شكل الجبل في المخيال الكردي مساحة لإعادة لضم كل فتات بل وكل شتات الطيف الكردي. الجبل هنا ليس فقط إيقاعا جغرافيا أو محمولا مكانيا، بل هو أعمق بكثير؛ محمول شعوري ذات جمعية وإرث مشترك بين أغلب الكرد، طبقات من الميثولوجيا تمت بناءها عبر مئات السنين، أنطولوجيا وحنين ملتصق بوجدان الذهنية الجماعية التي اعتاشت عليه في حياتها العادية. حقيقة، إن الكرد—الشعب الأكبر عدداً في العالم من دون دولة—لم يعيشوا طوال تاريخهم الحديث هذا الغياب بوصفه فراغاً في الهوية أو انقطاعاً في الانتماء، بل أنتجوا في قلب هذا الغياب بالذات مخيالاً مشتركاً ومطالبةً بالأرض لا تقلّ إلحاحاً عن تلك التي تُنتجها الدول. ومن كلّ ما صنعه هذا المخيال من رموز وعلامات وروابط، يبرز الجبل بوصفه المفردة الأكثر حضوراً وأعمق تجذّراً وأشدّ تكراراً: في الشعر منذ ملاي جزيري وأحمد خاني، وفي الأغنية من الدنبِج إلى الكاسيت المُهرَّب عبر الحدود، وفي الخطاب السياسي من الملا مصطفى البارزاني حتى عبدالله أوجلان، وفي الكتابة الاعترافية من رحلات الهروب إلى نثر المنفى، وصولاً إلى الاستخدام الرمزي الذي يُمارسه الشباب الكردي المنتشر عبر الدول الأربع حين يُطرّز صور الجبال الكردية في فضاءاته الرقمية بوصفها "لغة بصرية مشتركة" تتخطى انقسامات اللهجات وتنافر الأبجديات وتناقض الأنظمة السياسية التي يعيشون تحت سلطتها في آنٍ واحد.
لطالما شكلت الجبال مصدراً عميقاً للإلهام الطبيعي والثقافي والروحي. ويتردد صداها عبر التاريخ، والفن، والأدب، والتقاليد الدينية، لتجسد الجبال خزاناً غنياً من المعاني المادية والرمزية التي تترك أثرها عبر ثقافات ومجتمعات متنوعة. ومع ذلك، فإن التصورات حول الجبال ليست عالمية بأي حال من الأحوال، بل هي مشروطة بالظروف التاريخية، وبالتالي فهي خاصة بأنواع مختلفة من الشعوب، والأماكن، والممارسات، والظروف السياسية. غالباً ما يُنظر إلى الجبال على أنها رموز للدوام والقوة، لتقف في تناقض صارخ مع الطبيعة المتقلبة وغير المتوقعة للعصر الذي نعيش فيه. وباعتبارها أرشيفات حية للذاكرة والأسطورة والصمود، تكشف المناظر الطبيعية الجبلية عن عالم قصصي هجين ومعقد، تتشابك فيه ديناميكياً العناصر البشرية وغير البشرية، المادية واللامادية، فضلاً عن المقدس والمدنس. وفي الوقت ذاته، تُعد الجبال أيضاً مساحات متنازعاً عليها ورموزاً لهياكل أكبر من السلطة والهيمنة، مما يجسد الصراعات المعاصرة لحماية المناظر الطبيعية والتراث الثقافي المرتبط بها. وبفضل جاذبيتها الخالدة وحضورها الشامخ، طالما شكلت الجبال مصدراً عميقاً للإلهام الطبيعي والثقافي والروحي. وعبر التاريخ والفن والأدب والتقاليد الدينية، تجسد الجبال خزاناً غنياً من المعاني المادية والرمزية التي يتردد صداها عبر ثقافات ومجتمعات متنوعة. ومع ذلك، فإن تصورات الجبال ليست عالمية بأي حال من الأحوال، بل هي مشروطة بظروف تاريخية، وبالتالي فهي محددة بأنواع مختلفة من الناس والأماكن والممارسات والظروف السياسية. وبناءً على ذلك، وكما لا يمكننا التحدث عن أنثروبوسين موحد، لا يمكننا مقاربة السير الثقافية للجبال بمعزل عن موقعها الطبيعي ومنطلقاتها السياقية لصنع المعنى. تتقاطع دراسة الحالة الكردية لدينا مع الأنثروبوسين بطرق تسلط الضوء على تحديات الإبادة البيئية والمكانية والمعرفية، وتقدم رؤى حول كيفية إدراك التنوع البيولوجي-الثقافي والتعبير عنه وتهديده داخل هذا السياق الأصلي. يُقدر عدد السكان الكرد اليوم بحوالي 40 مليون نسمة، يقيم معظمهم في المنطقة الكردية. بالإضافة إلى ذلك، ظهر شتات كردي كبير في جميع أنحاء العالم، حيث فر العديد من الكرد من أوطانهم بسبب القمع السياسي والثقافي، والنزاعات المسلحة، والاضطهاد العرقي والديني، فضلاً عن التدهور البيئي وتجريدهم من أراضيهم (المعهد الكردي في باريس. فالجبال ليست مجرد مشهد طبيعي مادي، بل هي مكون حيوي من الرواية الكردية، وتجسد الصمود والتراث الثقافي والنضال المستمر من أجل الاعتراف والاستقلال المادي والمعنوي.
يُعتبر الكرد من السكان الأصليين للمنطقة الجبلية في كردستان ("أرض الكرد")، وهي مساحة شاسعة تمتد عبر حدود تركيا وإيران والعراق وسوريا الحالية. وغالباً ما يوصف الشعب الكردي بأنه أكبر مجموعة عرقية بلا دولة في العالم، ويتمتع بهوية ثقافية وتاريخية مميزة. وعلى مدى آلاف السنين، طوّروا ارتباطاً استثنائياً عميقاً ومتعدد الأوجه بالجغرافيا الجبلية. استوطنت القبائل الكردية هذه المرتفعات، القابعة بين الوديان الخصبة والقمم الوعرة لسلسلة جبال طوروس-زاغروس، منذ زمن سحيق، وأُطلق عليهم اسم "كورتي" (kurtî)، أو "شعب الجبل". تمثل كردستان مشهداً طبيعياً من السكنى المستمرة، يربط بسلاسة آثاراً من "مهد الحضارة" القديم بالاضطرابات الجيوسياسية الحالية في الشرق الأوسط. وتكشف الحفريات في الكهوف الجبلية عن مستوطنات بشرية تعود إلى 40,000 - 60,000 قبل الميلاد، مما يعكس الروابط القديمة و"المشاعر العميقة للارتباط بالطبيعة" في التاريخ البيولوجي-الثقافي للكرد. وعلى مدى هذه الفترة الزمنية الطويلة، طوّر الكرد، كغيرهم من المجتمعات المحلية والمجتمعات المرتبطة بالمكان، معرفة متعمقة للتكيف مع نظمهم الإيكولوجية الطبيعية والتعايش معها. وتقليدياً، اعتمدت سبل العيش الكردية على الزراعة، والتداوي بالأعشاب، والرعي شبه البدوي، مما عزز ارتباطاً وثيقاً بالأرض ومواردها الطبيعية. وفي حين تظل المعرفة البيئية التقليدية جانباً حيوياً من التراث الأصلي الكردي، فإن التحضر والحياة الحديثة قد أبعدا الكثيرين بشكل متزايد عن الوجود القائم على الجبل. وعلاوة على ذلك، أدت الهجرة المدفوعة بالحروب والصراعات إلى قطع ارتباط عدد لا يحصى من الأفراد بجذورهم العميقة في الأرض، مما أدى إلى تآكل المعارف التقليدية وأنماط الحياة المرتبطة بالجبال.
