بث تجريبي

نقاش لـ"الملتقى الثقافي المصري العربي البريطاني" يؤكد دور مصر التاريخي في دعم القضية الكردية

ناقش الملتقى الثقافي المصري العربي البريطاني في العاصمة البريطانية لندن، خلال لقاء ثقافي عُقد مساء الجمعة 2 أكتوبر، تاريخ العلاقة بين مصر والكرد وموقف القاهرة من القضية الكردية، وذلك بمشاركة أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة دمنهور المصرية، الدكتور محمد رفعت الإمام، عبر تقنية الفيديو كونفرانس باستخدام منصة «زووم».

وشهد اللقاء، الذي حمل عنوان «مصر.. والقضية الكردية»، مشاركة عدد من المهتمين بالشأنين الثقافي والسياسي، وتناول تاريخ العلاقة بين الكرد والمصريين، إلى جانب الأبعاد التاريخية والسياسية والإقليمية للقضية الكردية، في إطار فعاليات الملتقى الهادفة إلى فتح المجال أمام الحوار وتبادل الرؤى بشأن القضايا الإقليمية.

وأدار اللقاء مؤسس الملتقى الدكتور هاني شعيب، الذي أكد أهمية الموضوع، متناولًا تاريخ الجاليات التي عاشت في مصر وتعايشت مع المجتمع المصري واند مجت فيه، إلى جانب موقف مصر من القضية الكردية.

وأشار شعيب إلى أن القضية الكردية تتضمن مجموعة من المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع وجود مواقف مختلفة تجاه هذه المطالب بين مؤيد ومعارض.

الكرد وامتدادهم التاريخي

وفي كلمته، استعرض الدكتور محمد رفعت الإمام تاريخ الكرد ووجودهم في المنطقة، موضحًا أن الكرد، وفق رؤيته، من الشعوب التاريخية التي استمرت في الوجود عبر مراحل طويلة من التحولات التي شهدها العالم.

وقال إن موطن الكرد يقع في منطقة غرب آسيا، ويمتد، بحسب توصيفه، من بحيرة أورميه شرقًا إلى عفرين غربًا، ومن جبال آغري شمالًا إلى لورستان جنوبًا، مشيرًا إلى أن سلسلتي زاغروس وطوروس تمثلان العمود الفقري لهذه المنطقة.

وأوضح أن تكوين الشعب الكردي ارتبط، وفق طرحه، بالعناصر الزاغروسية القديمة وشعوب أخرى عاشت في المنطقة وأسهمت في تشكيل المجتمع الكردي.

علاقة الكرد بالجبال

وتطرق الإمام إلى العلاقة التاريخية بين الكرد والجبال، مشيرًا إلى أن الجبال لعبت دورًا مهمًا في حماية الكرد خلال مراحل مختلفة من الصراعات، وأسهمت في الحفاظ على هويتهم وثقافتهم.

وأضاف أن الطبيعة الجبلية للمنطقة فرضت في الوقت نفسه تحديات جيوسياسية، حالت، بحسب رؤيته، دون إقامة دولة كردية تضم مختلف المناطق التي يعيش فيها الكرد.

وأشار إلى أنه منذ سقوط إمبراطورية ميديا عام 550 قبل الميلاد لم تقم دولة كردية موحدة في المنطقة، رغم ظهور إمارات وممالك وكيانات سياسية صغيرة مرتبطة بالعشائر والقبائل، ازدهر بعضها بصورة كبيرة خلال القرن الحادي عشر الميلادي.

وقال الإمام إن منطقة كردستان تحولت تاريخيًا إلى ساحة للصراع بين القوى والإمبراطوريات، بحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها ممرًا للقوى الساعية إلى التوسع في المنطقة.

وتناول علاقة الكرد بالإسلام، موضحًا أن غالبية الكرد المسلمين ينتمون إلى المذهب السني، مع وجود كرد من المذهبين الشيعي والعلوي، إلى جانب جماعات حافظت على معتقداتها الدينية القديمة، ومن بينها الإيزيدية.

وأشار إلى أن مصطلح «كردستان» ظهر في الأدبيات العربية والإسلامية خلال القرن الثاني عشر، مضيفًا أن ظهور الدولة الصفوية في بلاد فارس والدولة العثمانية جعل المناطق الكردية تقع بين قوتين إقليميتين كبيرتين.

وتوقف الإمام عند معركة جالديران عام 1514، معتبرًا أنها كانت من المحطات المهمة في تاريخ المنطقة، بعدما أسهمت في ترسيم حدود النفوذ بين الدولة العثمانية وبلاد فارس.

