بث تجريبي

محمد ربيع الديهي يكتب: من فلاديفوستوك إلى القاهرة

لم تكن مشاركتي في المنتدى الاقتصادي الشرقي الحادي عشر، الذي استضافته مدينة فلاديفوستوك في أقصى شرق روسيا خلال الفترة من 1 إلى 4 سبتمبر 2026، مجرد مشاركة في فعالية اقتصادية دولية، بل كانت فرصة للاطلاع عن قرب على التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، واستكشاف آفاق جديدة للتعاون بين الدول، والتعرف على رؤية روسيا لمستقبل علاقاتها الاقتصادية مع دول آسيا والمحيط الهادئ، في ظل عالم تتغير فيه موازين التجارة والاستثمار وتتزايد فيه أهمية الشراكات الدولية، ويكتسب المنتدي أهمية خاصة نظرًا لعدة اعتبارات، أولها؛ حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس برابوو سوبيانتو - رئيس إندونيسيا، ونيام-أوسورين أوتشيرال - رئيس وزراء منغوليا، ونيو سو- نائب رئيس ميانمار، ودينغ شيويه شيانغ - نائب رئيس مجلس الدولة الصيني الجلسة العامة للمنتدي ؛ بما يعكس المكانة التي تحتلها منطقة الشرق الأقصى الروسي في الاستراتيجية الاقتصادية الروسية ولدي الجوار الجغرافي. ثانيًا؛ شعار المنتدى لهذا العام الذي جاء تحت عنوان "الشرق الأقصى: التنمية من أجل مصلحة الإنسان" هو شعار يعكس توجهًا نحو ربط النمو الاقتصادي بتحسين جودة الحياة، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون الدولي. ثالثًا؛ مشاركة كبار المسؤولين والقادة وممثلي الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والشركات الدولية في فعليات المنتدي والمعارض المصاحبة له، بما يعكس الدور المتنامي الذي تؤديه منطقة آسيا والمحيط الهادئ في الاقتصاد العالمي. رابعًا؛ مكان انعقاد المنتدى في مدينة فلاديفوستوك ذات الموقع الاستراتيجي لمنطقة الشرق الأقصى الروسي، التي تمثل جسرًا جغرافيًا واقتصاديًا بين روسيا والأسواق الآسيوية، وتضم موارد طبيعية واسعة وإمكانات كبيرة في مجالات الطاقة والصناعة والتعدين والزراعة والنقل البحري.

 وانطلاقًا من ذلك فإن أهمية المشاركة في مثل هذه المحافل لا تقتصر على متابعة النقاشات الاقتصادية أو التعرف على المشروعات المطروحة، بل تمتد إلى بناء جسور التواصل، وتبادل الخبرات، وفتح مسارات جديدة للتعاون، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز قدرة الدول على التعامل مع التحديات الاقتصادية الراهنة.

فاستمرارية انعقاد المنتدي على مدار أحد عشر عامًا السابقة جعله إحدى المنصات الدولية التي تسعى روسيا من خلالها إلى تعزيز التنمية الاقتصادية في مناطق الشرق الأقصى؛ إذ اكتسب المنتدى، على مدار دوراته المتعاقبة، أهمية متزايدة باعتباره مساحة للحوار بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والبحثية، حيث تتداخل فيه القضايا الاقتصادية مع الملفات اللوجستية والتكنولوجية والتنموية والثقافية والاجتماعية، بما يتيح مناقشة التحديات المشتركة واستكشاف فرص التعاون بين الدول المشاركة، خلال هذه الفترة أصبح هناك اهتمام بالاستثمار في هذه المنطقة إذ لم يعد مقتصرًا على استغلال مواردها الطبيعية، بل امتد إلى بناء اقتصاد متنوع يعتمد على تطوير البنية التحتية، وتحديث المدن، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتعزيز القدرات التكنولوجية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وجدير بنا الإشارة إلى أن المنتدى خلال دورته الحادية عشر لم يناقش مستقبل منطقة جغرافية فحسب، بل يطرح أيضًا تساؤلات أوسع حول مستقبل التجارة الدولية، وتغير مسارات سلاسل الإمداد، وأهمية تنويع الشراكات الاقتصادية، ودور المناطق الساحلية والموانئ في إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي، وهو ما عكس من خلال برنامجها الذي تناول خمسة مسارات رئيسية، شملت الحياة والعمل في الشرق الأقصى، وآليات جذب الاستثمارات الخاصة، والتعاون الدولي، وتكنولوجيا الحاضر والمستقبل، والخدمات اللوجستية والبنية التحتية للنمو الاقتصادي. وفي ضوء قراءة برنامج المؤتمر في الدورة الحادية عشر سنلاحظ جملة من الملاحظات الهامة التي تفسر الاهتمام الدولي المتزايد به وهي:

أولًا – إدراك القائمين على المنتدى أهمية تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الشرق الأقصى الروسي، من خلال استثمار مواردها الطبيعية وموقعه الجغرافي، وتطوير بنيتها التحتية، وتحفيز إقامة المشروعات الإنتاجية والخدمية، وذلك في سياق الاستراتيجية الروسية لتحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي قادر على جذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وزيادة مساهمتها في الناتج الاقتصادي، مع تحسين ظروف المعيشة للسكان، إذ يعكس شعار المنتدى هذا العام إدراكًا لأهمية ألا يقتصر مفهوم التنمية على معدلات النمو أو حجم الاستثمارات، بل أن يمتد إلى تحسين جودة الحياة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتطوير المدن، وخلق بيئة أكثر جاذبية للسكان والمستثمرين، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

ثانيًا – الوعي بأن جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية هي هدف أساسي للمنتدى؛ ويتضح ذلك من كونه منصة  لعرض المشروعات الكبرى، والتعريف بالحوافز الاستثمارية، وبناء علاقات مباشرة بين المستثمرين والجهات الحكومية المعنية؛ حيث شملت المجالات المطروحة للاستثمار قطاعات النقل والطاقة والصناعة والتعدين والزراعة والتكنولوجيا والسياحة، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والمرافق العامة، فتحويل الفرص الاستثمارية إلى مشروعات فعلية يتطلب توافر بيئة تشريعية واضحة، وآليات تمويل مناسبة، وشراكات طويلة الأجل، فضلاً عن القدرة على إدارة المخاطر المرتبطة بالأسواق الدولية.

