رغم الدور المحوري الذي تؤديه المرأة العربية في مواجهة الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لا تزال مشاركتها في صناعة القرار السياسي محدودة، في مفارقة تكشف الفجوة بين إسهاماتها في حماية المجتمعات وفرصها في المشاركة في رسم مستقبلها.
وتتحمل النساء مسؤوليات متزايدة خلال الأزمات، تشمل إعالة الأسر وتنظيم المبادرات المجتمعية وتوفير المساعدات للمتضررين، لكن هذه الأدوار لا تنعكس بالضرورة على حجم مشاركتهن السياسية خلال مراحل التعافي وإعادة بناء المؤسسات.
وفي هذا السياق، تناولت الكاتبة نسرين معتوق التناقض بين دور المرأة العربية في تعزيز صمود المجتمعات خلال الأزمات، والتحديات التي تواجهها في الوصول إلى مراكز صنع القرار، محذرة من استمرار تهميش حقوقها ومساهماتها عند الانتقال إلى مرحلة الاستقرار.
المرأة في مقدمة المواجهة
وأوضحت معتوق أن الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية فرضت واقعًا معقدًا على المجتمعات، في ظل الأزمات الاقتصادية والمواجهات المسلحة وتراجع الخدمات الحكومية وشبكات الأمان الاجتماعي، ما دفع النساء إلى تحمل مسؤوليات إضافية للحفاظ على استقرار الأسرة والمجتمع.
وأشارت إلى أن دور المرأة لم يقتصر على حماية أسرتها ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة، بل امتد إلى تنظيم شبكات التضامن المجتمعي، وتوفير المساعدات للأسر المتضررة، وإطلاق مبادرات تعليمية وصحية بديلة في المناطق التي تراجعت فيها قدرة المؤسسات الرسمية على تلبية الاحتياجات الأساسية.
وأضافت أن غياب المعيل التقليدي بسبب الحروب والنزوح والبطالة دفع نساء كثيرات إلى تحمل مسؤولية إعالة أسرهن، بالتوازي مع استمرار أعباء الرعاية المنزلية، وهو ما أظهر قدرتهن على إدارة شؤون الأسرة والحفاظ على تماسكها في ظروف استثنائية.
ولفتت الكاتبة إلى دور النساء في الحفاظ على الهوية وتعزيز السلم الأهلي داخل المجتمعات المتضررة من النزاعات، من خلال ترسيخ قيم التماسك والتعايش لدى الأجيال الجديدة، والحد من مخاطر انخراط الشباب والأطفال في دوائر العنف والكراهية.
تراجع المشاركة السياسية بعد الأزمات
وفي المقابل، أشارت معتوق إلى أن تراجع حدة الاضطرابات في بعض المجتمعات لا يصاحبه بالضرورة تعزيز لمشاركة المرأة في الحياة السياسية، إذ تواجه القيادات النسائية تحديات تتعلق بالتمثيل في الهيئات المعنية بصياغة الدساتير وتحديد شكل الحكم المستقبلي.
وأوضحت أن مشاركة المرأة في هذه المؤسسات قد تظل محدودة أو مرتبطة بنظام الحصص المخصصة للنساء، دون أن تعكس حجم إسهاماتها في مواجهة الأزمات وإدارة تداعياتها على المستوى المجتمعي.
وأضافت أن بعض الهياكل السياسية تتعامل مع قضايا تمكين المرأة وحقوقها باعتبارها ملفات يمكن تأجيلها إلى حين تحقيق الاستقرار الأمني والتوافق السياسي، ما يؤدي إلى الاستفادة من جهود النساء خلال الأزمات، مع تقليص فرص مشاركتهن في صياغة الحلول والسياسات المستقبلية.
كما انتقدت ما وصفته بالمشاركة السياسية الشكلية للمرأة، التي تقتصر على منحها مقاعد أو مناصب دون توفير صلاحيات فعلية للتأثير في عملية صنع القرار، معتبرة أن هذا النمط لا يحقق تغييرًا ملموسًا في السياسات العامة.
العدالة في التمثيل طريق التعافي المستدام
وأكدت معتوق أن الفجوة بين الدور الذي تؤديه المرأة في مواجهة الأزمات وحضورها في المؤسسات السياسية تعكس تناقضًا في التعامل مع مساهماتها وحقوقها، إذ تتحمل مسؤوليات كبيرة في حماية المجتمع، بينما تواجه تحديات في المشاركة في رسم مستقبله.
وشددت على أن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب تجاوز النظر إلى المرأة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في امتصاص تداعيات الأزمات فقط، والعمل على ضمان مشاركتها الفعلية في صناعة القرار السياسي ووضع السياسات العامة.
واختتمت الكاتبة بالتأكيد أن ترجمة إسهامات المرأة في الصمود المجتمعي إلى مشاركة سياسية مؤثرة تمثل خطوة ضرورية لتحقيق العدالة في التمثيل، ودعم بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وقدرة على التعافي.
المصدر: موقع مركز جنولوجيا للفكر والدراسات والاستشارات