بث تجريبي

صندوق للذكاء الاصطناعي لمواجهة الهيمنة التكنولوجية

الدول العربية والنامية في خطر إذا لم تتصدَّ للهيمنة التكنولوجية الغربية والآسيوية، حيث كشفت الأمم المتحدة في أحدث تقرير لها، الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه للتقنية الرقمية، عن أهمية إنشاء صندوق دولي للذكاء الاصطناعي، قُدّرت بعض مقترحاته الأولية بنحو 3 مليارات دولار لمساعدة الدول النامية على بناء بنيتها التحتية الرقمية وتمكينها من اللحاق بركب الثورة التكنولوجية.

كما تؤكد تقارير البنك الدولي أن الذكاء الاصطناعي يمنح الدول النامية فرصة مضاعفة للتنمية واختصار عقود طويلة من الزمن في غضون سنوات قليلة، شريطة توفير التمويل اللازم لسد الفجوات الأساسية، مثل إمدادات الكهرباء والاتصال بالإنترنت، وبناء المهارات الرقمية. لذلك نحن بحاجة إلى ضرورة الإسراع بالدعوة لطرح المبادرات الإقليمية والخاصة، بحيث تتوجه جهود عالمية عديدة نحو تقديم منح ودعم مالي مباشر للمؤسسات والهيئات في الدول النامية أو المجتمعات المحرومة، لضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بعدل وتجنب تمركزه في أيدي الدول أو الشركات الكبرى فقط.

وتكتسب فكرة إنشاء صناديق الذكاء الاصطناعي، سواء كانت وطنية أو إقليمية أو دولية، أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التحولات الهيكلية التي يقودها الاقتصاد الرقمي.

وتتمحور الأهداف الأساسية لتأسيس صناديق مخصصة لدعم وتمويل الذكاء الاصطناعي حول تمويل البنية التحتية الرقمية وتوفير الموارد المالية الضخمة اللازمة لبناء مراكز البيانات السحابية وتطوير شبكات الاتصالات وتأمين البنية التحتية للطاقة المطلوبة لتشغيل هذه التقنيات، فضلًا عن الاتجاه لدعم الابتكار والشركات الناشئة، ومساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة وحاضنات الأعمال التقنية على تحويل أفكارها إلى منتجات قابلة للتطبيق عبر الاستثمار الجريء ورأس المال المخاطر.

ولا بد من الاهتمام بتمويل برامج التدريب والتأهيل الموجهة للكوادر المحلية والشباب لسد الفجوة في المهارات الرقمية والبرمجية، وتعزيز السيادة التكنولوجية وتمكين الدول من تطوير نماذج ذكاء اصطناعي وطنية سيادية تحافظ على الخصوصية الثقافية واللغوية وتخدم أولويات التنمية المحلية بدلًا من الاعتماد المطلق على التقنيات المستوردة.

لا شك أن الدول العربية والنامية تواجه تحديات مضاعفة تجعل الحاجة لمثل هذه الصناديق مسألة حياة أو موت اقتصادي لضمان تجنب اتساع الفجوة الرقمية العالمية، حيث تشير تقارير المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي تتركز حاليًا في الدول الكبرى والشركات العابرة للقارات، وبدون دعم تمويلي وهيكلي تواجه الدول النامية خطر التهميش الكامل واتساع الفجوة التكنولوجية.

كما يؤكد الخبراء أن الاستثمار السليم في الذكاء الاصطناعي يمنح الاقتصادات النامية فرصة تاريخية لاختصار عقود طويلة من التنمية التقليدية وتحقيق قفزات اقتصادية هائلة في وقت قياسي، خاصة إذا ما توفرت الموارد والتمويل.

كما أن ارتفاع تكلفة البنية التحتية وما تتطلبه تقنيات الذكاء الاصطناعي من استثمارات مالية هائلة تفوق قدرة الموازنات الحكومية التقليدية أو القطاع الخاص المحلي وحده، يحتم وجود صناديق مخصصة لتجميع الموارد وجذب الشراكات الدولية.

ولا يمكن إغفال أن المنطقة العربية تواجه تحديات ديموغرافية وارتفاعًا في معدلات البطالة، وهنا يأتي دور الصناديق في إعادة توجيه التكنولوجيا لخدمة قطاعات حيوية كالتعليم والزراعة والصحة وخلق وظائف مستقبلية تعوض المهن المهددة بالانقراض.

