بث تجريبي

في ندوة بالقاهرة.. مثقفون وأكاديميون يناقشون مستقبل القضية الكردية وتفاعلات القوى الدولية والإقليمية

عقد مركز آتون للدراسات، أمس الاثنين 12 أكتوبر، ندوة بعنوان “تجليات التفاعل الدولي والإقليمي مع الكرد”، بمشاركة عدد من الباحثين والمتخصصين، لمناقشة أبعاد التفاعلات الدولية والإقليمية المرتبطة بالقضية الكردية، في ظل التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة، وما تفرضه من تحديات وفرص على مستقبل الكرد وعلاقاتهم بالقوى الإقليمية والدولية.

وضمت منصة المتحدثين في الندوة كل من أ.د. محمد رفعت الإمام أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، ود. أحمد إنبيوة، وهو متخصص في علم التاريخ، وطارق البرديسي الخبير في العلاقات الدولية، فيما أدارتها الإعلامية والكاتبة الصحفية جاكلين جرجس.

محاور الندوة

وتناولت الندوة عدداً من القضايا المرتبطة بمواقف القوى الدولية والإقليمية من القضية الكردية، وانعكاسات التوازنات السياسية والاستراتيجية في المنطقة على مسارات التفاعل مع الكرد، إلى جانب بحث طبيعة المصالح والحسابات التي تحكم مواقف الأطراف المختلفة تجاه تطورات الملف الكردي.

واستهلت الإعلامية جاكلين جرجس الندوة بالترحيب بالحضور والمشاركين، مؤكدة أهمية مناقشة القضية الكردية باعتبارها إحدى القضايا المحورية في الشرق الأوسط، لما تمثله من تأثير في معادلات الاستقرار والتوازنات الجيوسياسية بالمنطقة. وأوضحت أن الندوة تتناول تجليات التفاعل الدولي والإقليمي مع الكرد من خلال ثلاثة محاور رئيسية، يناقش أولها تقاطعات السياسات الدولية والإقليمية وشبكة المصالح والعلاقات المؤثرة في القضية الكردية.

ويتناول المحور الثاني الأبعاد السياسية والفكرية والثقافية والتنموية للقضية الكردية، مع التركيز على أفكار الزعيم الكردي عبد الله أوجلان وآفاق الحل الديمقراطي، فيما يناقش المحور الثالث عملية السلام، وأسباب تعثرها، والأطر السياسية والأمنية والدستورية الكفيلة بضمان نجاح الحوار واستدامة الاستقرار.

دور بريطانيا في مؤامرة اعتقال أوجلان

أول المتحدثين كان الأستاذ الدكتور محمد رفعت الإمام، والذي ركز في كلمته على الدور البريطاني في عملية اعتقال الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في 15 فبراير 1999، مستعرضاً الحسابات السياسية والاستخباراتية التي حكمت موقف لندن من القضية، والعلاقة بين مصالحها الاقتصادية مع تركيا والتزاماتها المعلنة بالدفاع عن حقوق الإنسان.

وأوضح الإمام أن اختياره التركيز على بريطانيا يرجع إلى دورها التاريخي في تقسيم كردستان، ومساهمتها في الحيلولة دون قيام دولة كردية، فضلاً عن خبراتها السياسية والاستخباراتية الممتدة. وأشار إلى أن عملية اعتقال أوجلان شهدت أدواراً لأجهزة استخبارات أمريكية وإسرائيلية، لكنه سعى إلى تحليل موقع بريطانيا من العملية وتداعياتها.

واستعرض ثلاثة ملفات رئيسية كانت حاضرة في الحسابات البريطانية وقت الاعتقال، أولها العلاقات التجارية مع تركيا، التي أشار إلى أن حجمها بلغ نحو 8 مليارات جنيه إسترليني سنوياً، وثانيها وجود نحو 100 ألف كردي في بريطانيا، بما يمثله ذلك من اعتبارات تتعلق بحقوق الإنسان والاستقرار الداخلي، وثالثها الشراكة البريطانية الأمريكية في إطار الحرب على الإرهاب.