ومع ذلك، لا تزال الجبال تلعب دوراً مهماً في تشكيل الأفكار والممارسات الثقافية التي يتم التعبير عنها ونقلها من خلال اللغة اليومية، والدين، والتقاليد. تستكشف فيرونيكا ديلا دورا (2016) هذه الروابط الحميمة باستفاضة في كتابها الآسر "الجبل: الطبيعة والثقافة"، مبرزةً التأثير العميق للجبال على الخيال البشري والوعي البيئي عبر العصور. وتروي ديلا دورا كيف صُورت الجبال في الشعر والأدب كرموز قوية لـ "السمو والجلال" (the sublime) – وهو مفهوم يثير الرهبة، والرعب، والدهشة في مواجهة قوة الطبيعة الهائلة وغير المروضة. في التجربة الكردية، تتشابك هذه المشاعر بعمق مع أهمية الجبال كرموز للمقاومة، والهوية، والبقاء الثقافي. يجادل تيلّي (2021) بأن الجبال تمثل أماكن "تجمع التواريخ، والشعوب، والأحداث، والارتباطات، والكوزمولوجيات (نظريات الكون)، والطقوس، والأرواح، والأساطير، والقصص" . وباعتبارها أماكن للتجمع، تحتل الجبال موقعاً محورياً في الهوية الكردية، خاصة عندما نفهم الهوية على أنها "علاقات مكثفة ذهنية ومادية في آن واحد"، تربط بشكل ديناميكي بين الناس والأماكن والأشياء في "شبكة من الدلالات" (. ولكن، وضمن السردية المتكشفة للهوية الكردية، فإن الديناميكيات الاجتماعية والسياسية للتهميش، والقمع، والتهجير قد أضفت على صورة الجبل نوعاً من الغموض. ولا ينفصل ذلك عن "شاعرية السكن" ، حيث ترمز الجبال إلى إرث تاريخي من الحب والارتباط بأراضي الأجداد، في حين نسجت طبقات من الألم والمعاناة، إلى جانب الأمل والخلاص، نسيجاً معقداً من النضالات السياسية. ومن ثم، وباعتبارها مواقع للفخر الثقافي والتنازع الإقليمي معاً، تمثل الجبال في الوعي الكردي شبكة هجينة من المعاني، غالباً ما يكتنفها هالة من التناقض الوجداني. ومع ذلك، فإن الارتباط البيولوجي-الثقافي بالجبال منسوج في صميم الهوية الكردية، ليُشبع نفسيتهم بطرق عميقة:
"بالنسبة للكردي، الجبل ليس أقل من تجسيد للإله: فالجبل هو أمه، وملاذه، وحاميه، وموطنه، ومزرعته، وسوقه، ورفيقه، وصديقه الوحيد. تشكل هذه العلاقة الحميمة بين الإنسان والجبل المشهد المادي والثقافي والنفسي أكثر من أي عامل آخر. ولهذا، عند الحديث عن كردستان، لا بد من الإشارة إلى سماتها الجغرافية الفريدة. ولعل من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في جغرافيا كردستان هو وجود العديد من السلاسل الجبلية؛ حيث تشكل الجبال أكثر من نصف تضاريس المنطقة. لم تقتصر أهمية هذه المناطق الجبلية على طبيعتها الخلابة فحسب، بل أوجدت مجموعة من الفوائد والتحديات للكرد في عموم كردستان. وتاريخياً، لعبت الجبال دوراً حاسماً في بقاء الكرد على أراضيهم؛ حيث كانت بمثابة حماة طبيعيين لهم، ومن خلالها تمكنوا من الصمود في وجه الضغوط الخارجية. ولهذا السبب، استفاد عدد كبير من الثورات والانتفاضات الكردية من التمركز في الجبال، مما جعلها مركزاً للهوية والجغرافيا الكردية. لم تؤثر الجبال على تشكيل الحياة اليومية للشعب الكردي فحسب، بل لعبت أيضاً دوراً مهماً في نضالهم التاريخي والسياسي. وكحاجز طبيعي، حدت هذه المرتفعات من السيطرة الخارجية، مما سمح للكرد بالحفاظ على بقائهم واستقلالهم المحلي داخل هذه الجبال. ومن ناحية أخرى، تسببت هذه المناطق الجبلية في عزلة الكرد ومنعتهم من الاندماج الكامل. كان هذا واقعاً في العصور القديمة، ولكن بعد تقسيم كردستان، تغير الوضع تدريجياً وأصبحت الجبال بمثابة جسر للتواصل بينهم. واقتصادياً، تزخر الجبال بالموارد الطبيعية كالمياه، والمعادن، والأراضي الخصبة للزراعة، مما وفر سبل العيش سواء لسكان المناطق الجبلية أو لبقية أنحاء كردستان. وعبر المنظور التاريخي يمكن القول، لقد شكلت الجبال حدوداً طبيعية تفصل بين الأمم والثقافات والكيانات السياسية، لا سيما في حقبة ما قبل ظهور الدولة القومية. وفي كردستان، لعبت جبال زاغروس وطوروس وقنديل دوراً مهماً في ترسيم الحدود بين العراق وإيران وتركيا وسوريا. فجبال زاغروس، تشكل حدوداً طبيعية معقدة بين العراق وإيران. لم يقتصر تأثيرها على تشكيل المشهد الجغرافي فحسب، بل امتد ليشمل تداعيات سياسية وجيوسياسية. أما جبال طوروس، التي تقع شمال كردستان، فقد أصبحت حاجزاً طبيعياً رئيسياً، مما ترك أثراً عميقاً على الديناميكيات السياسية والعسكرية في المنطقة. أما جبل قنديل، والذي يقع عند نقطة التقاء الحدود بين العراق وإيران، يُعد مثالاً بارزاً على حيوية دور الجيل سياسياً. فبالإضافة إلى خلقه الجغرافي لحدود معقدة بين جزأي كردستان (باشور وروجهلات)، فقد أصبح موقعاً استراتيجياً وجيوسياسياً – سياسياً وعسكرياً – حيث يتخذه المقاتلون الكرد كمعقل ونقطة ارتكاز قوية.
وإذا كانت الجبال يوماً ما تمثل حداً طبيعياً يفصل الكرد، فقد أصبحت في العصر الحديث وسيلة لكسر الحدود السياسية التي تقسم كردستان. يتواصل الكرد مع بعضهم البعض بطبيعة الحال دون الحاجة إلى تأشيرات دخول. ففي أواخر القرن الماضي، التقى المقاتلون من الأجزاء الأربعة لكردستان في الجبال، وقاتل كل منهم على جبهته: قوات البيشمركة في كردستان الجنوبية (باشور) ضد العراق، ومقاتلو حزب العمال الكردستاني (PKK) في الشمال (باكور) ضد تركيا، والبيشمركة في الشرق (روجهلات) ضد إيران. ويُعد عبور هذه الجبال شكلاً من أشكال التهريب، لكن الكرد يستخدمونه لأغراض متعددة. ولا يقتصر هذا على المرونة السياسية والعسكرية فقط؛ بل يعتمد الكرد في الأجزاء الأربعة على نقل البضائع عبر الجبال لكسب قوت يومهم، نظراً لتردي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل، خاصة لكرد كردستان الشرقية (روجهلات). وبعد الربع الأول من القرن العشرين، كانت هذه المناطق الجبلية مسرحاً مهماً لعمليات البيشمركة في قتال الكرد الجنوبيين ضد العراق. وحين بدأ حزب العمال الكردستاني (PKK) حمل السلاح دفاعاً ضد الدولة التركية، توافد المقاتلون إلى الجبال، ونظموا صفوفهم، واستعدوا لإعلان حربهم المسلحة. وقد أصبحت الجبال موقعاً حيوياً للمقاتلين الكرد لضمان بقائهم وحماية أنفسهم، وتنفيذ أنشطة هامة، وعبور الحدود. كانت الجبال أشبه بمناطق حكم ذاتي للمقاتلين الكرد في الماضي، ولا تزال تؤدي الدور ذاته اليوم لمقاتلي حزب العمال الكردستاني، الذين يدركون صعوبة قضاء الحكومات المركزية عليهم في تلك التضاريس.
