لم تكن علاقة مصر بنضال الكرد الطويل وليدة تداعيات ثورة 23 يولية 1952م، ولكنها كانت حصاد تراكمات تاريخية منذ رمزية صلاح الدين محرر القدس وجريدة كردستان 1898م ورواق الأكراد بالأزهر وتأسيس جمعيات كردية أسهمت في تكريس ماهية الكرد وكردستان والكردية. وفي 12 نوفمبر 1931م، عقب فشل ثورة أرارات الكردية، نشرت جريدة الأهرام بأنه لا يُمكن تحقيق السلام في الشرق على “ظلم قومية كاملة”.
هكذا، بدأ الرئيس المصري جمال عبد الناصر (1954-1970م) علاقته بالكرد على أرض ممهدة؛ شعب متعاطف مع القضية الكردية، ونخبة كردية في مصر، وتاريخ مشترك. بيد أن عبد الناصر قد أسهم بامتياز في نقل الاهتمام المصري من “القول إلى الفعل”، ومن الجمعيات إلى المخابرات، ومن البيانات إلى السلاح. وهنا، إستفادت القضية الكردية من إرادة ناصر الساسية وأجهزة الدولة المصرية. والأهم، مشروع ناصر القومي. وفي خطاب بجامعة القاهرة يوم 23 يولية 1957 قال ناصر: نحن مع الشعوب في تقرير مصيرها. ومع وحدة العراق أرضًا وشعبًا. تلك، هي عقيدة مصر الناصرية إزاء الكرد. وفي 14 يولية 1958م، قال ناصر: ” حق الأكراد مقدس”.
وفي ذكرى وفاة ناصر، 28 سبتمبر 1970م؛ أي بعد مرور 56 عامًا، يظل هو أهم رئيس عربي اهتم بالقضية الكردية. وبهذه المناسبة، سوف أركز على قضية جد مهمة ارتبطت بدور مصر في إنتاج المعرفة الكردية التي أسهمت في تكريس الهوية الكردية وإبرازها في العقل الجمعي العربي بشكل واقعي نقلها من خانة الغموض والإلتباس والضبابية إلى آفاق الحقيقة والواقعية والآمال المشروعة.
صــوت كــردستـــان
استثمر عبد الناصر نجاح وانتشار إذاعة “صوت العرب” من القاهرة (1953) في دعم القضية الكردية. إذ بثت برنامج “صوت كردستان” منذ 15 يونية 1955 حتى 4 يونية 1967م. وقد بدأ البث لمدة ربع ساعة يوميًا في تمام الساعة السابعة والنصف صباحًا. ومنذ عام 1957م، امتد البث لمدة ساعة مقسمة على موعدين؛ السابعة والنصف مساءً ثم العاشرة والنصف مساءً بتوقيت القاهرة. وكان البث باللغة الكردية السورانية (70%) واللغة الكردية الكرمانجية (30%). كان د. نوري طالباني المذيع الرئيسي (1955-1963م) وكاوه (1964-1967م).
وقد اتسمت الخريطة البرامجية عند التأسيس (1955-1957) بتعريف العرب بالقضية الكردية والتراث والأغاني الكردية علاوة على الأخبار. وتميزت الفترة من 1958-1961م بالتصعيد والهجوم على حلف بغداد ودعم الثورة الكردية. وإبان الفترة من 1963-1966م، قدمت نشرات عسكرية وبيانات ورسائل دعمًا للكرد ونضالهم. وقد توقف البث منذ 5 يونية 1967م بسبب العدوان الإسرائيلي على مصر ونكسة 1967م.
انقسم برنامج “صوت كردستان” في إذاعة صوت العرب إلى:
افتتاحية (دقيقتان): هنا القاهرة … إلى أبناء كردستان صوت العرب الأحرار إلى أبناء كردستان. صوت الحرية
نشرة الأخبار (8 دقائق): أخبار كردستان، العراق، مصر والتركيز على شهداء القصف في كردستان.
