دعا الرئيس المشترك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب في تركيا، تونجر بكرخان إلى تشكيل "هيئة السلام والتحول إلى العمل السياسي" بالتنسيق مع الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، معتبراً أن دوره أساسي في تسريع عملية السلام، ومشدداً على ضرورة اتخاذ السلطات التركية خطوات متبادلة لترسيخ الثقة.
ولفت إلى أنه في إطار "عملية السلام والمجتمع الديمقراطي"، التي دخلت مرحلة جديدة، أعلنت حركة التحرر قرار حلّ نفسها، وأحرقت أسلحتها، وبدأ مسلحو الحزب الانسحاب من تركيا وإخلاء بعض ملاجئه في شمال العراق، وفي المقابل، أثار تأخر الدولة التركية في اتخاذ خطوات سياسية وقانونية تساؤلات بشأن مستقبل العملية ومآلاتها.
ضرورة بناء الثقة
وتحدث بكرخان، في تصريحات له، مؤكداً ضرورة بناء الثقة من أجل المضي قدماً في العملية، وداعياً السلطات إلى اتخاذ خطوات ملموسة.
وأوضح أن بناء الثقة ورسم ملامح المستقبل في إطار "عملية السلام والمجتمع الديمقراطي" يتطلبان اتخاذ خطوات متبادلة، وقال: "منذ دعوة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وصولاً إلى بيان إدارة الحركة الصادر في 8 تشرين الأول، اتُّخذت خطوات مهمة للغاية منذ بداية العملية، وفي مقابل هذه الخطوات، شُكّلت لجنة برلمانية، وتوجّه وفد من البرلمان إلى إمرالي".
واستدرك بالقول: "لكن هناك حالة من الجمود فيما يتعلق باتخاذ خطوات من شأنها منح العملية ضمانات قانونية، وتهيئة الظروف اللازمة للسيد عبدالله أوجلان للتواصل والعمل بحرية".
جمود وحجج مختلفة
ويُبرَّر هذا الجمود باستمرار بحجج مختلفة، لذلك، لفتنا انتباه الرأي العام إلى هذه المسألة، من أجل انتقاد حالة الجمود والمطالبة بتحمّل المسؤوليات، يجب على السلطات أن ترد على الخطوة بخطوة مقابلة، وأن تستمر العملية وفق نهج تدريجي، أي من خلال خطوات متتابعة".
وردًا على سؤال بشأن موعد صدور "تقرير التحقق والتثبيت"، قال تونجر بكرخان: "برأيي، لم يعد هناك ما يستدعي الانتظار بشأن هذا التقرير، انظروا، لقد اتخذت إدارة الحركة خطوات مهمة؛ ففي البداية أُحرقت الأسلحة، ثم صدر قرار حلّ هيكلية الحزب، والآن يجري إخلاء قواعدها الرئيسية في متينا ومناطق استراتيجية أخرى، كما سحبت قواتها من تركيا".
وأضاف: "يجب ألّا يقلل أحد من أهمية هذه الخطوة، فعندما تتخلى حركة مسلحة بإرادتها عن مواقعها الدفاعية، فإنها تقول بذلك: نحن متمسكون بقرارنا، ولا عودة عنه".
وشدد السياسي البارز على أن "الوقت قد حان الآن لدور السلطات، يجب نشر تقرير التحقق والتثبيت دون تأخير، وعلى مجلس الأمن القومي اتخاذ قراره، والبدء بتنفيذ الخطوات المنصوص عليها في القانون الإطاري".
وشدد على أنه إذا اتخذ أحد الطرفين خطوة، بينما بقي الطرف الآخر منتظراً، فإن ذلك سيقوّض الثقة، والثقة هي أكثر ما تحتاج إليه هذه العملية.
أوجلان قادر على تسريع العملية
وحول دور الزعيم الكردي أوجلان، قال بكرخان: "أود التأكيد على نقطة مهمة بشكل خاص: إن الشخص القادر على تسريع هذه العملية وإيصالها إلى النتيجة هو السيد عبدالله أوجلان، وأنا لا أقول ذلك من باب التمني، بل استناداً إلى الوقائع التي حدثت حتى الآن؛ فقد جرى تجاوز كل مرحلة مفصلية من خلال دعوة منه".