ورغم أن الجبال شكلت حاجزاً مادياً صعباً حال دون تقارب الكرد ثقافياً ولغوياً في فترات سابقة، إلا أنها تحولت في العصر الحديث إلى جسر هام يربط بين الكرد في مختلف المناطق. فعلى سبيل المثال، قبل إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) بدء حرب العصابات في 15 أغسطس 1984، تفرق المقاتلون في المناطق الجبلية وأسسوا مقارهم. التقى الجانبان وتشاركا الهدف ذاته والمعاناة ذاتها من الحكومات المركزية. ومن خلال عبور الحدود والالتقاء المستمر، ازداد التعارف بينهم واطلعوا على ثقافة ولغة وأحزان أبناء شعبهم في الأجزاء الأخرى من كردستان. فرغم قِدم هذه الحدود، إلا أن الكرد ما زالوا يحتفظون بروابط لغوية وثقافية واجتماعية متينة بفضل سهولة التواصل عبر الممرات الجبلية. ولأن المناطق الجبلية غنية بالمنتجات المتنوعة، يتوافد السكان من كافة القرى الجبلية لحضور المهرجانات الخاصة بالمنتجات الزراعية، أو لإحياء العادات التقليدية والأسواق المحلية. وإذا كان موقع المهرجان قريباً من الحدود، يعبر الأهالي للمشاركة والالتقاء ببعضهم البعض. وعلى سبيل المثال، يشارك الكرد من الأجزاء الأربعة سنوياً في احتفالات عيد النوروز على جبل قنديل ويحتفلون سوياً. بل إن بعض آباء وأقارب المقاتلين (الكريلا والبيشمركة) يجتمعون هناك كل عام. وبالتأكيد، لم يكن هذا ليكون سهلاً لولا وجود الجبال. وبالإضافة إلى ما سبق، شكلت الجبال ملاذاً آمناً للحفاظ على الثقافة الكردية عندما سعت الحكومات المركزية لإبادتهم أو قمعهم. فقد لجأوا إليها، وهناك حافظوا على هويتهم وثقافتهم. بمعنى آخر، استخدم الكرد الجبال كدرع واقٍ ضد سياسات الاستيعاب والصهر الثقافي التي مارستها الحكومات المركزية. وهذا الدور الجوهري، إلى جانب تسبب الجبال قديماً في فصل الكرد جغرافياً، يؤكد على الأهمية البالغة للجبال في الجيوسياسية الكردية.
إن الجبل في المخيال الجمعي الكردي لا تؤدّي وظيفة الخلفية الطبيعية أو الصورة الفلكلورية أو المجاز الشعري البسيط، بل تؤدّي الوظيفة البنيوية ذاتها التي يؤدّيها "الجسد الجغرافي" في الأمم ذات الدول؛ إنه يُحدّد الحدود الرمزية للجماعة، ويُنتج التماهي الجمعي مع الأرض، ويُشرّعن المطالبة بالوجود، ويُوحّد المتفرّقين في إطار مشترك من الانتماء، ويحفظ الذاكرة حين تُغلق الدول أرشيفاتها وتُحظر اللغة ويُجرَّم الاسم. الجبل—بعبارة واحدة—هو الجسد الجغرافي البديل، لا بالمعنى التشبيهي المجازي، بل بالمعنى الوظيفي البنيوي الصارم. ولكي نفهم ما هذا يعني تحديداً، ينبغي أن ننتبه إلى ما يُفارق فيه الجسد الجغرافي الكردي/الجبلي الجسدَ الجغرافي الكلاسيكي. فالجسد الجغرافي الذي يُنتجه الجهاز الدولتي هو جسد أفقي بامتياز: إنه امتداد على السطح، خريطة تُفرّق ما هو داخل عمّا هو خارج بخط رفيع يُسمّى الحد. أما الجبل فهو جسد عمودي بامتياز. وقد نبّه غاستون باشلار في La Poétique de l'espace (1958) إلى أن كل صورة شعرية حقيقية تُقحم في بنية الإدراك والزمن بُعدَ العمودية—العمقَ والارتفاعَ معاً—لتُوجد ما سمّاه "طبوغرافيا وجودنا الحميم". والجبل في التجربة الكردية هو هذه الطبوغرافيا بعينها: ارتفاعٌ يعني الملجأ والمقاومة والحرية، وعمقٌ يحمل الذاكرة والأسلاف والجذور. هذه العمودية لا تُناقض الانتماء بل تُعيد هيكلته من أساسه: فبدل الانتماء الأفقي الذي تصنعه الحدود بين مواطن ومواطن داخل أرض مرسومة، يُنتج الجبل انتماءً عموديًا يجمع الإنسان بمن سبقه من الأسلاف وبمن سيأتي بعده من الأبناء، في خط واحد من الزمن المُجسَّد في المكان، ويجعل الانتماء إلى الجبل ليس ملكيةً للأرض بل إقامةً في التاريخ.
وثمة مفارقة عميقة في صميم الحالة الكردية يستحق تأمّلها طويلاً؛ الجبل ذاته الذي حُكم على الكرد بالبقاء فيه عجزاً عن السهول المحكومة من القوى الإمبراطورية والدول القومية التي اقتسمت المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، هو ما حوّله المخيال الجمعي إلى أصلٍ هويّاتي لا ما حوّله الأعداء إليه من عزلة. "لا صديق سوى الجبل"—هذا المثل الكردي الذي أصبح بعد عام ١٩٩٢ عنواناً لكتاب بولوك وموريس في تأريخ المسألة الكردية، ثم انتقل من الخطاب التاريخي إلى نثر بهروز بوتشاني الذي كتبه محتجزاً في جزيرة مانوس على هاتفه المُهرَّب—يخضع في هذه الدراسة لقراءة لا تراه تعبيراً عن يأس أو استسلام، بل عن تحويل فينومينولوجي عميق؛ ما كان قيداً يُعيد المخيال صياغته إلى وطن، وما كان عزلةً تُعاد تشكيلها إلى سيادة من نوع آخر—سيادة لا تُنتجها الخريطة بل تُنتجها القصيدة والذاكرة والجسد المتحرك في الطبيعة المشتركة. غير أن هذا التحويل لا يقع من تلقاء نفسه ولا يُفسَّر بالإحالة إلى "طبيعة الكردي" أو "روحه" أو أي جوهرانية عرقية مماثلة. ولهذا، فهذه محاولة لتتبّع الآليات الثقافية الملموسة التي من خلالها تحوّل الجبل تدريجياً من موقع جغرافي مادي إلى رمز جامع، ومن رمز جامع إلى جسد جغرافي بديل يؤدّي في الخطاب الهويّاتي الكردي ما تؤدّيه الخريطة في الخطاب القومي الكلاسيكي. هذه الآليات شعرية وموسيقية وسردية وسياسية وصوفية في آنٍ، ولا يمكن استيعابها بأداة واحدة من أدوات النقد الحضاري المتاحة.
وهنا يصبح التقاطع مع نقد بنيامين للتاريخانية ذا أهمية منهجية استثنائية. فإذا كان بنيامين يرى في "الصورة الديالكتيكية" لحظةً يصطدم فيها الماضي بالحاضر في شرارة من الدلالة لا تتكرر، فإن الجبل في المخيال الكردي يؤدّي هذه الوظيفة الديالكتيكية بامتياز؛ إنه الصورة التي تحمل الزمن كله في آنٍ واحد—الجبل الذي يحمي القبيلة ويصونها في أمثال الحكمة الشفاهية، والجبل الذي يُدار منه الكفاح المسلح ضد الدولة المُهيمنة، والجبل الذي يُكتب من حنينه في المنفى، كلها تتلاقى في الجبل الذي يُصوَّر اليوم على شاشة هاتف شابٍّ كردي في برلين أو ستوكهولم أو سيدني بوصفه علامة هويته الأولى قبل أي انتساب آخر. إنه زمن مُكثَّف في مكان، وهوية مُجسَّدة في طبيعة، وأمة مُرسومة بالتضاريس لا بالحدود. ولا يتوقف الأمر عند البنيامينية. فمفهوم بنيامين عن الصورة الديالكتيكية يستوجب استكماله بأداتين نقديتين يُشكّلان مع بعضهما المنظومة الإطارية للدراسة؛ الأولى هي الفهم الفوكوي للمكان بوصفه علاقة قوة—إذ الجبل ليس فضاءً حيادياً تتقاطع فيه الجماعات وتتبادل الرموز، بل هو موضوع نزاع وتأويل ومصدر تشريع، تتنافس على امتلاك دلالته الدولةُ والحركةُ الكردية والمثقف والشاعر والمقاتل بطرق لا تتطابق وكثيراً ما تتناقض. والثانية هي ما طوّره تيموثي ميتشل تحليلاً للطريقة التي تُنتج بها الممارسات السياسية والمعرفية أثراً "الدولة" بوصفه كياناً متماسكاً قائماً بذاته—لأن هذا التحليل يمنحنا، بالمقلوب، مدخلاً لفهم كيف تُنتج الممارسات الثقافية الكردية أثر "الأمة" في غياب الدولة الراعية.