وقال إن الكرد لعبوا دورًا مهمًا في تمكين العثمانيين من التوسع في الأناضول، موضحًا أن المناطق الواقعة شرق جبال زاغروس دخلت ضمن حدود إيران، بينما أصبحت المناطق الواقعة غربها ضمن الدولة العثمانية.

وأضاف أن الحرب العالمية الأولى وما تبعها من ترتيبات، ومن بينها اتفاقية سايكس-بيكو، أدت إلى بقاء المناطق الكردية الشرقية ضمن إيران، بينما توزعت المناطق الواقعة غرب زاغروس بين تركيا والعراق وسوريا.

ورأى أن هذه التطورات شكلت إحدى مراحل نشوء القضية الكردية بصورتها الحديثة، مع توزع الكرد بين أربع دول.

وقال الإمام إن الكرد واجهوا خلال القرن العشرين ما وصفه بثلاثة مشروعات رئيسية هي «التتريك والتعريب والتفريس»، معتبرًا أن هذه السياسات تضمنت، بحسب وصفه، محاولات متعددة للتأثير على الهوية الكردية، إلى جانب الإقصاء والنفي والتهجير وتغيير الهوية.

مصر والقضية الكردية

وانتقل الإمام إلى الحديث عن علاقة مصر بالقضية الكردية، موضحًا أن مصر خلال القرن التاسع عشر كانت مرتبطة بالدولة العثمانية، قبل الاحتلال البريطاني، لتصبح أمام تداخل بين النفوذ العثماني والوجود البريطاني وحكم أسرة محمد علي.

وقال إن مصر مثلت مساحة مهمة للكرد وغيرهم من أصحاب القضايا السياسية، كما أصبحت مركزًا للكتب والطباعة وتبادل الأفكار.

وأشار إلى صدور أول جريدة كردية في العالم، «كردستان»، في مصر في 22 أبريل 1898، موضحًا أنها صدرت باللغة الكردية السورانية، قبل أن تصل نسخها إلى مناطق مختلفة كانت تشهد نشاطًا كرديًا.

واعتبر أن صدور الصحيفة من مصر مثل محطة مهمة في تاريخ الصحافة الكردية، وأصبح تاريخ صدورها يُحتفى به باعتباره عيد الصحافة الكردية.

وتناول الإمام كذلك شخصية صلاح الدين الأيوبي باعتبارها إحدى أبرز نقاط التلاقي التاريخي بين العرب والكرد، مشيرًا إلى أن صلاح الدين قاد مشروعًا إسلاميًا واسعًا لتحرير القدس، وشارك في جيشه آلاف الجنود الكرد.

وأكد أن صلاح الدين أسس كيانًا إسلاميًا وليس كيانًا كرديًا، إلا أن شخصيته بقيت حاضرة باعتبارها رمزًا للتلاقي بين العرب والكرد، وبين المصريين والكرد بصورة خاصة.

الحضور الكردي في مصر

وحول الوجود الكردي في مصر، قال الإمام إن الكرد لم يشكلوا جالية واضحة المعالم مثل الأرمن واليونانيين، وإنما اندمجوا في المجتمع المصري وتزوجوا من المصريين.

وأشار إلى بقاء آثار لهذا الحضور في عدد من الأماكن، من بينها «رواق الأكراد» و«حارة الأكراد» وبعض القرى التي تحمل أسماء كردية.

وأضاف أن عدم وجود أندية أو مدارس كردية خاصة حال دون تشكل جالية كردية بالمعنى المعروف لدى بعض الجاليات الأخرى، مرجعًا ذلك إلى سهولة الاندماج والزواج بين المصريين والكرد.

مصر كمساحة للمضطهدين

وقال الإمام إن مصر مثلت، تاريخيًا، ملجأ لعدد من المعارضين والمضطهدين القادمين من مناطق مختلفة، معتبرًا أن الصحافة المصرية عكست اهتمامًا بالقضية الكردية.

وأضاف أن هذا التفاعل أسهم، بحسب رؤيته، في خلق حالة من التقارب بين المصريين والكرد.

وتطرق إلى تطورات القضية الكردية في تركيا بعد تأسيس الجمهورية، مشيرًا إلى ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وما تبعها من صدامات وقمع، وإلى استمرار عدم معرفة مكان دفن الشيخ سعيد حتى اليوم.

