لم يكن سقوط دمشق في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 مجرد انهيار لنظام استبدادي شمولي تحكم بالبلاد لأكثر من خمسة عقود، بل كان زلزالًا جيوسياسيًا ضرب سوريا والمنطقة بأسرها، ألقت بسوريا في خضم مرحلة انتقالية شديدة التعقيد والاضطراب والخطورة. غير أن المشهد الذي تشكّل خلال الأشهر التي تلت هذا التحول التاريخي لا يشي حتى اللحظة بإنقاذ وطني حقيقي، بقدر ما يعكس إعادة إنتاج لآليات الهيمنة والإقصاء تحت لافتات إسلاموية وأيديولوجية جديدة، وفي ظل تجاذبات إقليمية ودولية حرمت السوريين من تقرير مصيرهم السياسي حتى الآن.
إسلاموية الحكم وتمدد "هيئة تحرير الشام"
شكّل احتكار "هيئة تحرير الشام" لمفاصل القرار السياسي والأمني في دمشق الصدمة الأكبر للقوى الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني. فعلى الرغم من وصول الهيئة تحت مظلة "الحكومة الانتقالية" بموجب توافقات إقليمية ودولية بمعزل عن توافق وطني سوري جامع، وفي الوقت الذي حاولت فيه قيادتها تسويق خطاب براغماتي وتقديم تطمينات شفهية للداخل والخارج، إلا أن الممارسة العملية سرعان ما كشفت عن نزعة هيمنة إسلاموية أيديولوجية لا تختلف في جوهرها الإقصائي عن المنظومة السابقة. تجلّى ذلك في أسلمة المؤسسات والفضاء العام عبر فرض رؤية عقائدية محددة على القطاعات التعليمية والقضائية والخدمية، وتهميش الكفاءات التكنوقراطية والمدنية لصالح كوادر الهيئة الموالية. كما عجزت أيديولوجيا الإسلام السياسي هذه عن استيعاب التعددية القومية والدينية والطائفية التي يتميز بها المجتمع السوري، مما حوّل إدارة التنوع إلى أداة للهيمنة وإعادة إنتاج التهميش، بالتوازي مع احتكار الموارد الاستراتيجية والمفاصل الاقتصادية للبلاد لصالح شريحة ضيقة من قادة الهيئة وحلفائها.
معضلة "الفصائلية" وأزمة المقاتلين الأجانب
تُشكّل العقبة الأمنية والعسكرية العائق الأبرز أمام الاستقرار وبناء دولة مؤسسات حقيقية، والمتمثلة في العجز السافر عن تفكيك الهياكل الفصائلية وإعادة بناء جيش وطني مهني وموحد. فعلى الرغم من الإعلانات المظهرية عن دمج القوى المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع أو قيادة عسكرية موحدة، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن تجذر الولاءات الفصائلية والمناطقية؛ إذ فشلت السلطة الانتقالية في تجريد هذه الجماعات من سلاحها أو إخضاعها لعقيدة عسكرية وطنية جامعة، لتبقى الميزانيات والنفوذ الميداني محكومة بمنطق "الغنيمة الفصائلية". وتزداد هذه المشهدية تعقيدًا مع ملف المقاتلين الأجانب "المهاجرين" الذي يشكل قنبلة موقوتة تهدد السلم الأهلي واستقرار العلاقات الدولية لسوريا. ورغم الضغوط الإقليمية والدولية لتفكيك هذه الكتلة الراديكالية ومعالجة ملف إعادتهم أو محاكمتهم، تتلكأ السلطة الانتقالية في اتخاذ خطوات حاسمة؛ إما بسبب التداخل العقائدي مع تلك القوى، أو خشية الاصطدام المباشر معها، وهو ما يبقي البلاد تحت طائلة العقوبات ويمنح أطرافًا خارجية ذريعة لاستباحة السيادة والتدخل المستمر. بل إن الخطورة تتضاعف في ظل موافقة قوى دولية على دمج هؤلاء المقاتلين غير السوريين وغير العرب في تشكيلات فرقة عسكرية (الفرقة 84) ضمن الهيكلية المسماة بـ"الجيش العربي السوري"، مما ينسف أسس الهوية العسكرية الوطنية.