هذه محاولة تبتغي التأكيد على أن الجبل لم يكن في يوم من الأيام مجرد معلم جغرافي أو خلفية بصرية للسرد الكردي، بل كان دائماً عملاً خطابياً فاعلاً؛ إنه يُنتج أمةً، ويُعرّفها في الزمان والمكان، ويرسم حدودها في غياب كل خريطة رسمية—وبذلك يُقدّم للنظرية الجغرافية-السياسية المعاصرة نموذجاً استثنائياً لإمكانية تكوين "الجسد الجغرافي" خارج الأفق الدولتي الذي ظلت هذه النظرية أسيرةً لافتراضاته الضمنية.
لم يكن الجبل في أصله موضوعاً للتأمل أو الاحتفاء أو التمثيل، بل كان شرطاً مادياً للبقاء. فمنذ أن اقتسمت الإمبراطوريات المتعاقبة—العثمانية والصفوية وما قبلهما—السهول والطرق التجارية والمدن الكبرى، وجدت الجماعات الكردية نفسها، لا بالاختيار الأولي بل بضغط الموازين السياسية، محتجزةً في الفضاء الجبلي الذي رفضته الإمبراطوريات لصعوبة ضبطه وتكلفة استيعابه. وهو ما جعل من الجبل في بداية الأمر فضاء للهامش قبل أن يتحول إلى فضاء للمقاومة، وفضاءً للعزلة قبل أن يصبح فضاءً للهوية. غير أن الدراسة تُدرك أن هذا التحول لم يقع دفعةً واحدة ولم يُنتَج بقرار سياسي واعٍ، بل نضج ببطء عبر تراكمات التعبير الثقافي على مدى قرون، ووجد صياغاته الأولى الأكثر صموداً في الشعر الكلاسيكي والتقليد الشفاهي للدنبِج.
حين نقرأ ديوان ملاي جزيري (نحو ١٥٧٠-١٦٤٠)، المُؤسِّس الأول للشعر الكردي الكرمانجي الكلاسيكي، نجد أنفسنا أمام نصٍّ يعمل على طبقتين في آنٍ: طبقة التقليد الصوفي الفارسي-العربي الذي يغترف منه صياغةً ولغةً وإيقاعاً، وطبقة الخصوصية الجغرافية التي تُجرّي بقوة تحت السطح، وتجعل "الجبل" و"الوادي" و"الينبوع" أكثر من مُكوّنات المعجم الغزلي المتداول. الجبل عند الجزيري ليس استعارةً للعزلة الروحية بالمعنى النيوأفلاطوني المجرّد، بل هو الفضاء الذي يتشكّل فيه الكيان الجمعي ويجد له لسانًا. والأهم من هذا أن اختياره اللغةَ الكرمانجية دون غيرها—في زمن كان ينبغي فيه لكل شعر يطمح إلى الرفعة أن يُكتب بالعربية أو الفارسية—كان فعلاً لغوياً-سياسياً بمضمون هويّاتي صريح، وإن لم يصغ لنفسه هذه التسمية آنذاك. على هذا الأساس بنى أحمد خاني (١٦٥١-١٧٠٦) ملحمته مَمٌ وزين بما تحمله من وعي قومي ناضج يكاد يكون مذهلاً لزمانه. في مقدمته الشهيرة يكتب خاني بوضوح صادم: لو أن للكرد حكيماً يوحّد كلمتهم وسلطاناً يجمع شتاتهم لصاروا سادةً لا رعايا، ولو أنه—هو نفسه—كتب بالعربية أو الفارسية لبلغ الآفاق، لكنه آثر الكتابة بالكردية لأن ذلك هو فعل الخدمة لأمته المُهمَّشة. ما يُقدّمه خاني هنا—وهو ما لم تُوظَّف طاقته التحليلية الكاملة بعد في الدراسات المعاصرة—ليس مجرد شاهداً على الوعي القومي المبكر، بل نموذجاً لآلية إنتاج الجسد الجغرافي البديل في الشعر: إذ تحلّ اللغةُ مكانَ الخريطة وظيفياً، وتُؤسَّس الحدود باللسان لا بالخط المرسوم، ويصبح الشعر نفسه، بوصفه جسداً نصياً مُتحرّكاً، بديلاً عن خريطة لا تُرسم وحدوداً لا تُعترَف بها. والجبل في مَمٌ وزين هو الفضاء الذي يجعل هذا الانتقال الوظيفي من الخريطة إلى الشعر ممكناً ومعقولاً: لأنه الجغرافيا الوحيدة التي لا تحتاج إلى اعتراف الدول لكي توجد.
وإذا كان خاني يُمثّل الذروة المدوَّنة لهذا التقليد، فإن ما هو أكثر عمقاً وأصعب رصداً يقع في الطبقة الشفاهية التي تسبقه وتوازيه وتمتد بعده بلا انقطاع: طبقة الدنبِج. الدنبِج ليس مجرد مؤدٍّ فلكلوري في المعنى الإثنوغرافي الضيّق؛ إنه بنيامينياً—إن صحّ التعبير—الراوي (Erzähler) الذي تأسّف عليه بنيامين في مقالته الشهيرة عام ١٩٣٦ بوصفه الشخصية التي يُودّع التحديث تدريجياً بُعدها عن الحياة. فبنيامين يرى أن الراوي الحقيقي يملك ما لا يملكه الروائي ولا الصحفي: القدرة على تحويل التجربة المعيشة إلى حكمة قابلة للانتقال—حكمة تمتزج بحياة الراوي كما يمتزج البخور بقطعة الخزف. والدنبِج الكردي هو هذا الراوي بامتياز: لا يُؤدّي رواياته الغنائية الملحمية أداءً فنياً بارداً، بل يُعيد توليد الذاكرة الجمعية في كل أداء، إذ تختلف صياغات النص بحسب الجمهور والمناسبة والسياق السياسي المعاش، مُثبتةً ما أكده جان فانسينا في دراساته الكلاسيكية عن الشفاهية والتاريخ: أن التقليد الشفاهي الحيّ ليس تسجيلاً متجمداً للماضي، بل علاقةٌ حيّة بين الزمنين، يُعيد فيها الحاضر إنتاج الماضي في كل أداء على حدة. ويمتلك والجبل موقعاً مزدوجاً وجوهرياً في هذا التقليد: هو موضوع القصيدة من حيث هو الفضاء الذي تجري فيه الأحداث الملحمية—الهروب، واللجوء، والمبارزة، والحب المستحيل—وهو في الوقت ذاته السياق المادي لأداء القصيدة، إذ يلتقي الدنبِج بجمهوره في فضاءات شبه-عامة (الأفراح، والحدادات، وحلقات الاستراحة في رحلات الرعي والصيد والتجارة) التي تظل في غالبيتها خارج سلطة الحضر والمركز. هكذا يتشكّل ما يمكن تسميته "الأرشيف الحيّ في الفضاء المفتوح": ذاكرة جمعية لا تحتاج إلى مؤسسة تُرعاها لأن الجبل ذاته هو مؤسستها، ولا تحتاج إلى سلطة تُشرعنها لأن استمرارها في الأداء هو تشريعها بذاتها.
