مستقبل الحرب على إيران، ومصير الدعم العسكري لأوكرانيا، إلى العلاقات مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، تقف ملفات دولية شديدة الحساسية أمام اختبار انتخابي قد يعيد رسم بعض ملامح السياسة العالمية مع بداية عام 2027.
فبين انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، والانتخابات البرلمانية الإسرائيلية والإسبانية في أواخر عام 2026، والانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027، تتباين الرهانات بين استمرار السياسات القائمة واحتمالات التحول في مواقف القوى الدولية تجاه الحروب والتحالفات والإنفاق العسكري.
لكن تأثير صناديق الاقتراع لن يكون واحدًا في كل دولة؛ فبينما يستطيع الكونجرس الأمريكي التأثير في التمويل والرقابة على السياسة الخارجية، قد يؤدي تغيير القيادة الفرنسية إلى مراجعة توجهات باريس الأوروبية والدولية، في حين ستظل مواقف الحكومة الإسرائيلية المقبلة مرتبطة بتركيبة الائتلاف الحاكم وتوازنات القوى الداخلية.
تنطلق الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي في 3 نوفمبر المقبل، التي إذا فاز الديمقراطيون بها، فستتغير ملامح السياسة الدولية الأمريكية، فقد تكون سببًا في إبطاء الوتيرة الأمريكية في الحرب على إيران، ووفقًا لتحليل رويترز، فالديمقراطيون يقفون ضد حرب ترامب على إيران وإذا لم يتمكن ترامب من الحصول على أغلبية برلمانية بمواصلة الحرب، فسيتم عرقلة مساعيه في الهجوم على طهران الأمر الذي قد يترتب عليه وقف الحرب كلية.
في حال سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، فبإمكانهم خفض الإنفاق الدفاعي للضغط على ترامب للحصول على موافقة الكونجرس على مواصلة الحرب. كما يمكنهم أيضاً إلزام مسؤولي الإدارة بالإدلاء بشهادتهم علناً حول خططهم، بحسب رويترز.
أما الثانية فهي عودة الدعم الأمريكي لأوكرانيا الذي توقف بشكل كبير جدًا على يد ترامب الذي أوقف أرقام كبيرة من المساعدات الأمريكية لأوكرانيا. الثالثة هي وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، حيث يرغب الديمقراطيون في وقف تصدير الأسلحة لإسرائيل وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل لممارستها الإبادة الجماعية في غزة.
بإمكان الديمقراطيين الحد من المساعدات العسكرية لإسرائيل أو إنهائها، والتي بلغت 3.8 مليار دولار في السنة المالية الأخيرة. وهذا المبلغ يفوق ما قُدِّم لأي دولة أخرى، صوّت ما يقرب من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب هذا الصيف على قطع المساعدات عن إسرائيل.
تبدأ في 2027 انتخابات الرئاسة الفرنسية، ومن المقرر أن يغادر إيمانويل ماكرون الحكم، ليبدأ عهد جديد بفرنسا، والمرشح الأقوى الآن للفوز بالانتخابات هي مارين لوبان المرشحة اليمينية زعيمة حزب التجمع الوطني الذي يسعى لأن يكون لدى فرنسا سياسة دولية مختلفة تمامًا عن تلك التي مارسها ماكرون خلال فترتيه الرئاسيتين.
وفي حال تمكن لوبان من الوصول إلى الإليزيه، فسنشهد تغييرًا شاملًا في العلاقة الفرنسية تجاه أوروبا، فمارين لوبان رغم أنها أعلنت تخليها عن المناداة بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي "فريكسيت" على خطى البريكسيت البريطاني، إلا أنها تسعى إليه بشكل خفي من خلال إنشاء "تحالف أوروبي للدول" يحل تدريجيا محل الاتحاد الأوروبي.
وبحسب "لوباريزيان" تخطط لوبان لتنفيذ هذا المشروع مع الزعماء غير الليبراليين في الاتحاد الأوروبي مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ونائب رئيس الوزراء البولندي ياروسلاف كاتشينسكي، فضلًا عن مغادرة فرنسا لحلف شمال الأطلسي الناتو، بعد تعهدها مرارًا وتكرارًا بمغادرة الحلف حال انتخابها رئيسة للبلاد.