السيادة المهدورة: تنافس الوصايات والارتهان للخارج
بدلًا من بناء سيادة وطنية مستقلة، تحولت سوريا إلى ساحة لنفوذ ووصايات خارجية متقاطعة. فقد تجاوز النفوذ التركي حدود الدعم العسكري ليتحول إلى وصاية إدارية وسياسية شبه كاملة على مفاصل قرار الحكومة الانتقالية، لتصبح أجندات أنقرة الأمنية خاصة ضد المكون الكردي شمال شرق البلاد المحدد الأول لخيارات الدولة. بالتوازي، استغلت إسرائيل السيولة الأمنية لتكريس أمر واقع بالجنوب عبر فرض حزام عازل والتوغل في القنيطرة وجوارها، مما خلق معادلة تقاسم نفوذ وتنافس حذر مع الطرف التركي على حساب السيادة السورية. وفي مقابل ذلك، انكمش الوجود الإيراني وتوارى حلفاؤه، واكتفت روسيا بتموضع انكفائي حذر بقواعدها الساحلية؛ بينما يمارس الغرب ابتزازًا عبر ربط الإعمار والاعتراف بشرطية الإصلاح السياسي وتفكيك البنى الراديكالية دون تقديم ضمانات. والأخطر، يبدو موقف الحكومة الانتقالية خجولًا تجاه هذه الانتهاكات، مما يفسره مراقبون بتفاهمات ضمنية لتثبيت سلطتها على حساب كرامة وسيادة البلاد.
خطوات الحكومة الانتقالية: استحقاقات شكلية ومسارات معطلة
تجلت المعضلة البنيوية للسلطة الانتقالية بدمشق منذ تشكيلها؛ إذ اختارت التعيين الفوقي واحتكار القرار بدلًا من الانفتاح التأسيسي. وانعكس ذلك في صدور "الإعلان الدستوري" من غرف مغلقة صاغتها قوى الأمر الواقع بمعزل عن أي مشاركة مجتمعية، ليجيء مؤصلًا لسلطات شمولية مطلقة بيد الحكومة واللجان المرتبطة بها. وتماشيًا مع هذه الرؤية الإقصائية، شُكّل "مجلس الشعب" والمجالس المحلية عبر التعيين والمحاصصة الفصائلية والمناطقية، مما حول البرلمان إلى مجرد أداة للتصديق الشكلي ومكرسًا غياب التمثيل الشعبي الشفاف. ولم يتوقف التعطيل عند الهياكل التشريعية، بل امتد للعدالة الانتقالية؛ فبدلًا من بناء قضاء مستقل يؤسس لمصالحة وطنية، جرى التعاطي بعقلية "عدالة المنتصر"، إذ اختُزلت الملاحقات في حالات انتقائية مع غض الطرف عن تجاوزات الجماعات المسلحة بالساحل والسويداء وشمال شرق سوريا، وهو ما عمّق ثقافة الثأر والشرخ المجتمعي بدلًا من رأبه.
التحول الاقتصادي النيوليبرالي وصدمة المعيشة
على الصعيد الاقتصادي، اندفعت السلطة الانتقالية نحو تطبيق نهج نيوليبرالي حاد وإلغاء منظومة الدعم الاجتماعي بشكل فجائي، بدعوى الانفتاح على السوق الحر وجذب الاستثمارات الخارجية، متجاهلة واقع دولة خرجت للتو من أتون حرب مدمرة وممتدة. وقد أسفر هذا الفتح العشوائي للأسواق وإلغاء الحماية عن السلع الأساسية، بالتوازي مع التخبط في إدارة السياسة النقدية، عن تهاوٍ جديد في القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع جنوني في معدلات التضخم والفقر. وفي ظل افتقار الحكومة لأي برنامج إسعافي لحماية الطبقات الهشة، اقتصرت مشاريع "إعادة الإعمار" على صفقات ترميم بدائية وتفاهمات نفعية مع تجار الحرب والممولين الإقليميين، دون أن تلامس الاحتياجات الخدمية والتنموية الأساسية للمواطنين. وعلى الرغم من رفع العديد من العقوبات الاقتصادية الدولية، إلا أن أثر ذلك لم ينعكس على الواقع المعيشي للسوريين؛ إذ استمرت معاناة الشارع السوري في وقتٍ تُظهر فيه قيادات الهيئة وأتباعها ووزراؤها مظاهر بذخ واستعراض لا تتوافق إطلاقًا مع الواقع الصعب، بالتوازي مع تنظيم مهرجانات واستعراضات اقتصادية لتوقيع عقود مع شركات وهمية أو صورية لم تُحدث أي تغيير ملموس في المشهد الميداني والخدمي. هذا الانسداد الاقتصادي وتفاقم الغلاء المادي أديا بالنتيجة إلى إشعال فتيل الغضب الشعبي، حيث خرجت تظاهرات غاضبة قبل أسابيع احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية والارتفاع الحاد في أسعار المحروقات والمواد الأساسية.
