في الدستور التقليدي للعلاقات الدولية، اعتدنا صورة نمطية مريحة للمنظومة الدولية، فيها العالم عبارة عن دول لها حدود مرسومة، وحكومات معترف بها، وجيوش نظامية ترتدي زيًا موحدًا، وسفراء يحملون حقائب دبلوماسية ويتحدثون باسم السيادة الوطنية. ولكن بنظرة تحليلية تفكك المشهد في الشرق الأوسط اليوم وتعيد فهمه بشكل حقيقي، بعيدًا عن الشاشات والتصريحات الرسمية، نجد أنه قد آن الأوان لأن نعترف بأن هذه الصورة التقليدية والقديمة لم تعد تعكس سوى نصف الحقيقة فقط. أما النصف الآخر، وهو الأكثر تأثيرًا في كثير من الأحيان، فيصنعه لاعبون من نوع آخر، كيانات ومجموعات وأطراف لا تملك مقعدًا في الأمم المتحدة، لكنها تملك السيطرة والفعل على الأرض، والموارد التي يهتم بها العالم ويحتاج إليها، وهؤلاء هم ما يسميهم خبراء السياسة «الفاعلين من غير الدول». وفي قلب هذه الظاهرة المعقدة، يقف الشعب الكردي كأوضح نموذج إنساني وسياسي خرج في صياغته عن المفاهيم القديمة، ذلك الشعب الذي أصبح رقمًا صعبًا في معادلات الأمن الإقليمي وفي حسابات الطاقة للقوى العظمى، وهو بلا دولة رسمية.
الدبلوماسية غير الرسمية.. حين تتحدث مجتمعات بلا سفارات
صورة نمطية تتبادر فورًا إلى الذهن، محصورة في كواليس المراسم الرسمية فقط عند ذكر كلمة «دبلوماسية»: مصافحات الرؤساء والبيانات الختامية الصادرة عن المؤتمرات في القاعات المكيفة. لكن الدبلوماسية غير الرسمية أو غير الدولية هي شيء مختلف تمامًا؛ فهي العملية التي يمثل فيها أطراف شعوبًا ومجتمعات ليست معترفًا بها كدول دوليًا، للتواصل مع العالم الخارجي، وبناء التحالفات، وتأمين الحماية، وإدارة الاقتصاد، والتعريف بقضيتهم لكسب تعاطف الرأي العام العالمي. وإذن، السؤال: لماذا تظهر مثل هذه النوعية من الدبلوماسية؟ يبرز فراغ السلطة، فعندما تضعف الدولة المركزية أو تنهار (كما حدث في العراق بعد 2003، وفي سوريا بعد 2011)، تنشأ على الأرض سلطات واقعية تجبر العالم على التعامل معها بغض النظر عن الأوراق الرسمية، إضافة إلى درجة الاعتراف الرسمي؛ فالشعوب أو القوميات التي لا تملك دولة مستقلة (مثل الكرد في العراق وسوريا) تجد نفسها بحاجة إلى التواصل مع عواصم الدول الإقليمية والكبرى، ذلك لأن القنوات الدبلوماسية الرسمية مغلقة في وجهها، لذا فهي تبتكر قنوات خلفية، فضلًا عن البراغماتية الدولية، حيث إن الدول الكبرى نفسها تفضل أحيانًا التحدث مع هذه الأطراف لتمرير مصالحها.
النموذج الكردي.. من الجبال إلى قلب الشطرنج الإقليمي
المعلوم للجميع أن الشعب الكردي قُسِّم جغرافيًا بين أربع دول رئيسية (تركيا، العراق، سوريا، وإيران) عقب الحرب العالمية الأولى، ولأن التقسيمات كانت إقليمية، فهي في النهاية لم تراعِ تطلعاتهم. لكن العقود الأخيرة شهدت تحولًا دراماتيكيًا، إذ انتقل الفاعل الكردي من موقع الضحية المنعزلة في الجبال إلى موقع الشريك الميداني لأعتى القوى العظمى. وتبرز التجربة في شمال العراق (إقليم كردستان) بعد عام 1991، بفرض منطقة الحظر الجوي، ثم في عام 2003 بإسقاط النظام السابق في العراق، ليتحول إقليم كردستان العراق من مجرد منطقة حظر إلى كيان شبه دولة، يمتلك حكومة وبرلمانًا وجيشًا (البشمركة)، وقوانين استثمار، بل وقدرة على تصدير النفط بشكل مستقل لفترات طويلة، وأصبحت أربيل وجهة للدبلوماسيين والشركات العالمية، وصار التعامل معها واقعًا فرض نفسه على بغداد وعلى العواصم الكبرى. وعلى الجانب الآخر، ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011 واستيلاء تنظيم «داعش» على مساحات شاسعة، ظهرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كقوة ميدانية رئيسية، واستطاعت بناء شراكة وثيقة مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لتجد إدارة ذاتية نفسها تسيطر على ثروات حيوية وتدير علاقات مع واشنطن وباريس، وتفاوض دمشق وموسكو.