التعليق السياسي (7 دقائق): بعنوان “كلمة القاهرة، وأشهر الجمل: يا أكراد ناصر معكم.
التراث والثقافة ( 5 دقائق): حكايات عن صلاح الدين الكردي الذي حرر القدس والشعر الكردي والأغاني الكردية.
رسائل المستمعين (5 دقائق): من الأخ كاوة من أربيل: بنسمعكم تحت الجبل، ومن الأخت ليلى من دهوك تقول: بنات كردستان مع نضال مصر (1956)
الخاتمة ( 3 دقائق ): وغدا نلتقي … وعاشت كردستان حرة.
وثمة أمثلة جديرة بالذكر في لغة خطاب “صوت كردستان ” من إذاعة صوت العرب من القاهرة. ففي 22 مارس 1956م، وبمناسبة عيد النوروز بالأمس، بثت الإذاعة المصرية: أيها الكرد .. اليوم ناركم تشتعل في كل جبل. والرئيس جمال عبد الناصر يحييكم ويقول: قضيتكم قضيتنا.. من القاهرة نُحي شهداء 1925، شهداء الشيخ سعيد. ونقول لحكام بغداد: لا وحدة مع الظلم، ولا عروبة مع القمع. كردستان حرة .. وعاشت الوحدة العربية”. وفي 14 يولية 1964م: “يا أبناء العراق .. حكومتكم تقتل الأكراد بالكيماوي، وعبد الناصر يقول لكم “عيب”. وفي 23 يولية 1965م: “القضية الكردية هي اختبار لعروبة أي حاكم في بغداد، إن عبد الناصر معكم. والوحدة العربية لا تعني وحدة الظالم مع المظلوم”.
وعلاوة على برنامج “صوت كردستان” بالكردية في إذاعة صوت العرب من القاهرة، ثمة برامج متعددة باللغة العربية بثتها شبكة صوت العرب عن الكرد وتاريخهم وثقافتهم وقضيتهم العادلة. ونظرًا للتأثير الواسع لبرنامج “صوت كردستان” وكل ما يصدر عن شبكة “صوت العرب”، اشترى العراق أجهزة تشويش من بريطانيا. ولذا، ردت مصر بزيادة البرنامج الكردي من ربع ساعة يوميًا إلى ساعة يوميًا مقسمة على فقرتين إذاعيتين (المساء والسهرة). ليس هذا فحسب، فقد أسست مصر “البرنامج الكردي” ضمن شبكة الإذاعات الموجهة لمدة ساعة يوميًا (من الرابعة إلى الخامسة عصرًا) ابتداءً من أول يونية 1957. وكانت تبدأ بالقرآن والنشيد القومي الكردي (آي رقيب). وظل البرنامج الكردي ضمن الإذاعات الموجهة بالإذاعة المصرية يعمل بامتياز حتى عام 1968 عندما اضطرت مصر إلى إغلاقه تحت ضغوطات تركية وإيرانية وعراقية.
هكذا، يُعد عام 1957م ذروة البث الإذاعي الكردي من القاهرة. ورغم وجود محطات إذاعية كردية في يريقان وموسكو وبراغ، فقد كانت برامج القاهرة الكردية هي الأكثر استماعًا لأنها الوحيدة التي لا تتحدث عن “الشيوعية” وتدعم “القومية الكردية” حسب تحليل المخابرات البريطانية والأمريكية.
ورغم أن المخابرات العراقية والإيرانية والتركية قد تابعت بث البرامج الكردية القاهرية لحظة بلحظة نظرًا لتأثيرها المباشر على المكوَّن الكردي في دولهم، فقد أولت المخابرات البريطانية عناية ملحوظة بها، وكلَّفت أذرعها بعمل “تقرير مراقبة” و “تقرير استماع” لكل ما تبثه برامج القاهرة الكردية. ولاغرو؛ إذ كانت بريطانيا مهندس تقسيم كردستان.