مأزق العقد الاجتماعي وتجريف البديل الديمقراطي
أظهرت الممارسة العملية للسلطة الانتقالية عجزًا فاضحًا في إدارة التنوع القومي والديني والثقافي في سوريا نتيجة طغيان الذهنية المركزية الهشة والعقلية الفصائلية؛ حيث تركت الانتهاكات والتجاوزات الأمنية بحق المدنيين في الساحل والسويداء والمناطق الكردية جروحًا غائرة تحت ذرائع "فرض الهيبة" و"تطهير فلول النظام"، فيما يتعثر تنفيذ اتفاقية 29 يناير مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) رغم وجود خطوات إيجابية نتيجة الإملاءات التركية المتواصلة وعدم قبول دمشق التام بالإقرار بالحقوق السياسية والثقافية المشروعة للمكونات الوطنية. وتتضاعف هذه المعضلة مع الهروب المستمر من الاستحقاق التأسيسي المتمثل في عقد مؤتمر وطني شامل وصياغة عقد اجتماعي حقيقي، بالتوازي مع خنق الفضاء العام وتجريف الحياة السياسية عبر المغالاة في تغييب قانون أحزاب عصري، واستمرار حظر العمل الحزبي المنظم تحت ذريعة "أولويات المرحلة الانتقالية"، فضلًا عن ملاحقة وتهميش القوى الوطنية والديمقراطية والأحزاب اليسارية والحراكات المدنية؛ مما يكرّس احتكار الجماعات المسلحة للشأن العام، ويكشف عن رغبة السلطة في فرض أمر واقع جديد بقوة السلاح وإغلاق الطريق أمام أي خيار مدني قادر على طرح مشروع وطني جامع.
مراجعة المسار أو الانزلاق نحو الاستبداد الجديد
وسط هذا الانسداد الداخلي والتغول الخارجي، تبدو العودة الحقيقية والمؤسسية لسوريا إلى مظلتها العربية خيارًا حتميًا، لا بهدف شرعنة السلطة القائمة، بل لإحداث توازن سياسي جيوستراتيجي يمنع تفتيت الدولة، ويشكل مظلة صدّ ضد المشاريع الاقتطاعية والتدخلات السافرة لتركيا وإسرائيل، بالتوازي مع ممارسة ضغوط جادة لدعم القوى الوطنية والديمقراطية وإجبار السلطة الانتقالية على إجراء مراجعة شاملة لخطايا المرحلة الماضية، والجلوس إلى طاولة مفاوضات تؤدي إلى مؤتمر تأسيسي وانتخابات حرة، فضلًا عن ربط الدعم التنموي بشرطية الشفافية لخدمة الشعب مباشرة دون ترسيخ سلطة الفصائل؛ إذ إن ثورة السوريين لم تكن يومًا مجرد محاولة لتبديل وجوه المستبدين أو استبدال أجهزة أمنية بأخرى عقائدية، بل كانت انطلاقة من أجل الحرية والكرامة وسيادة القانون، مما يضع المرحلة الانتقالية بعد الثامن من ديسمبر أمام مفترق طرق حاسم: إما الذهاب نحو مراجعة شجاعة تتخلى عن الأيديولوجيا الإقصائية وتنتقل فورًا نحو عقد اجتماعي جامع يكرّس دولة المواطنة والسيادة، وإما الانزلاق المحتوم نحو إعادة إنتاج استبداد إسلاموي وفصائلي جديد يرهن مقدرات البلاد للخارج ويصادر مستقبل الأجيال القادمة.
المصدر: مجلة التحالف.