وأضاف: "لذلك، ينبغي تشكيل هيئة السلام والسياسة فوراً، بالتنسيق مع السيد عبدالله أوجلان، ولا يوجد، من حيث المبدأ، شرط يربط تشكيل هذه الهيئة مسبقاً بتقرير التحقق والتثبيت أو بالتشريع القانوني".
وتاعب: "يجب تشكيل الهيئة وعقد اجتماع مع عبدالله أوجلان، وعندها، ستتقدم عملية التحقق والتثبيت التي تتحدثون عنها بوتيرة أسرع وبقوة أكبر".
القانون الإطاري لعملية السلام
وأكد الرئيس المشترك لحزب المساواة وديمقراطية الشعوب بتركيا ضرورة تطبيق القانون الإطاري لضمان استمرار العملية وعدم التراجع عنها، مضيفاً: "عندما تُشكَّل الهيئات المنصوص عليها في القانون وتبدأ عملها، سيكون لذلك أهمية كبيرة في تجاوز المرحلة المفصلية، ويجب تعزيز القانون الإطاري بتشريعات تتعلق بالحريات والتحول الديمقراطي، بما يضمن استدامة السلام.
وشدد على أن الضمانة القانونية هي الأساس الذي لا رجعة عنه للسياسة الديمقراطية، ولكي يتمكن الكرد وجميع المواطنين في تركيا من ممارسة السياسة الديمقراطية بحرية وعلى قدم المساواة، لا بد من إرساء أساس قانوني لذلك.
ونوه إلى أنه "كما هو معروف، فإن بنية الحكم في تركيا، تاريخياً، تضع عراقيل أمام ممارسة السياسة الديمقراطية، وقد ابتعدت منذ عام 2015 بدرجة كبيرة عن توفير الضمانات القانونية".
وأضاف: "يجب تغيير هذا المسار الذي استمر طويلاً، ولهذا، ندعو إلى مرحلة جديدة تقوم على مفهوم الجمهورية الديمقراطية، فإذا وُضعت نهاية للأخطاء التي ارتُكبت على مدى مئة عام من عمر الجمهورية، وعولجت أوجه القصور فيها، وعُزّز جانبها الديمقراطي، فإن ذلك سيسهم في استدامة السلام".
العراق وسوريا
وفيما يتعلق بانسحاب الوحدات العسكرية التابعة للدولة التركية من العراق وسوريا، قال بكرخان: "في ظل الوضع الراهن، لا توجد حتى الآن سياسة تحدد إطاراً زمنياً واضحاً لهذه الخطوة، لكن ينبغي أن يحدث الانسحاب، لأنه نتيجة طبيعية للعملية".
وأضاف: "إذا نُظر إلى السلام باعتباره مسألة داخلية تركية فقط، فسيكون ذلك غير كافٍ؛ فنحن لم ننظر إليه يوماً بهذه الطريقة".
وتابع بالقول: "لقد دار جزء كبير من الحرب التي استمرت أكثر من أربعين عاماً على الحدود التركية العراقية، والحدود بأكملها مليئة بالقواعد العسكرية والمخافر، وفي إقليم كردستان، أُخليت قرى، ولم يعد السكان قادرين على الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم الجبلية".
ونوه كذلك إلى أنه "منذ البداية، جرى تقديم وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) ذريعةً لاستمرار الوجود العسكري في العراق، أما الآن، فقد تُرك السلاح، وصدر قرار حلّ الحزب، وبدأ إخلاء المعسكرات، وإذا زالت الذريعة، فلن يبقى أي مبرر للوجود العسكري هناك".
وأكد بكرخان في الوقت نفسه: "يصبّ ذلك في مصلحة تركيا، فالانسحاب العسكري ليس تنازلاً، بل سيتيح إقامة علاقات مع بغداد وهولير والكرد على أساس التعاون والتجارة والطاقة والتنمية المشتركة، بدلاً من حصرها في المسائل الأمنية".
وتابع: "ونقول الأمر نفسه بشأن سوريا؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه الكرد هناك عن صيغة للتعايش مع دمشق، ينبغي لتركيا أن تعطي الأولوية للدبلوماسية والسياسة، لا للعمل العسكري".
واختتم حديثه بالقول: "يجب ألّا يبقى السلام محصوراً في هذا الجانب من الحدود، بل ينبغي أن يمتد تأثيره إلى الجانب الآخر أيضاً".