباكستانية والقطرية والعمانية، وانخفاض وتيرة الهجمات على السعودية.
وختامًا، يمكن القول إن معركة صنعاء ليست اختبارًا للقوة العسكرية وحدها؛ فهي اختبار لقدرة معسكر الشرعية على الانتقال من وحدة فرضتها ضغوط اللحظة إلى وحدة قابلة للاستمرار، ولقدرة الدولة على أن تُدير ما تُحرره وتموّله، لا أن تحتله فحسب. وما دام الجنوب غير محسوم سياسيًا، والاقتصاد منقسمًا، والمكاسب الساحلية محل تنازع، والمسار الإقليمي بين واشنطن وطهران معلّقًا، فإن الأرجح أن تتحول «فجر اليمن» إلى أداة ضغط وتفاوض أكثر منها طريقًا قصيرًا إلى العاصمة، وأن يظل الفارق بين استعادة الأرض واستعادة الدولة هو السؤال الذي سيحدد مصير اليمن في المرحلة المقبلة.
منبر الرأي