ولنأخذ مثلاً، تقرير السفارة البريطانية بالقاهرة في 14 نوفمبر 1957، رفعه السير هامفري تريفليان إلى وزارة الخارجية. ويُعد هذا التقرير كاشفًا بامتياز لتأثير “صوت كردستان” حيث كشف حجم وخطورة البث المصري من وجهة نظر “الخصوم”. وقد اعترف السفير البريطاني بأن عدد المستمعين تراوح بين 1.5 إلى 2 مليون كردي في العراق وإيران وتركيا وسورية مما يعكس أن البرامج الكردية لم تعد موجهة للكرد فقط بل أصبحت بمثابة “إذاعة إقليمية”.
وفيما يتعلق بالأثر السياسي، وصف التقرير البريطاني البث الكردي من القاهرة بأنه “يُسبب إحراجًا كبيرًا للحكومة العراقية ويمنح الكرد هيبة دولية”. وأشار إلى احتجاجات رسمية من تركيا وإيران بأن هذا البث يُسبب “تشجيع النزعات الإنفصالية” في مناطقهم الكردية.
وقد لاحظ السفير البريطاني بأن البث الكردي اعتبارًا من عام 1957 اتسم بالطابع السياسي بنسبة 90% مقابل 10% ثقافي. وقد سارت الخريطة البرامجية على أسس الهجوم على حلف بغداد باعتباره أداة استعمارية ضد الكرد والعرب، وكذا الربط بين الثورة المصرية (1952) ونضال الكرد وعدالة قضيتهم. وضرب مثلاً، بيوم النوروز آنف الذكر: اليوم هو يوم النار. اليوم هو يومكم. الرئيس ناصر يقول لكم: حريتكم هي حريتنا”.
وقد أوصى التقرير البريطاني “الاستخباراتي” بأن تبدأ BBC خدمة كردية في أقرب وقت وتخصيص ميزانية (50 ألف جنيه استرليني سنويًا) “لأننا لا نستطيع مواجهة الدعاية المصرية بخدمتنا العربية الحالية لهيئة الإذاعة البريطانية”. والخلاصة طبقًا للتقرير البريطاني: “البث الكردي المصري لم يعد مجرد إذاعة، إنه سلاح، وإنه يعمل”.
وحسب تقرير السفارة البريطانية بالقاهرة إلى الخارجية البريطانية يوم 12 أكتوبر 1965 عن “تأثير الإذاعة المصرية على الكرد 1965” استمرار تزايد المستمعين في العراق وتركيا وإيران بانتظام. وقد تسببت البرامج الكردية في “نقل القضية الكردية من كونها تمرد قبلي إلى قضية قومية عادلة في وعي الشارع العربي. ارتفعت نسبة المتعاطفين العرب مع الكرد من 10% عام 1960 إلى 60% عام 1965”.
وتعتبر بغداد الإذاعة الكردية “أخطر سلاح مصري”. وقد خصصت 3 محطات تشويش على مدار اليوم ضدها بتكلفة تفوق تكلفة البث المصري نفسه. وأوصت السفارة البريطانية بالقاهرة حكومتها بـ “الضغط دبلوماسيًا على القاهرة لوقف البرنامج الكردي؛ فهو يقوَّض استقرار حليفنا في بغداد ويُطيل أمد الصراع في شمال العراق”.
وقد ختم السفير البريطاني تقريره لعام 1965 على هذا النحو: “فعلت إذاعة القاهرة للكرد ما لم تفعله عشر فرق عسكرية. لقد أعطتهم صوتًا وهوية وظهرًا دوليًا. وهذا هو الخطر الحقيقي”.