ثالثًا -الحرص على توسيع الشراكة والتعاون مع دول آسيا والمحيط الهادئ؛ وهو أحد المحاور الجوهرية للمنتدى، حيث تسعى روسيا إلى توسيع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع شركائها في المنطقة  - آسيا الوسطي والمحيط الهادئ -، وتطوير شبكات النقل والتجارة، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا، وهو ما انعكس في برنامج المنتدي بدورته الحادية عشر، من خلال تنظيم حوارات اقتصادية ثنائية ومتعددة الأطراف، من بينها حوارات روسيا مع الصين والهند ومنغوليا ورابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، بما يعكس تنوع الشراكات التي يسعى المنتدى إلى تطويرها.

رابعًا -تعزيز الابتكار والتحول التكنولوجي؛ إذ تناول المنتدى قضايا التكنولوجيا الحديثة، والتحول الرقمي، وتطوير الحلول الصناعية، واستخدام الابتكار في معالجة تحديات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، وتبرز أهمية هذا المسار بالنسبة للدول المشاركة في المنتدى، التي تسعى إلى توسيع قاعدة اقتصادها الإنتاجي، وتطوير صناعاتها، وتعزيز قدراتها في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي.

خامسًا -توسيع الحوار الدولي وتبادل الخبرات؛ أظهرت المشاركة الدولية الواسعة في المنتدى أهمية الحوار الاقتصادي بين الدول، خاصة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والنقل. وقد جمع المنتدى ممثلين عن الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية، بما أتاح فرصاً لتبادل الرؤى حول التحديات الاقتصادية المشتركة، واستكشاف مجالات التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، وتبرز قيمة هذا الحوار في قدرته على بناء الثقة، وتطوير العلاقات المؤسسية، وتوفير قنوات للتواصل بين الجهات المعنية بالمشروعات الاقتصادية والاستثمارية.

أن رؤية مثل هذه المنتديات الدولية والمشاركة فيها تتيح الفرصة أمام الباحثين والخبراء للاستفادة من مثل تلك التجارب ونقلها إلى بلادهم أو على الأقل التفكير في كيفه تعزيز دور دولهم واستفادتها من تلك المنتديات؟ وهو الأمر الذي دفعني لكتابة تلك السطور السابقة فمصر  ايضًا له تجربة ملهم في مجال المنتديات والمؤتمرات الاقتصادية كما أن التجربة الروسية أيضا ثرية وحافلة ويمكن للبلدين استكمال مسيرة التعاون المشترك والشراكة في مثل تلك المنتديات من خلال توسيع قاعدة الحضور والمشاركة الفاعلة في هذه المنتديات أما عبر تعزيز التعاون التكنولوجي والبحثي وهو جانب مهم اتخذت فيه مصر خطوات مهمة ومازلت تعزز تلك الخطوات ويمكن لروسيا ان تكون طرف في تعزيز هذا المسار أو في تعزيز قاعدة التعاون الاقتصادي في المجالات الأخرى وتسريع وتيرة جذب الاستثمارات في ظل نجاح البرنامج الاقتصادي التي تبنتها مصر خلال العقد الأخير وبما يتماشى مع الرؤية القيادة السياسية في مصر لتعزيز الاقتصاد وجذب الاستثمارات في ضوء ما  تمتلكه مصر من المقومات وفي مقدمتها موقعها الجغرافي الذي يربط بين قارتي أفريقيا وآسيا، وإطلالتها على البحرين المتوسط والأحمر، ومكانة قناة السويس في حركة التجارة العالمية، فضلاً عن قاعدة صناعية وزراعية وسوق استهلاكية واسعة.

ختامًا يمكنني القول بأن مشاركتي في المنتدى الاقتصادي الشرقي الحادي عشر بمدينة فلاديفوستوك، أتاحت فرصة مهمة للتعرف على التحولات الاقتصادية التي يشهدها الشرق الأقصى الروسي، وعلى توجهات روسيا نحو تعزيز التعاون الدولي وتطوير مشروعات التنمية والبنية التحتية والتكنولوجيا، وأكدت لي أهمية المنتديات الاقتصادية الدولية بوصفها منصات لبناء العلاقات، وتبادل الخبرات، واستكشاف الفرص، وتطوير الحوار بين الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص.

ومن هنا، يمكننا القول بأن الدبلوماسية الاقتصادية لم تعد مجرد مسار موازٍ للعلاقات السياسية، بل أصبحت أداة أساسية في بناء الشراكات الدولية، وتوسيع الأسواق، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التنمية المستدامة، فان المنتدى الاقتصادي الشرقي بفلاديفوستوك، يتيح لمصر فرصة للتفكير في آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي، وتؤكد أن بناء المستقبل يبدأ من فهم التحولات العالمية، وتحديد المصالح الوطنية، والعمل على تحويل الفرص المتاحة إلى نتائج ملموسة. فمصر تستطيع أن تجعل من موقعها الاستراتيجي وجسورها الدبلوماسية والاقتصادية نقطة انطلاق نحو شراكات أكثر تنوعاً وفاعلية، بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز حضورها في الاقتصاد العالمي.

قد يهمك