ووصف الإمام السياسة البريطانية تجاه القضية بأنها “التوازن القذر”، موضحاً أن لندن سعت إلى حماية مصالحها مع أنقرة، مع تجنب الظهور بمظهر المتجاهل لحقوق الإنسان. وتناول ما عرضه بشأن البرقيات الدبلوماسية البريطانية في أعقاب الاعتقال، مشيراً إلى أن السلطات البريطانية فضلت الصمت خلال الأيام الأولى، إلى حين تنسيق المواقف مع الشركاء الأوروبيين، مع إعطاء الأولوية لحماية المواطنين والمصالح البريطانية.

كما توقف عند المظاهرات الكردية التي شهدتها لندن في 18 فبراير 1999، والتي قدر عدد المشاركين فيها بنحو 4500 إلى 5000 شخص، معتبراً أنها شكلت عامل ضغط على الحكومة البريطانية ودفعًا نحو إعلان موقف رسمي. وأشار إلى أن وزير الخارجية البريطاني رحب باعتقال أوجلان، مع التشديد على ضرورة ضمان محاكمة عادلة وفق المعايير الدولية، وعدم تطبيق عقوبة الإعدام، ودعم حق تركيا في مكافحة الإرهاب ضمن سيادة القانون والمبادئ الديمقراطية.

تقرير الاستخبارات البريطانية

وتطرق الإمام إلى تقرير الاستخبارات البريطانية المؤرخ في 20 فبراير 1999، قال إنه توقع ألا يؤدي اعتقال أوجلان إلى إنهاء تمرد حزب العمال الكردستاني، محذراً من تحوله إلى رمز سياسي من داخل السجن، ومن تصاعد الضغوط على تركيا بشأن حقوق الإنسان. كما أشار إلى أن التقرير ربط بين تداعيات القضية ومصالح بريطانيا الاقتصادية وعلاقاتها الأوروبية مع تركيا.

وفي قراءته لهذه التقديرات، رأى الإمام أن المخابرات البريطانية أدركت أن اعتقال جسد أوجلان يساوي إطلاق الفكرة. كما أن عدداً من التوقعات لهذا التقرير الاستخباراتي تحقق لاحقاً، لا سيما استمرار القضية الكردية، وتحول أوجلان إلى شخصية رمزية، وتصاعد المسارات السياسية المرتبطة بها. وخلص إلى أن بريطانيا اختارت منطقة رمادية تجمع بين الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وتجنب تحمل تبعات أخلاقية وسياسية مباشرة.

التحول من الكفاح المسلح إلى السياسة الديمقراطية

انتقلت الكلمة إلى الدكتور أحمد إنبيوة، والذي قال إن القضية الكردية تمر بمرحلة مفصلية تتطلب الانتقال من منطق الصراع المسلح إلى آفاق الحل السياسي والديمقراطي، مشيراً إلى أن تجربة الزعيم الكردي عبد الله أوجلان تطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإمكانية معالجة قضايا الهوية والحقوق والتمثيل السياسي بعيداً عن العنف.

وأوضح أن قراءته للقضية الكردية تنطلق من تداخل مجموعة من العوامل، تشمل الدولة القومية والهوية والجغرافيا والذاكرة، فضلاً عن التشابك بين الحسابات الأمنية الإقليمية والمصالح الدولية. ولفت إلى أهمية دراسة تجربة أوجلان ليس فقط بوصفه أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالصراع التركي الكردي، وإنما أيضاً من زاوية التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها أفكاره خلال سنوات سجنه في جزيرة إمرالي.