وعلى ذات الدرب، تابعت المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) عن كثب كل ما صدر عبر أثير “صوت كردستان” في الإذاعة المصرية. وأكدت على أن القاهرة تدعم الكرد بالسلاح والمال والإعلام. ويُعد برنامج “صوت كردستان” أخطر عناصر الدعم فعالية. إذ يصل إلى 2 مليون مستمع ويكسر الروح المعنوية للجيش العراقي. لقد خلقت الإذاعة واقعًا جديدًا للكرد. وحسب CIA؛ يوجد 18 ضابط مخابرات مصري موجودين في جبال كردستان للتنسيق الإعلامي والعسكري. ولذا، يجب توجيه الشاه الإيراني للضغط على القاهرة لوقف البث. وبسبب الكرد، لأول مرة منذ عشر سنوات اتفقت بغداد وطهران بسبب الخوف من الدعاية المصرية. نجح البرنامج الكردي المصري في أن ” يحلق هوية كردية عابرة للحدود”، وهذا يُعد – والكلام للمخابرات الأمريكية – “أخطر نتيجة على المدى الطويل”.
ولم يقتصر دعم مصر الناصرية للكرد عبر أثير الإذاعة فقط التي خلقت “واقعًا جديدًا” لهم و”هوية عابرة للحدود”، بل امتد الدعم إلى الكتاب المطبوع الذي يُكرس الهوية الكردية ويرصد جذورها التاريخية على نحو ما سوف نعرضه حالاً.
شرفنامه: ديــوان الكــــرد
رغم أن مصر لم ترد في “شرفنامه” إلا زمن الأيوبيين (1174-1250م) إبان العصور الوسطى ضمن المجلد الأول، فقد أسهمت مصر الحديثة في إنتاج المعرفة الكردية وبالأخص كتاب “شرفنامه”. ففي عام 1930م، شهدت القاهرة طباعة “شرفنامه” بالفارسية بفضل جهود ناشره فرج الله زكي الكردي (1882-1940م) ومساعده في كتابة حواشي الكتاب والمصحح اللغوي محمد علي عوني (1879 – 1952م). ولم تقف أهمية عوني عند هذا الحد، بل كتب مقدمة (32 صفحة) بالعربية للطبعة الفارسية، وبدأ في ترجمة “شرفنامه” إلى العربية اعتمادًا على طبعة القاهرة الفارسية. ورغم أن عوني قد أنهى ترجمة “شرفنامه” إلى العربية في عام 1948م، فإنه لم يتمكن من طباعتها آنذاك ووافته المنية في 12 يونية 1952م. ومن المفارقات، بينما كان عوني منشغلا ً في ترجمة “شرفنامه” حتى عام 1948م ووفاته عام 1952م، كان الملا محمد جميل روزبياني (1913-2001م) قد أنجز ترجمة عربية موازية وطبعها المجمع العلمي العراقي ببغداد في نفس سنة وفاة محمد علي عوني بالقاهرة (1952م).
وبعد ست سنوات على وفاة عوني، تقدم ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الشاب جلال طالباني صاحب الـ “25” ربيعًا بمذكرة في 18 يولية 1958م إلى الرئيس جمال عبد الناصر بطباعة كتاب “شرفنامه” بالعربية ليكون للكرد بمثابة “الشاهنامه” للفرس. وقد وافق ناصر، وأصدر توجيهاته إلى د. ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد القومي الذي أسرع في تنفيذ “التوجيه الرئاسي” للطلب الكردي، وأصدر القرار رقم 142 في 5 أغسطس 1958م بطباعة كتاب “شرفنامه” تأليف شرف خان البيتليسي (البدلسي) على نفقة الدولة (المادة الأولى)، وتخصيص (15) ألف جنيهًا من الموازنة العامة (1958-1959م) لطباعة (10) آلاف نسخة من الجزء الأول (المادة الثانية)، ويُوزع مجانًا داخل الجمهورية العربية المتحدة وسفاراتها في الخارج علاوة على المنظمات والحركات التحررية في الشرق الأوسط (المادة الثالثة).