هذه الخاصية—إنتاج الذاكرة والهوية والانتماء خارج البنية المؤسسية-الدولتية—هي ما يجعل التقليد الشفاهي الكردي الجبلي نقيضاً منهجياً لمفهوم بيير نورا عن "أماكن الذاكرة". فنورا يرى أن المجتمعات الحديثة لجأت إلى بناء أماكن الذاكرة—المتاحف والنُّصُب والأرشيفات والأعياد الوطنية—بالضبط لأنها فقدت "البيئات الطبيعية للذاكرة" (milieux de mémoire) التي كانت تُنتجها تلقائياً في المجتمعات التقليدية. بعبارة أخرى، نورا يؤرّخ للتحول من الذاكرة الحيّة إلى الذاكرة المؤرشَفة والمُؤسسَنة. غير أن الحالة الكردية تكسر هذا الخط الزمني: فالمجتمع الكردي، تحت ضغط الاستبعاد الجماعي من الدولة وتجريم لغته وحرمانه من أدوات الأرشفة الرسمية، أبقى على "البيئة الطبيعية للذاكرة" التي يرثيها نورا في مجتمعات أخرى—لا بسبب تخلّفه عن مسار الحداثة كما قد يبدو سطحياً، بل لأن الحداثة السياسية نفسها—ممثّلةً في دول تركيا وإيران والعراق وسوريا—رفضت منحه الأدوات المؤسسية لإنتاج الذاكرة بطريقتها، فبقي مضطراً إلى إنتاجها بطريقته: في الجبل وعبر الجبل وعن الجبل. وثمة نقطة أخيرة تستوقف التحليل في هذا المحور: مسألة الحدود. الدنبِج يُغنّي في مناطق تفصلها اليوم حدود أربع دول، والرواية الواحدة تتنقل بين لهجات متباينة وتُعاد في سياقات مختلفة المرجعيات السياسية. هذا التعالي على الحدود الدولتية ليس دليلاً على وحدة قومية ساذجة، بل هو وظيفة بنيوية للجسد الجغرافي البديل: فالجبل—بوصفه جسداً—لا يُقيم حدوداً ثابتة بالمعنى الكارتوغرافي-الدولتي؛ حدوده تضاريسية ومتحوّلة وقابلة للعبور، وهذه السيولة هي ما يجعله أكثر إلحاماً بالمخيال الكردي اللاحد من أي خريطة قومية ذات خطوط دقيقة وقد تُسمّ حدوداً مُؤلِمة في صميم الجسد الذي تزعم تمثيله.
لقد سعت العديد من المجتمعات المهمشة والأصلية عبر التاريخ إلى اللجوء للمناطق الجبلية، مستغلةً وعورتها وصعوبة الوصول إليها للهروب من الاستعمار، أو الاحتلال العسكري، أو الأنظمة القمعية. لقد حولت طبيعة تضاريسها الوعرة وتحصيناتها الطبيعية العديد من الجبال إلى مواقع استراتيجية للحماية والمقاومة، حيث يمكن للسكان المحليين الدفاع عن استقلاليتهم، والحفاظ على هوياتهم الثقافية، وحماية أساليب حياتهم التقليدية. بالنسبة للكرد، على وجه الخصوص، لطالما كانت الجبال ملاذاً في مواجهة عنف الدولة، والاحتلال، والاستيعاب الممنهج (الصهر القومي)، وحملات الإبادة الجماعية. وعبر الدول الأربع التي تقسم منطقة كردستان، لطالما عملت الجبال كحماة ومعاقل طبيعية في النضال الكردي من أجل الحكم الذاتي. إن المثل الشائع بأن الكرد "لا أصدقاء لهم سوى الجبال" يجسد هذا الاعتماد العميق ويعكس تكيفاً سياسياً وبيولوجياً-ثقافياً مع البيئات التي عززت الاعتماد على الذات والصمود. وفيما ينظر إليه العديد من الكرد كتاريخ طويل يتسم بالخيانة والتخلي، يعكس هذا المثل الدور الرمزي للجبال كحلفاء أوفياء وملاذات آمنة في مواجهة الاضطهاد السياسي والتهميش الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، يرمز المثل إلى روح الأمل المستدامة والتوق نحو الاستقلال وبناء الأمة. وتتجسد الأهمية الوجودية للارتباط بين الشعب وبيئته الأصلية أيضاً في مثل آخر: "سوِّ الجبل بالأرض، وفي غضون يوم واحد لن يكون هناك وجود للكرد".
بُعيد الحرب العالمية الأولى ومعاهدة لوزان (١٩٢٣) التي دفنت وعود سيفر وأحكمت التقسيم، وجدت الحركات الكردية المسلحة نفسها أمام ضرورة مادية لا خيار فيها: الجبل هو الموقع الوحيد القابل للدفاع في مواجهة جيوش الدول الحديثة ذات التدريب المنظّم والتسليح المتفوق. وقد صاغت هذه الضرورة المادية—على مدى ما يزيد على قرن من النضال المتقطّع—مفردةً أصبحت بمثابة الاسم الذاتي لمقاتل الجبل الكردي: البيشمركة (peshmerga)، التي تعني حرفياً "من يواجه الموت"، وهو اسم يحمل في بنيته اللغوية ذاتها علاقةً بالجبل دون أن يُسمّيه: لأن مواجهة الموت المقصودة هي تحديداً تلك التي تقع في التضاريس الجبلية الوعرة ضد عدو أكثر عدةً. غير أن الذي يهم هنا ليس هذا التاريخ العسكري في حد ذاته، بل الآلية الخطابية التي من خلالها تحوّل الجبل من موقع للنزال إلى رمز للأمة ومن رمز للأمة إلى ما نسمّيه في هذه الدراسة "جسداً جغرافياً بديلاً". وهذه الآلية تعمل في ثلاثة مستويات متشابكة.
المستوى الأول هو مستوى الصورة البصرية: فالمقاتل الكردي في الجبل صار—لا بفعل استراتيجية إعلامية واعية بل بتراكم التجربة والتمثّل—صورةً أيقونية ذات أبعاد تتجاوز السياق العسكري. صورة الإنسان على الجبل، في الصحافة والأدب والسينما الكردية الناشئة، تعمل بنيوياً على النحو ذاته الذي تعمل عليه صورة الخريطة في الكتاب المدرسي للدولة القومية: تُجسّد انتماءً وتُحدّد هوية وتُنتج تماهياً جماعياً. مع فارق جوهري هو أن صورة الإنسان على الجبل لا تحتاج إلى جهاز دولة يُوزّعها ويفرض تعليمها، بل تُعيد إنتاج نفسها بالاستناد إلى رصيد ثقافي مُراكَم على امتداد القرون التي استعرضناها في المحور الأول. المستوى الثاني هو مستوى التجربة الجسدية المُجتمَعة: فالجبل بوصفه موقعاً للحرب الكردية يعني أن عشرات الآلاف من الأفراد عبر الأجيال قد عاشوا تجربة مُشتركة هي تجربة الجبل—الجوع والبرد والمطاردة والصمود والرفقة في فضاء مادي بعينه. وهذه التجربة المُجتمَعة تُنتج ما لا تستطيع الخريطة وحدها إنتاجه: انتماءً جسدياً مُعاشاً، لا انتماءً تجريدياً مُتخيَّلاً. أندرسون حين بنى نظريته عن الجماعة المتخيَّلة على المطبعة والصحيفة الدورية أغفل—أو لم يُعطِ كفايته من الاهتمام—لهذا النوع من إنتاج الجماعة القومية: الجماعة التي تُنتج نفسها بالمشاركة الجسدية في فضاء مادي مُشترك تحت وطأة خطر مُشترك. وهو ما يجعل النموذج الكردي/الجبلي تصويباً ضرورياً للتحليل الأندرسوني المحدود بالبيئة المدينية والتواصل الطباعي. بينما المستوى الثالث—وهو الأكثر تعقيداً نظرياً والأغنى لأغراض هذه الدراسة—هو ما يمكن تسميته المستوى الفوكوي: إذ الجبل ليس محايداً في إنتاج علاقات القوة بل هو أحد العوامل البنيوية لها. فوكو في تحليله للفضاء والسلطة، ولا سيّما في مفهوم الهيتيروتوبيا—الفضاء المغاير الذي يقع داخل المجال الاجتماعي لكنه يُنظَّم بمنطق مغاير لمنطق الفضاءات المحيطة—يمنحنا أداةً ثمينة: فالجبل هو الهيتيروتوبيا الكردية بامتياز، الفضاء الذي يُعلَّق فيه منطق الدولة القومية (المواطنة، والنظام، والحدود، والتعداد، والضريبة) ويُستبدل بمنطق آخر تُنتجه الجماعة لنفسها. لكن ما يُضيفه التحليل الكردي على الهيتيروتوبيا الفوكوية هو أن هذا الفضاء المغاير ليس فضاءً للانحراف أو الاحتجاز أو الأزمة—وهي التصنيفات التي رصدها فوكو أساساً—بل هو فضاء لإنتاج الطبيعي والأصيل والمشروع من وجهة نظر الجماعة المقهورة. الدولة القومية تُعرّف الجبلَ هامشاً وشذوذاً يحتاج إلى "استيعاب" و"تنمية" و"إدماج"؛ لكن المخيال الكردي يُعرّفه مركزاً وأصلاً وموطناً. وهذا الانقلاب في المعنى بالضبط هو ما تُمثّله كلمة "البيشمركة": إعادة تعريف ما تُعدّه الدولة خطراً ومقاومةً باعتباره من المنظور الكردي سيادةً وكرامةً.