وينبغي إدراك أن صندوق الذكاء الاصطناعي سيحدد مصائر الدول اقتصاديًا خلال الفترة المستقبلية المقبلة، حيث تمثل الهيمنة التكنولوجية للدول المتقدمة وكبرى الشركات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي تحديًا هيكليًا وتهديدًا مباشرًا للدول النامية والعربية، خاصة إذا ما تمت إدارة هذه الهيمنة بمعزل عن سياسات وقائية واستراتيجيات وطنية فاعلة.

ويتجسد هذا التهديد وتلك المخاطر عبر الاستعمار الرقمي واتساع الهوة الاقتصادية والتبعية التكنولوجية المطلقة، نظرًا لأن الدول النامية تعتمد بشكل كامل على تقنيات وخوارزميات مستوردة من عمالقة التكنولوجيا في الغرب وآسيا، وهذا يعني أن القيمة المضافة الحقيقية والأرباح الهائلة تذهب للدول المنتجة للتقنية، بينما تظل الدول النامية مجرد مستهلك نهائي يدفع الفاتورة دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، فضلًا عن استنزاف الموارد والعملات الصعبة لشراء وتحديث البنية التحتية وحقوق استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مما يكلف خزائن الدول النامية مبالغ طائلة، ويزيد الضغط على العملات المحلية ويحول الموارد بعيدًا عن قطاعات الصحة والتعليم التقليدي.

ولا تقتصر التحديات على هذا الأمر، بل تمتد لتشمل التهديد الوجودي لأسواق العمل والبطالة وفقدان الميزة التنافسية للأجور الرخيصة لقرون طويلة، حيث اعتمدت الدول النامية على توفير عمالة بشرية رخيصة لجذب الاستثمارات، مثل قطاعات خدمات العملاء والتعهيد والصناعات التحويلية البسيطة، والذكاء الاصطناعي والأتمتة المتقدمة في الدول المتقدمة يهددان بسحب هذه الميزة تمامًا، مما يرفع معدلات البطالة ويقضي على مصادر دخل ملايين الشباب، بجانب هجرة الكفاءات الذكية من الأدمغة الرقمية، والتي تستقطبها الشركات الكبرى في الدول المتقدمة، لأبرز العقول والكوادر البرمجية من الدول النامية، مما يترك الأسواق العربية والنامية فقيرة بالخبرات البشرية اللازمة لقيادة التحول الرقمي محليًا.

كما تشمل التهديدات والتحديات التحيز الثقافي واللغوي، وفقدان نماذج ذكاء اصطناعي غير محايدة، إذ تُدرَّب معظم خوارزميات الذكاء الاصطناعي العالمية على بيئات وثقافات وقيم غربية أو آسيوية محددة، وعندما تُستخدم هذه النماذج في الدول العربية فإنها غالبًا ما تنتج محتوى متحيزًا وتهمش اللهجات واللغة العربية الفصحى، أو تعكس سياقات ثقافية قد تتعارض مع الخصوصية المجتمعية، بالإضافة إلى أن السيطرة على تدفق المعلومات والتحكم في مخرجات وخوارزميات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي يعني توجيه الوعي العام وصياغة الرأي العام وإعادة تشكيل المفاهيم الثقافية للأجيال القادمة بما يخدم مصالح الدول المالكة لهذه التقنيات.

أتصور أنه عندما تكون البنية الأساسية للبيانات الحساسة الحكومية والصحية والمالية مُدارة عبر تقنيات وسحب رقمية أجنبية، تصبح الدول النامية مكشوفة استخباراتيًا ومعرضة لهيمنة جيوسياسية قد تُستخدم فيها التكنولوجيا كأداة ضغط.

ولمواجهة هذا الواقع، لا بد من التحول من موقف المتلقي المهدد إلى الفاعل المستعد عبر سياسات عملية تشمل بناء نماذج سيادية، والاستثمار في تطوير نماذج لغوية وتقنية وطنية تحمي الخصوصية وتتحدث باللغة والثقافة العربية، مثل المبادرات الرامية لإنشاء نماذج ذكاء اصطناعي عربية خالصة، وعقد شراكات مشروطة مع كبرى الشركات العالمية تضمن نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا بدلًا من الاكتفاء ببيع المنتجات الجاهزة في أسواقنا، بالإضافة إلى إعادة هندسة المناهج الدراسية لترتكز على التفكير النقدي والبرمجة والابتكار لإعداد جيل قادر على إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها فقط.

قد يهمك