وأشار الإمام إلى إعادة تنظيم الحركة الكردية في كيان «خويبون»، موضحًا أن التنظيم أسس خلايا في عدد من المناطق، وأن الخلية المصرية ساهمت في نشر المواد المتعلقة بالقضية الكردية.

وقال إن عددًا من إصدارات «خويبون» خرجت من مصر، كما صدرت في القاهرة كتب تناولت القضية الكردية وثورة الشيخ سعيد بيران.

وتحدث الإمام عن كتاب «شرفنامه»، معتبرًا أنه من أهم الكتب التي حفظت جانبًا من التاريخ الكردي.

وأوضح أن إحدى الطبعات الأولى للكتاب صدرت في مصر باللغة الفارسية، مشيرًا إلى دور فرج الله الكردي في طباعته، ثم جهود محمد علي عوني، وهو كردي مصري عمل مترجمًا في القصر الملكي، في تحقيق الكتاب والمساهمة في ترجمته إلى العربية.

وقال إن نشر «شرفنامه» في مصر أسهم في الحفاظ على جزء مهم من التاريخ الكردي، مشيرًا إلى أن النسخ المطبوعة في مصر لم تواجه القيود التي واجهتها في أماكن أخرى.

 جمال عبد الناصر والقضية الكردية

وتوقف الإمام عند فترة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، قائلًا إن مصر أولت بين عامي 1954 و1967 اهتمامًا بالقضية الكردية.

وأوضح أن عبد الناصر، وفق رؤيته، لم يكن يدعو إلى إقامة دولة كردية مستقلة، وإنما كان يؤيد حصول الكرد على حقوقهم الثقافية والقومية داخل الدول التي يعيشون فيها، مع الحفاظ على وحدة تلك الدول.

وأشار إلى أن هذا الموقف ارتبط في الوقت نفسه بتمسك عبد الناصر بمشروع الوحدة العربية.

وقال الإمام إن إذاعة «صوت العرب» بدأت في 15 يونيو 1955 بث برنامج باللغة الكردية، استمر حتى عام 1967، موضحًا أن البرنامج بدأ بمدة قصيرة قبل أن يتوسع لاحقًا.

وأضاف أن البث كان يجمع بين السورانية والكرمانجية، وأن البرنامج أتاح تبادل الرسائل ومناقشة القضايا المرتبطة بالكرد.

وأشار إلى أن ضغوطًا بريطانية طالبت بإلغاء البرنامج، لكن عبد الناصر أطلق، بحسب روايته، ساعة أخرى عبر الإذاعات الموجهة، وكان من أوائل مذيعيها معصوم مرزوق.

وقال إن تقارير بريطانية وأمريكية رأت في النشاط الإذاعي المصري تطورًا في طريقة طرح القضية الكردية، فيما أشار إلى وصول عدد مستمعي الإذاعات المصرية الموجهة باللغة الكردية إلى أكثر من مليوني مستمع في العراق وسوريا وتركيا وإيران، وفق التقارير التي استند إليها.

وأضاف أن هزيمة يونيو 1967 دفعت عبد الناصر إلى التركيز بصورة أكبر على الوضع الداخلي، قبل أن يتراجع الاهتمام المصري بالقضية الكردية.

وأشار الإمام كذلك إلى قيام مصر بطباعة آلاف النسخ من كتاب «شرفنامه»، موضحًا أن بعض هذه النسخ جرى تهريبها إلى مناطق وجود الحركات الكردية.

وقال إن مصر طبعت 15 ألف نسخة، بينها 10 آلاف نسخة من الجزء الأول و5 آلاف من الجزء الثاني، معتبرًا أن ذلك أسهم في إبراز التاريخ والهوية الكردية.

مصر والقضية الكردية اليوم

وفي حديثه عن الموقف المصري الحالي، قال الإمام إن القاهرة تستقبل تيارات كردية مختلفة، مشيرًا إلى وجود ممثلين عن اتجاهات سياسية كردية متعددة في مصر عبر قنوات إعلامية وبرامج ووكالات أنباء.

واستشهد كذلك بموقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه بالناشطة الإيزيدية نادية مراد، مشيرًا إلى حديثه عن أهمية الحفاظ على هويتها وثقافتها، مع رفض تقسيم الدول.

واختُتم اللقاء بفتح باب النقاش أمام المشاركين، الذين طرحوا تساؤلات ومداخلات حول تاريخ العلاقة بين مصر والكرد وأبعاد القضية الكردية السياسية والثقافية، وسط نقاش تناول مختلف المراحل التاريخية التي استعرضها اللقاء.

قد يهمك