وقد حصلت وزارة الثقافة على مخطوط ترجمة عوني من أسرته وبرعاية صديقه الشيخ عمر وجدي شيخ رواق الأكراد بالأزهر الشريف. وعكف على مراجعته د. يحيى الخشاب (1909-198١م) من رواد الدراسات الشرقية بمصر. وفي 15 سبتمبر 1958م، صدر الجزء الأول من “شرفنامه” بتكليف من الإدارة العامة للثقافة – وزارة التربية والتعليم (المصرية) عن دار إحياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي وشركاه). وفي يولية 1962م، صدر الجزء الثاني (20 ألف نسخة) عن نفس دار النشر ولكن بإشراف الإدارة العامة للثقافة، قسم الترجمة والألف كتاب، وزارة التعليم العالي.
ورغم قناعة ناصر بعدالة قضية الكرد وأحقيتهم في أن يكون لهم كيان سياسي مستقل، فلم تكن طباعة “شرفنامه” عملاً ثقافيًا “بريئًا”؛ إذ كانت ورقة من أوراق ناصر لمجابهة حلف بغداد. وفي هذا السياق، كان ناصر مقتنعًا بأن “التاريخ سلاح أقوى من البندقية”، وأن الأمم لا تُبنى بالبندقية وحدها، بل بالذاكرة أيضًا.
اعتبرت السلطات العراقية أن مصر دعمت الثورة الكردية بطباعة كتاب تاريخي اسمه “شرفنامه”، وتدخله إلى العراق عبر الحدود السورية ضمن شحنات السلاح. وقد نجحت السلطات العراقية في إلقاء القبض على ثلاث شاحنات في زاخو وبداخلها أربع آلاف نسخة من الكتاب “مخبأة تحت
صناديق الذخيرة”. وكان التوصيف العراقي للشرفنامه: “كتاب تحريضي انفصالي يهدف إلى تقسيم العراق”، وهذا يُعد “وثيقة تاريخية مزيفة لشرعنة الانفصال”. وقد احتجت بغداد بشدة على قيام الجمهورية العربية المتحدة بتزويد الكرد بالأسلحة والكتب التحريضية وحملتها المسئولية الكاملة عن إراقة الدماء في شمال العراق “كردستان الجنوبية”.
وفي 18 يولية 1962م، أصدر عبد الكريم قاسم أمرًا: “كل من يحمل كتاب شرفنامه يُعتبر عميلاً لمصر ويُحاكم محاكمة عسكرية”. وفي سبتمبر 1962م، قدَّمت بغداد شكوى رسمية ضد القاهرة في جامعة الدول العربية.
وحسب التقارير البريطانية والأمريكية، يعد “شرفنامه” أخطر من ألف بندقية. فالبندقية تقتل جنديًا، والكتاب يصنع أمة. وعلى درب بغداد، احتجت بشدة أنقرة وطهران لأنهما وجدتا في “شرفنامه” تهديدًا وجوديًا لدولتيهما؛ إذ وقعت كردستان الشمالية في جنوب شرق تركيا ووقعت كردستان الشرقية في شمال غرب إيران. ووفقًا لتقارير الدبلوماسيين الغربيين: “الكتاب يُوفر شرعية تاريخية للانفصال الكردي “مما سيُعقد أوضاع الشرق الأوسط”. وبذا، كان “شرفنامه” أول كتاب في التاريخ المعاصر يُستخدم بمثابة “سلاح جيوسياسي”؛ وأول نموذج في الحرب الباردة لاستخدام “التاريخ كسلاح ناعم”.
ورغم هذه المعركة الجيوسياسية حول “طبعة ناصر”، فإن كتاب “شرفنامه” أيقونة مهمة في تاريخ النضال الكردي الطويل لإثبات حقهم السليب. فثمة من يراه دستورًا تاريخيًا وسندًا للاستقلال (البارزاني)، وثمة من يراه مرجعًا مهمًا لإثبات التعددية(طالباني)، وثمة من يراه وثيقة لفهم أخطاء الماضي(أوجلان). ويبقى “شرفنامه” سفرًا مجيدًا، ألفه أمير، وأسهم في نشره رئيسان كبيران؛ عبد الناصر – جلال طالباني.