صياغة معادلات الأمن الإقليمي.. كيف يغير الفاعلون قواعد اللعبة؟
في العلوم السياسية التقليدية، يُبنى الأمن الإقليمي على التوازن بين الدول، ولكن دخول فاعلين من غير الدول كالكرد أحدث تغييرًا في هذه المعادلة عبر إعادة تعريف ما هو التهديد وما هي الفرصة؛ فبالنسبة إلى دولة مثل تركيا، يُعد صعود كيان كردي ذي نفوذ عسكري على حدودها الجنوبية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خوفًا من انعكاس ذلك على المجتمع الكردي في داخلها، ما يفسر لجوء أنقرة إلى التدخل العسكري المباشر في سوريا والعراق، وفي المقابل يُعَدّ الكرد فرصة أمنية لمواجهة الإرهاب أو لموازنة نفوذ قوى إقليمية أخرى. كما نجح الكرد في ملء الفراغ الأمني عندما عجزت الحكومات المركزية عن حماية حدودها أو مواجهة التنظيمات المتطرفة. وأصبح الأمن الإقليمي شبكة متبادلة معقدة وشائكة، فلا يمكن حل الأزمة السورية ولا تحقيق استقرار في العراق دون وضع الورقة الكردية على رأس طاولة المفاوضات، إذ أثبتت التجربة قدرة الفاعلين غير الحكوميين على تعطيل أي حل إقليمي لا يراعي وجودهم أو المساهمة في بنائه.
أمن الطاقة.. الشريان الذي يربط المحلي بالعالمي
الحقيقة أن المشهد الراهن يقول إننا لا يمكننا فهم السياسة في الشرق الأوسط دون تتبع مسارات أنابيب النفط والغاز؛ فالسياسة ليست سوى أدوات تجميل تتغطى بها أهداف اقتصادية، وهنا يأتي أمن الطاقة كمحور حيوي، حيث تسبح المناطق التي يتواجد فيها الكرد فوق ثروات نفطية وغازية هائلة تضفي على الدبلوماسية غير الرسمية بُعدًا استراتيجيًا فائق الأهمية. ففي العراق، سعى إقليم كردستان إلى توقيع عقود مباشرة، وبنى خط أنابيب مستقلًا لتصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، وهو ما جلب شركات كبرى وتفرع عنه حماية دولية وشبكة منافع مع دول الجوار، ومنح الإقليم قدرة على التفاوض من موقع القوة. وفي سوريا، لم يختلف المشهد كثيرًا، لكون معظم حقول النفط والغاز الرئيسية تقع في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، وهو ما حرم دمشق من موارد حيوية وأعطى الإدارة الذاتية شريانًا ماليًا وورقة تفاوض أساسية مع دمشق وموسكو. ولكن تبقى هشاشة سلاح الطاقة واضحة، فكما يجلب الأصدقاء فإنه يجلب الأعداء ويسهل استهدافه، وعندما اتفقت بغداد وأنقرة على إيقاف تصدير نفط كردستان، تلقى الإقليم ضربة قاسية توضح أن الفاعل غير الحكومي يظل عرضة للضغط إذا اتفقت الدول الرسمية ضده.
لعبة البراغماتية والمصالح.. كيف تفاعلت القوى الدولية مع الفاعلين من غير الدول؟
إن طريقة تفاعل العواصم الكبرى مع الكرد تكشف عن الجانب الأكثر براغماتية في السياسة الدولية؛ فقد تعاملت واشنطن وفق مبدأ الشراكة الوظيفية ومهمة محددة، كمكافحة الإرهاب وإسقاط الأنظمة، لتجد نفسها أمام إشكالية كبرى في تنسيق التوازنات وعدم خسارة حليفها في الناتو (تركيا) أو تدمير علاقتها ببغداد، مما جعل الموقف الأمريكي يبدو متقلبًا. أما روسيا فتتعامل بمرونة، بالرغم من احتفاظها بعلاقات تاريخية واستضافتها لممثلين كرد، إلا أن هدفها الأساسي يظل دعم الدولة الرسمية، سواء في دمشق أو بغداد، واستخدام الورقة الكردية للضغط نحو تسويات والعودة إلى بلورة الدولة المركزية. وفي المقابل، تتعامل إيران مع الفاعلين الكرد بأدوات متعددة لتأمين حدودها ومنع أي استقلال كامل يغري مجتمعها الكردي، بينما تنظر تركيا بمنظور أمني صارم، وتُفرِّق بين إقليم كردستان العراق الذي تقيم معه علاقات اقتصادية، وكرد سوريا الذين تراهم امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.
