بث تجريبي

استعمار تكنولوجي

تحول الاستعمار التقليدي المبني على الاحتلال العسكري المباشر والسيطرة على الأراضي والجغرافيا إلى أشكال أشد خطورة ودهاءً.

ولم تعد القوى الكبرى أو الشركات العابرة للحدود بحاجة إلى إرسال جيوش أو إقامة قواعد عسكرية للسيطرة على الشعوب والموارد، بل أصبحت تعتمد على البنية التحتية للبيانات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والشبكات السحابية.

وتواجه الدول النامية والدول العربية معركة معقدة لفرض سيادتها الرقمية، فبينما تسعى لبناء بنيتها التحتية وتوطين التقنية، تصطدم بفجوات هيكلية وعوائق جيوسياسية واقتصادية تعرقل مسارها وتجعلها في حالة تبعية مستمرة للتكتلات والشركات التكنولوجية الكبرى.

أعتقد أن التحديات الاقتصادية والمالية لهذه الدول، والتي تتضمن ارتفاع تكلفة البنية التحتية التكنولوجية لبناء مراكز بيانات وطنية وتشييد شبكات اتصالات حديثة، مثل شبكات 5G والشبكات السحابية المستقلة، وتوفير الطاقة اللازمة لها، تحتاج إلى استثمارات هائلة بالعملة الصعبة، وهو ما تفتقر إليه العديد من الميزانيات الوطنية، فضلًا عن ضعف الإنفاق على البحث والتطوير، حيث تخصص معظم الدول النامية والعربية تمويلًا وميزانيات ضئيلة جدًا من دخلها القومي الإجمالي للبحث العلمي والابتكار مقارنة بالدول المتقدمة، مما يجعل معظم المشاريع التقنية تقتصر على الاستهلاك الشكلي ونقل التكنولوجيا دون توطينها أو ابتكارها.

كما أن احتكار عمالقة التكنولوجيا وسيطرة شركات محدودة جدًا في الولايات المتحدة والصين على أكثر من 80% من البنية التحتية للسحابة الإلكترونية وأنظمة التشغيل ومحركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي الذاتي، تجعل التخلي عنها أو إنتاج بدائل محليًا أمرًا شديد الصعوبة على المدى القريب، ويترتب على ذلك بصفة دائمة ومستمرة الوقوع في التبعية لصناعة الموصلات والرقائق الإلكترونية، التي تُعد العصب الفعلي للتكنولوجيا الحديثة، وتتمركز تقنياتها المعقدة في عدد محدود جدًا من الدول، مما يجعل الدول النامية والعربية عاجزة عن تصنيع أجهزتها وإلكترونياتها بشكل كامل ومستقل.

بلا شك، تواجه المنطقة العربية والدول النامية تحديًا مؤثرًا في مواجهة الاستعمار التكنولوجي، يتمثل في استقطاب المطورين والمهندسين وخبراء الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني من قِبل الشركات العالمية والدول المتقدمة، بفضل البيئات البحثية الجاذبة والرواتب المرتفعة، فضلًا عن أنه ما زالت العديد من المناهج والبرامج الأكاديمية تفتقر إلى المرونة والتحديث المستمر لتواكب الطفرات المتسارعة في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن القومي الرقمي.

وفي الوقت الذي تتطور فيه التكنولوجيا بمعدل أسرع بكثير من قدرة المجالس التشريعية والحكومات على سن قوانين لحماية البيانات الوطنية وتنظيم الأمن السيبراني ومواجهة التلاعب الخوارزمي والتضليل، يتطلب الأمر الإسراع في تحقيق التكتلات والتحالفات الرقمية المشتركة بين الدول العربية والدول النامية، بدلًا من أن تعمل معظم الدول بشكل منفرد، مما يقلل من قدرتها التفاوضية أمام عمالقة التكنولوجيا الدوليين.

كما ينبغي إدراك أن الاعتماد على أنظمة تشغيل وبرمجيات أجنبية يجعل البنى التحتية الحيوية، كالطاقة والمياه والاتصالات والقطاع المالي، عرضة للاختراق والتجسس أو التعطيل في حالات الأزمات والصراعات الجيوسياسية.

والتحدي الأكبر لا يكمن فقط في استيراد أحدث الأجهزة والتطبيقات، بل في الانتقال من العقلية الاستهلاكية للتكنولوجيا إلى إرادة سياسية واقتصادية. وينبغي إدراك أن هذا الاستعمار الحديث لا يقتصر على الحكومات والدول فقط، بل تمتد خطورته إلى الشركات التكنولوجية الاحتكارية العابرة للحدود، التي تعمل كـ«دول داخل الدول» وتفرض أحكامها الخاصة على الفضاء الرقمي العالمي.

ومن أبرز هذه القوى والتكتلات الولايات المتحدة الأمريكية، التي تشكل إمبراطورية «السيليكون» والسحابة، حيث تعتبر واشنطن المركز الأبرز للهيمنة التكنولوجية العالمية، وتعتمد في قوتها على محور عمالقة التكنولوجيا، مثل شركات مايكروسوفت وجوجل وميتا وأمازون. وهذه الشركات تسيطر على أغلبية البنية التحتية السحابية حول العالم ومحركات البحث وأنظمة التشغيل ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل حركة البيانات العالمية تمر عبرها.

وتُعد الصين المنافس الأكبر للولايات المتحدة، وتُطبق نموذجًا يجمع بين السيطرة السيادية الداخلية والتوسع الرقمي الخارجي عن طريق الحرير الرقمي وتمويل وبناء شبكات الجيل الخامس (5G) والكابلات البحرية للإنترنت ومراكز البيانات في إفريقيا وآسيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية، عبر شركات مثل هواوي، بجانب التطبيقات والمنصات الاستهلاكية، حيث نجد انتشار المنصات والتطبيقات الرقمية الصينية الصنع حول العالم واحتكار أجزاء واسعة من تصنيع وتكرير المعادن النادرة والبطاريات اللازمة للتكنولوجيا الحديثة.

ويتنافس معهما الاتحاد الأوروبي كقوة تنظيمية، وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى عمالقة تكنولوجيا ينافسون بها أمريكا أو الصين، فإنه يمارس نوعًا مختلفًا من الهيمنة يُعرف بأثر بروكسل.

إننا بحاجة إلى فرض وسن قوانين صارمة لحماية البيانات وتنظيم التعامل مع الذكاء الاصطناعي والتسويق الرقمي، ومشاركة العالم في الامتثال للتشريعات التي يمكن أن تسنها الأمم المتحدة لإجبار الشركات العالمية على تعديل قوانينها وأنظمتها لتتوافق مع المعايير الدولية، لمجابهة الشركات العابرة للحدود كقوى شبه استعمارية.

 

قد يهمك