وفي نهاية القرن العشرين تُضيف الحركة الكردية—ممثّلةً في التحوّل الفكري الأوجلاني بعد الاعتقال عام ١٩٩٩—بُعداً فلسفياً جديداً يُعمّق من ثقل الجبل الرمزي دون أن يُغيّر طبيعته البنيوية. فحين تخلّى أوجلان في سجنه عن هدف الدولة القومية الكردية المستقلة واستعاض عنه بمفهوم "الكونفدرالية الديمقراطية" بعد احتكاكه بمرري بوكشين، كان يُنتج نظرياً ما سبق أن أنتجه الجبل رمزياً في الممارسة الثقافية: مفهوماً للوطن لا يستند إلى الحدود المرسومة بل إلى المنظومة العلائقية من الاستقلالية والتحرّر النسائي والإيكولوجيا والدفاع الذاتي. وبعبارة أخرى: ما أنتجه الجبل تاريخياً بوصفه ممارسةً حيّة بعيداً عن الدولة، أُعيد صياغته في هذه المرحلة بوصفه مشروعاً سياسياً مُعلَناً. وهنا يلتقي التحليل بما أكده فرانشيسكو فنتورا في دراسته الأخيرة: أن فضائية الوطن الكردي في مشروع حركة الحرية الكردية لا يمكن اختزالها في قابليتها للقياس والترسيم، بل إنها فضاء ذو معنى يجد قوامه في الشعور بالمكان والانتماء والتعلّق—وهو ما يُنتجه الجبل بالضبط. إن الجبل بوصفه جسداً جغرافياً بديلاً لا يقع خارج علاقات القوة بل هو ميدانها. فحين تُحاصر الدول الطائرات المسلّحة مواقع الجبل، أو حين تتوسّع الطريق المُعبّدة لتبتلع الدروب الوعرة، أو حين تُؤسسَن حكومة إقليم كردستان ذات مؤسسات وبيروقراطية وجهاز أمن، فإن الجبل لا يُفقد سلطته الرمزية دفعةً واحدة—لكنه يدخل في لحظة نزاع على تعريفه: هل هو ما زال الفضاء المغاير الذي يُنتج الأمة خارج منطق الدولة، أم أنه يُدمَج تدريجياً في منطق الدولة ذاتها فيصبح تراثاً سياحياً وخلفيةً لصور الرسميين وعنواناً للهوية المُموّلة من ميزانيات حكومية؟ هذا التوتر ليس هامشياً في تحليلنا بل هو المحرّك الذي يُنتج ما سيتناوله المحور الثالث.
لقد شكلت الجبال تاريخياً ملاذاً حيوياً للثقافة واللغة الكردية، حيث حمت التقاليد والهوية من الجهود المستمرة للقمع والمحو الثقافي. في هذا السياق، تتجاوز المقاومة الكردية، المتجذرة بعمق في التضاريس الجبلية، النطاق المادي لتشمل بُعداً أيديولوجياً. يظهر هذا الشكل المزدوج من المقاومة في حركات التحرر وجماعات حرب العصابات مثل حزب العمال الكردستاني (PKK) في تركيا وقوات البيشمركة الكردية في العراق. ولا تزال الجبال تعمل كملاجئ واقية في مناطق كردستان، كما حدث، على سبيل المثال، عندما فر الإيزيديون، وهم طائفة عرقية-دينية كردية، إلى جبل سنجار هرباً من اضطهاد داعش في عام 2014. يُعد سنجار موقعاً مقدساً للإيزيديين، ويرمز إلى وطن أجدادهم وتراثهم الروحي. وباعتباره موقع مهم، وفر الجبل تاريخياً حماية طبيعية خلال أوقات الاضطهاد. وعقب هجوم داعش الوحشي، شكل هروب الإيزيديين إلى سنجار بداية محنة مأساوية. فقد حوصر عشرات الآلاف على الجبل دون طعام أو ماء، قبل أن يكابدوا سنوات من القتل الجماعي، والاختطاف، والاستعباد الجنسي. وقد أكدت الأمم المتحدة لاحقاً أن هذه الفظائع المرتكبة ضد الإيزيديين ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. هذا الحدث، إلى جانب أمثلة لا حصر لها من الاضطهاد والعنف في التاريخ الكردي، يؤكد كيف تقف الجبال شامخة لتعمل كشواهد عميقة على الماضي، حاملةً قصصاً من المعاناة والمظالم المحفورة في الذاكرة الجماعية للأجيال. ومع ذلك، وكقمم للقوة، تجسد الجبال في الوقت ذاته قوة الصمود والمثابرة والبطولة المنعكسة في التراث والفولكلور الكردي. وهكذا، تبرز الجبال كاستعارة قوية للبقاء، حيث يُصور المشهد الطبيعي كمشارك فاعل في النضال الأوسع ضد القمع السياسي والمحو الثقافي. ويتردد صدى هذا الشكل من المقاومة الأيديولوجية بشكل متزايد داخل الحركات البيئية المكرسة للحفاظ على النظم الإيكولوجية الجبلية والحياة البرية، حيث تواجه تهديدات متزايدة من كل من تغير المناخ والاستغلال الذي تقوده الدول.
رغم أن معظم الكرد اليوم يعرّفون أنفسهم كمسلمين سُنة، إلا أن هناك حضوراً علمانياً ملحوظاً، فضلاً عن أولئك الذين يعتنقون الإسلام الشيعي، والمسيحية، وأدياناً أخرى مثل العلوية، والإيزيدية، والزرادشتية، والصوفية، وأشكالاً أخرى متنوعة من الديانات الشعبية الأصلية. وبينما تحمل الجبال تنوعاً كبيراً في الأهمية الروحية داخل كل هذه التقاليد الدينية، هناك تشابه ملحوظ في التبجيل الرمزي الذي يتردد صداه بعمق عبر ثقافات متنوعة حول العالم. ففي الاستطلاع الشامل الذي أجراه بيرنباوم (2022) بعنوان "الجبال المقدسة في العالم"، يُشار عموماً إلى أن الجبال توقظ "شعوراً بالدهشة والرهبة يميزها كأماكن مشبعة بمعنى وجمال خاصين، وغالباً ما تكون ذات طبيعة روحية". وفي تأمله للميل البشري العالمي لرؤية بعض المناظر الطبيعية كمقدسة، يقدم الكتاب تحليلاً عميقاً للتفاعل بين الجغرافيا الجبلية، والروحانية، والهوية الثقافية. يميز بيرنباوم العديد من المواضيع الرئيسية المنتشرة فيما يتعلق بالخصائص المقدسة للجبال. على سبيل المثال، غالباً ما تُعتبر أعمدة كونية (axis mundi) - تربط بين السماء والأرض، وتشكل بذلك مواقع مركزية للتجارب الروحية والممارسات الطقوسية. وعلاوة على ذلك، تنظر العديد من الثقافات إلى الجبال على أنها أماكن إقامة للآلهة، أو الأرواح، أو القديسين، أو أسلاف البشر، مما يربط المشهد الطبيعي بالعوالم الإلهية أو الخارقة للطبيعة. وعلى هذا النحو، تمثل الجبال أيضاً مساحات حدية (liminal spaces) تُعلي عظمتها وقربها من السماء من مكانتها كأماكن ذات قوة هائلة ومصادر للتحول والتجديد. وباعتبارها دوراً للعبادة، تُبجل الجبال أيضاً غالباً كمصادر للحياة والخصوبة، حيث تكون العلاقة التكافلية مع الأنهار، والغابات، والحيوانات، والنباتات مركزية لاستدامة سبل العيش؛ زراعياً، وبيئياً، وروحياً. وكما ذُكر أعلاه، ترمز الجبال أيضاً إلى الدوام والاستقرار، وغالباً ما تعمل كمواقع للجوء ودفاعات استراتيجية للأشخاص الذين ينشدون حمايتها. وبالتالي، يمكننا أن نتفق مع الباحث المعروف في علم الأديان، ميرتشا إيلياد (1974)، على أن "الأهمية الرمزية والدينية للجبال لا حصر لها".