أهمية الدياسبورا.. سفراء بلا أوراق دبلوماسية وجسر نحو العالم
حين نتحدث عن الفاعلين من غير الدول، لا يمكننا إغفال دور «الدياسبورا» (الشتات الكردي) المنتشر في أصقاع الأرض كعنصر غاية في الحيوية، يدير المعركة الناعمة في عواصم صنع القرار الدولي. ويبرز دوره الاستراتيجي عبر جسر الضغط السياسي والدبلوماسي، من خلال التأثير في البرلمانات الغربية ومراكز الأبحاث، ونجاحه في تحويل القضايا الكردية إلى عناوين بارزة تدفع الحكومات إلى تقديم دعم سياسي وإنساني، والعمق المالي والإنساني عبر التحويلات المالية التي تمثل شريان حياة والمنظمات المدنية التي ترسل المساعدات وتؤهل البنى التحتية، فضلًا عن حفظ الهوية ونقل الثقافة عبر حصن منيع يحافظ على اللغة والفنون الكردية بعيدًا عن سياسات الصهر والمنع، ويقدم صورة حضارية تخلق تعاطفًا شعبيًا عالميًا، ليصبح الدياسبورا هو الجناح الثاني للتحليق بجانب النضال الميداني.
البعد الإنساني والأخلاقي.. الضريبة التي يدفعها البشر
يبقى وراء كل هذه التحليلات السياسية وأرقام العوائد النفطية حقيقة إنسانية يجب ألا تغيب عن وجداننا، تتمثل في الإنسان الذي يدفع الفاتورة دائمًا وأبدًا نتيجة وقوعه بين حجري رحى في استراتيجيات القوى الكبرى، حيث لا تملك البراغماتية قلبًا ولا تعرف المصالح الوفاء. ومن ناحية، يعيش الملايين تحت وطأة عدم الاستقرار النفسي والوجودي وأسئلة يومية بلا إجابة شافية حول الأمان والمستقبل، بينما يبرز من ناحية أخرى شحذ للهوية وتفتيت للمجتمعات بغياب الدولة الوطنية الجامعة، ليصبح العيش المشترك عرضة للهزات وخطابات التحريض المتبادل. ومن ناحية ثالثة، تبرز التضحيات الميدانية المنسية وتقديم آلاف الشهداء مقابل وعود لم يُوفَ بها، ليكتشف المقاتلون أن أجسادهم كانت جدار حماية مؤقتًا لسياسات دولية لا تتردد في التضحية بهم عند أول مفترق طرق.
نحو معادلة جديدة للاستقرار
الحقيقة أن الدرس المستفاد من الدبلوماسية غير الدولية والنموذج الكردي تحديدًا هو أن تجاهل الواقع لا يلغيه، وبما أنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ولا تجاهل الملايين ممن بنوا مؤسساتهم وإداراتهم، وفي المقابل، فإن مراهنة الفاعلين غير الحكوميين على الحماية الأبدية هي مراهنة على سراب لتغير التحالفات، فإن الحل الحقيقي لا يكمن في تغليب طرف على آخر، بل في تطوير مفهوم الدولة الوطنية الحديثة إلى دولة مواطنة لا تُقصي أحدًا وتمنح كافة مكوناتها حقوقها الثقافية والإدارية في إطار لامركزية عادلة، والتكامل الاقتصادي بدلًا من الصراع عبر تحويل موارد الطاقة والحدود إلى جسور للتعاون الإقليمي، وحوار عقلاء المنطقة بأن تجلس القوى والشعوب المكونة للمنطقة على طاولة واحدة لصياغة أمنهم الذاتي بعيدًا عن الاستقواء بفرقاء دوليين، لأن الشرق الأوسط لن يعرف الاستقرار الحقيقي إلا عندما يتوقف عن أن يكون مفهوم السيادة إما سحقًا للمكونات الأقل عددًا أو تفتيتًا للدول باسم الهويات المختلفة، وليبدأ الاستقرار من العقل والاعتراف بالآخر واحترام حق كل إنسان في الحياة والأمان والكرامة على أرضه.
نقلًا عن مركز أتون للدراسات...
منبر الرأي