يأتي هذا التوجه من خلال دعم لوبان لسياسات ترامب وبوتين، حيث ترغب المرشحة اليمينية بتوثيق العلاقات الفرنسية بالجانب الروسي والأمريكي أكثر مما هي عليه، وهي المسألة التي يصفها المعارضون للوبان، وفقًا لصحيفتي "لو موند" و"لوباريزيان"، بأنها تهديد واضح للمصالح الأوروبية وموقع فرنسا من أوروبا ومصالحها الاستراتيجية بشكل عام.
كما تنتقد كل الأحزاب المعارضة مشروع لوبان بوصفه نواة صلبة لإنشاء ولايات متحدة بسياسات ترامب في أوروبا، والعودة للعصور التي عانت فيها فرنسا الأمرين عندما صعد اليمين للحكم.
أما عن القضية الفلسطينية، التي حققت فيها باريس تقدم واسع المدى خلال حكم ماكرون آخرها كان الاعتراف بدولة فلسطينية، والمشاركة في توقيع عقوبات على المستوطنين، تقف لوبان ضد هذه القرارات وانتقدت ماكرون بشكل واضح عندما انتقد الإبادة الإسرائيلية في غزة وتحدث عن معاناة الفلسطينيين في غزة.
وفقًا لتحليل "أسوشيتدبرس"، قد تمثل الانتخابات الإسرائيلية نهاية المسيرة السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي استمرت عقودا، ولكن إرثه في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وهو التوسع الاستيطاني الهائل، وتشريد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتمكين المتطرفين المستوطنين المسلحين، من المرجح أن يستمر، حتى لو سعى معارضوه إلى كبح جماحه.
وينقسم الإسرائيليون بشدة حول قيادة نتنياهو وشخصيته الأخلاقية، لكنهم يؤيدون إلى حد كبير التوسع الاستيطاني ويعارضون إقامة دولة فلسطينية. وبينما تعهد معارضو نتنياهو باتخاذ إجراءات صارمة ضد عنف المستوطنين وإزالة البؤر الاستيطانية الأكثر إثارة للجدل، فإنهم يعارضون في الأغلب حل الدولتين، الذي يُنظر إليه على المستوى الدولي باعتباره السبيل الواقعي الوحيد لحل الصراع، ويرى محللو الوكالة الأمريكية، أنه لا ينبغي أن تكون هناك أي أوهام، فإنه من إرث حكم نتنياهو المتواصل تقريبًا الذي دام 17 عامًا، الأطول بين جميع الزعماء الإسرائيليين، هو أن مجموعات كبيرة من المستوطنين المسلحين تحت حماية الجيش الإسرائيلي بشكل روتيني وهم يجوبون المجتمعات الفلسطينية، ويطردون الناس من منازلهم ويستولون على مساحات أكبر من أراضيهم.
علّق بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا اليساري على فوز لولا دا سيلفا رئيسًا للبرازيل لفترة رابعة، مشيرًا إلى أن الشعب الإسباني سيفعل المسألة نفسها وسينصر الرغبة الشعبية على أي شيء، في إشارة إلى الانتخابات المبكرة التي قررها سانشيز على خلفية خروج أعداد كبيرة من الشعب الإسباني في الشوارع للتظاهر حول قانون السكن وأسعاره.
إلا أنه وفقًا للاستطلاعات الأخيرة، فلا يحظى اليمين الإسباني بتأييد شعبي كبير، بل إن التحالفات التي يقوم بها لا تتمكن من حشد تأييد شعبي أكبر من اليسار.
لكن إذا تمكن اليمين في هزيمة سانشيز واليسار في الانتخابات المقبلة، فستتغير السياسة الإسبانية التي ظهرت جلية في دعمها للقضية الفلسطينية من خلال العديد من القرارات الواضحة الشجاعة، مثل الاعتراف بدولة فلسطينية ووقف التعاون التجاري لأي منتجات قادمة من مستوطنات إسرائيلية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والانتقادات العلنية لنتنياهو والاحتلال الإسرائيلي، وهي المسائل التي يقف ضدها اليمين الإسباني وينتقدها ويرغب في إعادة اتفاقات تصدير السلاح لإسرائيل وإيقاف الحظر على التصدير. فضلًا عن توافق تام من أحزاب اليمين مع ترامب وسياساته المختلفة، وهو ما يقع على النقيض من اتجاهات سانشيز الذي عُرف بسجالاته مع ترامب بعدما رفض أوامره باستخدام القواعد الإسبانية في حرب الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، وهو ما أشعل فتيل الصراع بين الزعيمين.
يأتي ذلك إلى جانب سياسات الهجرة المعروفة لدى اليمين بشكل عام الذي يسعى إلى إخراج المهاجرين من البلاد.