تنعكس العديد من المواضيع المذكورة آنفاً في الروحانية الكردية. والواقع أن كل جبل كردي تقريباً مشبع بالمعنى ويشير إلى عالم سردي تتشابك فيه الجغرافيا والمعالم المكانية مع الحكايات الثقافية والمواد الأسطورية. بالنسبة للكرد، تمثل المناظر الطبيعية الجبلية خزائن مقدسة للتراث الثقافي، ومعارف الأجداد، والأساطير، والأحداث التاريخية، والتي غالباً ما تُنقل شفوياً وتُخلد من خلال الطقوس الدينية. ونظراً لندرة المصادر المكتوبة التي توثق التاريخ الثقافي الكردي، سواء بسبب محدودية معرفة القراءة والكتابة أو الحظر المفروض على أرشفة مثل هذا التاريخ، سعى الكثيرون للوصول إلى هذه المواد عبر وسائل أخرى. أحد المصادر المهمة هو صوت الـ "دَنكبيج" (Dengbêj)، وهو المغني أو الراوي الكردي التقليدي، المعروف بأداء شكل فريد من الشعر الشفوي يجمع بين الأغنية والسرد. يحظى هؤلاء المؤدون باحترام كبير لدورهم في الحفاظ على الثقافة والتاريخ الكردي من خلال التقاليد الشفوية. وبالمثل، تعمل الممارسات الطقوسية كحوامل لا مادية للذاكرة الثقافية، لتربط الجيل الحالي بماضيهم الجماعي. وفي حين يتم مشاركة الكثير من التراث الشعبي المحيط بالجبال مع مختلف الثقافات الإقليمية في الشرق الأوسط، إلا أن هناك تفسيرات وتنويعات كردية متميزة لهذه القصص. يمكن تجسيد ذلك بالقصص المرتبطة بجبل أرارات، أحد أعلى وأبرز القمم في المنطقة. غالباً ما يرتبط الجبل بقصة سفينة نوح التوراتية التي استقرت عليه بعد الطوفان العظيم، وفي التراث اليهودي-المسيحي والإسلامي، يُنظر إلى أرارات كرمز للبقاء، والتحمل، واستمرارية الحياة بعد كارثة كبرى. ومع ذلك، في بعض النسخ الأسطورية لدى الكرد، لا تُصور السفينة كوعاء مادي أنقذ البشرية فحسب، بل كتمثيل للشعب الكردي ذاته، الذي، مثل نوح، واجه وتحمل محناً عظيمة عبر التاريخ. وهكذا، يعمل جبل أرارات كرمز قوي لجذورهم القديمة، حيث تدعي بعض التقاليد أن الشعب الكردي هم من نسل الناجين من الطوفان مباشرة. قد يتجلى استيعاب ثقافي مشابه في الأساطير المحيطة بمهرجان الربيع "نوروز"، وهو طقس قديم لرأس السنة تحتفل به ثقافات مختلفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. بالنسبة للكرد، يرتبط نوروز ارتباطاً وثيقاً بأسطورة "كاوا الحداد"، الذي قاد تمرداً ضد الطاغية "ضحاك" بإشعال النيران على قمم الجبال، إيذاناً بانتصار النور على الظلام وإشعالاً لأمل الخلاص لدى الشعب المضطهد. تعزز هذه الروايات فكرة الجبال كرموز خالدة للحرية والمقاومة في الوعي الكردي. وتُعتبر هذه القصة أصل رأس السنة الكردية، وهي تنقل أيضاً مثالاً بيولوجياً-ثقافياً معبراً للاحتفال بتجدد الطبيعة مع رعاية ذاكرة ثقافية مميزة في الوقت ذاته، وهي ذاكرة لا تزال تُعتبر حتى اليوم ذات صلة سياسية بتنشيط هوية الجماعة الكردية. وبأكثر من كونها مجرد أسطورة، يُعتقد أنها تمثل قصة نموذجية عن الشجاعة والصمود، تستخدمها المنظمات والمدارس كأداة تعليمية للتعلم التحويلي، حتى تتمكن الأجيال الشابة من "تذكر جذورهم واستمداد القوة من دروس أجدادهم". يمكن النظر إلى هذه الجهود كمحاولات لإعادة إيقاظ الارتباط التخيلي بالمناظر الطبيعية كأرشيفات حية، تجسد المعرفة التقليدية، والأساطير، والأحداث التاريخية، مما يعزز الإحساس بالصمود من خلال الحفاظ على النظم الإيكولوجية الجبلية كتراث ثقافي مشترك.
حين يُغادر الكردي جباله—طوعاً أو قسراً، بحثاً عن لقمة أو هرباً من القتل أو انتزاعاً للدراسة والعمل—يحمل معه الجبل لا بالمعنى المجازي المُبتذل بل بمعنى وظيفي دقيق يستحق التحليل. الجبل المحمول هو الجبل الذي تحوّل من مكان مادي إلى صورة ذهنية نشطة، ومن صورة ذهنية نشطة إلى أيقونة ثقافية متداولة، ومن أيقونة ثقافية إلى نظام تواصل بين أفراد جماعة متفرقة جغرافياً لكنها متماسكة رمزياً. وهذا المسار بالذات—من الجبل المادي إلى الجبل الأيقوني إلى الجبل التواصلي—هو ما يعنيه هذا المحور بعبارة "الجبل المحمول". إن المخيال الجمعي في عالم ما بعد الاستعمار لم يعد مجرد أداة طقسية أو إيديولوجية، بل أصبح حقلاً من الممارسات الاجتماعية في ذاته، وأحد المُكوِّنات البنيوية للشرط الحداثي في عالم تتشابك فيه حركة الصور وحركة الأجساد وحركة الأفكار. المهاجر الكردي في برلين أو لندن أو ستوكهولم لا يحمل الجبل بالذاكرة العاطفية وحسب—وإن كانت هذه الذاكرة حاضرة ومؤثّرة—بل يُعيد إنتاجه يومياً في ممارسات ثقافية ملموسة: في الأغنية التي يُحيّي بها المناسبات، وفي المفردة التي يختارها حين يُريد الإحالة إلى "الوطن"، وفي الصورة التي ينشرها على منصات التواصل معلناً انتماءه. إن الشباب الكردي الموزّع بين السياقات السياسية الأربعة—تركيا وإيران والعراق وسوريا—يستخدم الرموز البصرية المرتبطة بالجبال الكردية بوصفها "لغة بصرية مشتركة" تُتيح التواصل الكردي العابر للحدود بصرف النظر عن الأبجديات المستخدمة في النصوص المرافقة—اللاتينية أو العربية أو الفارسية. وما تكشفه هذه الظاهرة هو أن الجبل في طوره الرقمي يؤدي الوظيفة التي أدّاها الدنبِج في طوره الشفاهي: إنتاج اتصال جمعي يتجاوز التشتت اللغوي والسياسي ويُعيد إنتاج الجماعة المتخيَّلة بأدوات التواصل الراهنة. ما تحوّل هو الوسيط (من الصوت الحيّ إلى الصورة الرقمية)، لكن البنية الوظيفية—الجبل بوصفه محور إنتاج الانتماء—بقيت محافظةً على استمراريتها البنيوية العميقة.
غير أن أكثر ما يستوقف التحليل في طور "الجبل المحمول" هو الحالة الكردية الأكثر درامية وأعمق تنظيراً: نص بهروز بوتشاني No Friend but the Mountains (2018)، الذي كُتب بالهاتف المُهرَّب من داخل مركز الاحتجاز الأسترالي في جزيرة مانوس ببابوا غينيا الجديدة. يُمثّل نص بوتشاني تجربة استثنائية على مستويات متعددة: أولاً، الكاتب كردي من إيران يكتب بالفارسية—وليس بالكردية—من محبس استوائي في المحيط الهادئ على بُعد آلاف الكيلومترات من الجبال التي يُحيل عنوانه إليها. هذا الانتزاع القصوى من الموقع الجغرافي هو ما يمنح العنوان طاقته الحادة: "لا صديق سوى الجبل" يُقال في مكان لا يوجد فيه جبل أصلاً. لكن ما يكشفه تحليل النص هو شيء أكثر عمقاً مما تلتقطه القراءات الحقوقية والإنسانية التي طغت على استقباله النقدي؛ الجبل في نص بوتشاني يشتغل بوصفه معياراً فينومينولوجياً لقياس الحالة المعيشية الراهنة. إذ يُدار التحليل الشعري-الفلسفي للسجن في جزيرة مانوس بالإحالة المستمرة إلى الجبل الكردي—لا بوصفه ذكرى تُريح بل بوصفه معياراً للحرية يجعل العبودية أوضح وأقسى. وهذا الاشتغال بالمعيار هو تحديداً ما تتحدث عنه باشلار حين يصف الارتفاع بوصفه ليس مجرد موقعاً مكانياً بل "طبوغرافيا وجودنا الحميم"—الارتفاع هو ما يُقيس به الإنسان وجوده ويُحدّد علاقته بحريته وبحبسه معاً. الجبل المفقود يجعل مانوس فهيماً بوصفه انتزاعاً من الإنسانية، لا مجرد قيداً على الحرية.