وأشار إنبيوة إلى أن السجن، الذي يفترض أن يعزل الفاعل السياسي عن محيطه، لم ينهِ بالضرورة تأثير أوجلان، إذ استمرت أفكاره ورسائله ومقترحاته في الحضور ضمن النقاشات المتعلقة بمستقبل القضية الكردية. ورأى أن هذه التجربة تفتح المجال لفهم كيفية انتقال التأثير السياسي من الفعل المباشر إلى إنتاج الأفكار والمساهمة في تشكيل مسارات التفاوض والحوار.

وتناول التحول في الخطاب الفكري المرتبط بأوجلان، من التركيز التقليدي على الأرض والدولة والثورة والتنظيم المسلح، إلى مفاهيم المجتمع الديمقراطي والديمقراطية المحلية والكومونة والتعايش والمساواة بين الجنسين. وأوضح أن هذا التحول يعيد طرح سؤال الحل السياسي، من السعي إلى امتلاك الأرض وإقامة دولة قومية إلى البحث في كيفية إدارة المجتمع وضمان مشاركة أفراده في الحياة السياسية.

الحاجة إلى ضمانات

وفي هذا السياق، توقف إنبيوة عند دعوة أوجلان، في 27 فبراير 2025، إلى إنهاء الكفاح المسلح وحل حزب العمال الكردستاني، وما أعقبها من إعلان الحزب حل بنيته التنظيمية وإنهاء العمل المسلح في مايو من العام نفسه. وأكد أن هذه التطورات تنقل النقاش من كيفية إنهاء الصراع إلى طبيعة المرحلة التالية، محذراً من أن وقف القتال أو تسليم السلاح لا يعنيان بالضرورة تحقق السلام، ما لم تصاحبهما ضمانات قانونية وسياسية تعالج قضايا المواطنة والحقوق والتمثيل واللغة والإدارة المحلية.

وشدد على أن نجاح الحل الديمقراطي يتطلب تحقيق تقدم متزامن على أربعة مستويات مترابطة، هي الأمن والقانون والسياسة والمجتمع، بما يضمن إنهاء العنف، ووضع قواعد واضحة للانتقال، وتحويل القضية من ملف أمني إلى مسار تفاوضي وبرلماني ومجتمعي، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمكونات المختلفة.

كما أكد أن القضية الكردية لا يمكن اختزالها في السياق التركي وحده، بالنظر إلى امتداداتها في العراق وسوريا وإيران، واختلاف الظروف السياسية والاجتماعية من دولة إلى أخرى. وخلص إلى أن نجاح المرحلة المقبلة لا يتوقف على دور أوجلان وحده، بل يرتبط بقدرة الأطراف المعنية على تحويل فرصة وقف الحرب إلى مسار سياسي مستدام، ينتقل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع من إدارة الصراع إلى إدارة الاختلاف.

تقاطعات القضية الكردية

أما طارق البرديسي خبير العلاقات الدولية فقال إن القضية الكردية تتجاوز كونها قضية محلية تتعلق بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية، لتتقاطع مع حسابات الدولة الوطنية والأمن القومي الإقليمي ومصالح القوى الدولية، مشدداً على أن مستقبل هذه القضية يرتبط بقدرة دول المنطقة على تحقيق التوازن بين الحفاظ على وحدة أراضيها وضمان حقوق الكرد وهويتهم وخصوصيتهم الثقافية.

وأوضح البرديسي أن التعامل مع القضية الكردية يتطلب قراءة متأنية لطبيعة التفاعلات الإقليمية والدولية، في ظل ما وصفه بتناقض سياسات القوى الكبرى، التي قد تقدم الدعم للكرد في مرحلة، قبل أن تتخلى عنهم عندما تتعارض مطالبهم مع مصالحها الاستراتيجية، مشيراً إلى أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح في كثير من الأحيان، وليس المبادئ المعلنة وحدها.

وأضاف أن القوى الدولية قد توظف القضية الكردية باعتبارها ورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية، مستفيدة من تطلعات الكرد وخصوصية هويتهم، قبل أن تعيد ترتيب أولوياتها وفقاً لتغير الظروف والمصالح، وهو ما يفرض ضرورة الحذر من الارتهان للأجندات الخارجية أو بناء المشروعات السياسية المحلية على تعهدات دولية متغيرة.