يُعد كتاب “شرفنانه” وثيقة أيقونية في العقل الجمعي الكردي. وقد ألفه أمير الأمراء الكرد شرف الدين بن شمس الدين البيتليسي (البدليسي) ومؤرخ الكرد (1543-1603م). وقد شغل منصب حاكم إمارة بيتليس (1576-1596م) حيث عزلته السلطات العثمانية بتهمة التخابر مع أعدائهم الصفويين. ولذا، هرب الأمير الكردي إلى الشاه الصفوي في تبريز. وهناك، بدأ يكتب سفره الخالد “شرفنامه”: “لما ضاع ملكي، وجدتُ مُلك القلم”، وأنجزه بالفارسية في عام 1597م، وأهداه إلى الشاه الصفوي عباس الأول (1588-1629م).
وينقسم كتاب “شرفنامه” إلى مجلدين، أولهما عن تاريخ الملوك الكرد القدامى (الأيوبيون، المروانيون، الحسنويون، الشداديون، الرواديون)، وثانيهما تاريخ الإمارات الكردية المعاصرة له. ورغم أن المجلد الأول قد اتسم بأنه أول ما جمع تاريخ الكرد قبل الإسلام وحتى نهاية العصور الوسطى، فيُعد المجلد الثاني الأهم لأنه وثق أنساب وأمراء وعادات “30” دولة وإمارة كردية معاصرة له. وقد قسم الكرد إلى خمسة فروع: البوتان (بيتليس، جزيرة ابن عمر، آمد – ديار بكر)، الهكارية (هكاري، جولمرك)، الظاظا (ديرسيم، بالو)، الكهلر (كرمنشاه، لورستان).
ولا ريب أن “شرفنامه” يُعد ديوان التاريخ الكردي (900-1600م)، ورسم خريطة “الهوية الكردية” كأمة واحدة بأربع لهجات وإمارات سياسية. وحسب الأمير المؤلف: “الكرد قوم لم يجتمعوا تحت ملك واحد قط، ولكنهم أمة واحدة باللسان والعادات”. وقد ابتغى من وراء تدوين هذا السفر المرجعي المحوري: “جمعتُ هذا الكتاب وأنا في الغربة، بعيدًا عن وطني، لكي لا ينسى الناس أصلهم”. ولذا، نال الأمير شرف الدين، وبحق، لقب، “هيرودوت الكرد”، ويعد كتابه “شرفنامه” بمثابة الدستور التاريخي للكرد،وأرسى دعائم ماهية الكرد وكردستان والكردية.
ولعل تقسيم كردستان منذ 29 مايو 1555م بموجب معاهدة آماسيا بين دولة الشاه الشيعية (ست إمارات) وبين دولة السلطان السنية (24 إمارة) كان بمثابة الدافع الأقوى عند الأمير الكردي لتدوين “شرفنامه” لإثبات أن للكرد دولاً وتاريخًا قبل الصفوي والعثماني بستة قرون. ولذا، أبدى ملاحظة جد مهمة: “هذه أخبار آبائنا. فإن نسيناها نسينا أنفسنا”. وقد حرص في المجلد الثاني – تحديدًا – رسم خرائط سياسة واجتماعية للكرد لاسيما أنه عايش أول تقسيم لكردستان بمقتضى معاهدة آماسيا (سايكس بيكو القرن السادس عشر). وقد انتقد بمرارة التمزق الكردي: ” ما اجتمع للكرد مُلك قط. كل أمير في واد”، وتلك آفة الكرد الكبرى. وقد خشى صاحب “شرفنامه” أن يأتي “يوم لا يتبقى فيه أمير كردي واحد”.
على هذا النحو، أكملت مصر الناصرية دور مصر التاريخي في دعم الكرد والكردية، معرفيًا ونضاليًا، ونقلت القضية الكردية من حيز “التمردات القبلية إلى القضية الإنسانية”، ثم إلى قضية حقوق عادلة ومشروعة. إنه دور مصر الإنساني والإقليمي الذي بدأ بقوة، ويجب أن يستمر، ويزداد قوة.
المصدر: مركز آتون للدراسات