لكن الحالة الأكثر دلالةً ربما حين يُعاد توظيف الجبل في سياق ما بعد دولتي واعٍ بذاته—أي في التجربة الروجافية بعد عام ٢٠١٢ في شمال شرق سوريا. إذ لأول مرة في التاريخ الكردي الحديث تجد جماعة كردية نفسها في وضع إدارة شبه-دولة على أرض شبه-سهلة لا جبال تحميها. وهذا الغياب المادي للجبل يُنتج لحظة نظرية بالغة الأهمية؛ هل يستطيع المشروع الكردي أن يُقيم وجوده الهويّاتي والسياسي خارج المكان الذي أنتج هويّاته وخطابه ورمزيّاته على مدى قرون؟ والملاحظة التحليلية الدقيقة هي أن التجربة الروجافية لم تتخلّ عن الجبل الرمزي حين فقدت الجبل المادي، بل نقلت رمزيته إلى منظومة القيم ذاتها—الاستقلالية والمشاركة والتحرّر النسائي—مُحوّلةً الجبل من موقع جغرافي إلى نمط تنظيمي. وهو ما يُثبت أن الجبل بلغ في مرحلة معيّنة من تراكمه الرمزي حداً يجعله مستقلاً عن موضعه المادي ويُمكّنه من أداء وظيفته "الجسدية الجغرافية" من دون حضوره المكاني الفعلي. فحين نقول إن الجبل أنتج للكرد جسداً جغرافياً بديلاً في غياب الدولة، فإننا نُخاطر بأن يُقرأ ذلك—ضمنياً—بوصفه تعزيزاً للقدرية؛ إذ ربما يحتمل المعنى أن غياب الدولة الكردية كان "كافياً" لأن الجبل عوّض عنها. وهذه قراءة ينبغي ردّها بحسم. ما أثبتته هذه الدراسة هو أن الجبل أنتج في غياب الدولة ما يكفي الجماعة لإعادة إنتاج هويتها وذاكرتها وانتمائها—وهذا إنجاز ثقافي يستحق كل التقدير النظري. لكنه لم يُنتج ما تُنتجه الدولة من مؤسسات وحماية وحق وسيادة. الجسد الجغرافي البديل—بكل ثقله الرمزي وعمقه التاريخي وقدرته على تجاوز الحدود وحفظ الهوية—ليس بديلاً عن الجسد الجغرافي الكامل بل هو شهادةٌ على ما أُنتج في شروط الحرمان منه. وهذا التمييز الجوهري هو ما يجعل تحليل هذه الحالة مُزعجاً بالقدر الذي يجعله ثميناً: إذ لا يُعزّي ولا يُبرّر بل يكشف، بصدق قاسٍ، الثمن الهائل الذي يدفعه إنسان حين يُضطر إلى أن يصنع من قهره فلسفته.
ثمة لحظة أخيرة وهي لحظة التحوّل الأوجلاني من الجبل بوصفه موقعاً للمقاومة المسلحة إلى الجبل—المُضمَّن في مفهوم الكونفدرالية الديمقراطية—بوصفه نمطاً لتنظيم الحياة خارج منطق الدولة القومية. فإذا كان الجبل في طوره الكلاسيكي فضاءً يُتيح الوجود الكردي بالرغم من الدولة ومن وراء ظهرها، وإذا كان في طوره الاستراتيجي موقعاً يُتيح الكفاح ضدها، فإنه في هذا الطور الثالث يُحوَّل—رمزياً—إلى مبدأ يُتيح التفكير فيما هو أبعد منها؛ ليس رفضها وحسب بل تجاوز المنطق الأساسي الذي أفرزها. وهذا التحوّل الرمزي—من الجبل فضاءً إلى الجبل مبدأً—هو ربما أكثر ما أنتجه الخيال السياسي الكردي جرأةً في تاريخه الطويل؛ إذ يعني في نهاية المطاف أن الجبل لم يكن يوماً مجرد ملجأ أو مكان لجوء أو فضاء مقاومة، بل كان—في نظر أعمق طبقاته الرمزية—نقداً ضمنياً للدولة القومية ذاتها، نقداً لم يجد له لغةً سياسية صريحة حتى وجده أوجلان في بوكشين وفوكو وماريا ميس، فأعلنه ما كان الجبل يُجسّده منذ البداية دون أن يُسمّيه: أن الأرض التي تحيا فيها لا تحتاج إلى دولة تمتلكها لكي تكون وطناً.
المصدر : مركز آتون للدراسات
مصادر الدراسة:
DEBARBIEUX, Bernard: Construits identitaires et imaginaires de la territorialité : variations autour de la figure du « montagnard » Annales de géographie, 2008/2-3 n° 660-661, p.90-115. DOI : 10.3917/ag.660.0090. URL : https://shs.cairn.info/revue-annales-de-geographie-2008-2-page-90?lang=fr.
Ercan Ayboğa: Ecology Discussions and Practices in the Kurdish Freedom Struggle with a focus on North Kurdistan (Bakur), June 28, 2018.
Husain, S., Ahamed, M.F. Place & Power: A study of Kurdish identity in Turkey.GeoJournal 87, 4235–4249 (2022). https://doi.org/10.1007/s10708-021-10498-z
Gambetti, Z., & Jongerden, J. : The spatial (re)production of the Kurdish issue: multiple and contradicting trajectories—introduction. Journal of Balkan and Near Eastern Studies, 13(4), (2011). 375–388. https://doi.org/10.1080/19448953.2011.621785
LÉONARD, Mathieu : Le Kurdistan, nouvelle utopie Un nouveau Chiapas au Moyen-Orient ? Revue du Crieur, 2016/2 N° 4, 2016. p.128-143. DOI : 10.3917/crieu.004.0128. URL : https://shs.cairn.info/revue-du-crieur-2016-2-page-128?lang=fr.
Sarhad Hadi Taha: Geopolitical Significance of the Mountains in Kurdistan Boundaries, Conflict and Autonomy, https://osf.io/preprints/socarxiv/64ucy_v1
Serdar Yilmaz: Kurdischer Nationsbildungsprozess. –Beginn und Verlauf,
https://www.academia.edu/13547683/Kurdischer_Nationsbildungsprozess_Beginn_und_Verlauf
Ingrid Løland and Haci Akman: Echoes of the mountain: exploring biocultural diversity and transformative learning within the storied landscape of Kurdish tradition, Intercultural Education, 37(1), 5–21. https://doi.org/10.1080/14675986.2025.2535180
Öktem, B: Kurdish Youth Negotiates: Digital Habitus and the Evolution of Kurdish Identity in the Digital Age. Digit. Soc. 5, 2 (2026). https://doi.org/10.1007/s44206-025-00239-x
Öktem, B., & Kurt, M. : The making of online Kurdistan: redefining nationhood and belonging among Kurdish Generation Z. Journal of Ethnic and Migration Studies, (2026). 1–20. https://doi.org/10.1080/1369183X.2026.2645367
Karen Culcasi: Cartographically constructing Kurdistan within geopolitical and orientalist discourses, Political Geography, Volume 25, Issue 6, August 2006, pp 680-706, 10.1016/j.polgeo.2006.05.008
Ventura, F : Unbounding Homeland: Spatiality in the Kurdish Freedom Movement’s Project of Kurdistan. Annals of the American Association of Geographers . (2025). 115(7), 1558–1576. https://doi.org/10.1080/24694452.2025.2494295