وأشار البرديسي إلى أن القضية الكردية تتسم بتعقيدات إضافية، تتمثل في وحدة الهوية والجغرافيا الكردية، مقابل تعدد المشروعات السياسية واختلاف الظروف التاريخية والقانونية والأمنية والاجتماعية للكرد في تركيا وسوريا والعراق وإيران، مؤكداً أن التعامل مع هذه الحالات باعتبارها كتلة سياسية واحدة يتجاهل الفوارق الجوهرية بين واقع الكرد في كل دولة.

القضية الكردية في تركيا

وفيما يتعلق بتركيا، أوضح أن استمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية لن يحقق الاستقرار المنشود، وأن الحلول السياسية والتسويات القائمة على الحوار أكثر قدرة على معالجة جذور الأزمة، بما يحفظ حقوق الكرد ويصون وحدة الدولة الوطنية. كما لفت إلى أن تطورات الملف الكردي في سوريا ترتبط بقدرة الدولة السورية الجديدة على استيعاب الكرد وإشراكهم في مؤسساتها، بعيداً عن تبادل المسؤولية بين الأطراف المختلفة، في وقت تتشابك فيه القضية مع النفوذ التركي وتوازنات المنطقة.

وأضاف أن العلاقة بين بغداد وأربيل لم تعد تقتصر على الخلافات السياسية، بل امتدت تداعياتها إلى ملفات الأمن والنقل والطاقة، بينما يرتبط الملف الكردي في إيران بأمن الحدود والتوازنات الإقليمية واحتمالات توظيفه في الصراعات الخارجية.

الكرد ليسوا مجرد ورقة

وشدد على أن الكرد لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مجرد ورقة في حسابات القوى الدولية، بل أصحاب حقوق ومصالح أصيلة يجب أن يكونوا طرفاً رئيسياً في أي تسوية تتعلق بمستقبلهم، مؤكداً ضرورة التمييز بين الدعم الدولي الذي يسهم في تحقيق تسوية مستدامة، والتوظيف السياسي الذي يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات.

وأكد البرديسي أن المعادلة المطلوبة تقوم على الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التنوع، من خلال الاعتراف بالخصوصية الثقافية والاجتماعية والسياسية للكرد، وضمان مشاركتهم في الحياة العامة ومؤسسات الدولة، بما يعزز الاستقرار ويحمي وحدة الأراضي الوطنية.

واختتم بالتأكيد أن التنوع القومي والثقافي في المنطقة يمثل مصدر ثراء وقوة، وليس تهديداً في حد ذاته، وأن الاستقرار لا يتحقق بإلغاء الهوية الكردية أو الانتقاص من حقوق أصحابها، كما لا يتحقق بتفكيك الدول الوطنية. واعتبر أن الحل يكمن في بناء دولة مؤسسات دستورية قادرة على استيعاب مختلف مكوناتها، وصون حقوقها، والحفاظ على وحدة أراضيها، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي تقدم مصالحها على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

وفي ختام الندوة، فُتح باب النقاش أمام المشاركين والحضور، الذين طرحوا عدداً من التساؤلات والمداخلات بشأن مستقبل القضية الكردية، وانعكاسات التحولات الإقليمية والدولية على مساراتها السياسية، وفرص الانتقال من الصراع إلى الحلول السلمية والديمقراطية. وكذلك طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى الدولية في دعم تسوية مستدامة.

وشهدت المداخلات تبادلاً للرؤى بشأن أفكار الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، وآفاق عملية السلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقها في 27 فبراير 2025، والضمانات الدستورية والسياسية اللازمة لإنجاحها، بما يعزز الحوار ويحد من فرص تجدد الصراعات في المنطقة.

قد يهمك