لا حديث في الشارع السوري يتجاوز أخبار فشل الحكومة الانتقالية في توفير الحد الأدنى من السلع والخدمات الضرورية والرئيسية. والتي يُفترض أن تتوفر بطريقة تلقائية تتكفل بها وتلبيها حركة الأسواق إذا ما رَفعتْ السلطة يدها عن التدخل فيها أو حظرها أو التحكم بها أو فرض أعباء ضريبية ورسوم عليها.
بطبيعة الحال لا حكومة معصومة من الخطأ أو التقصير؛ لكن الأزمة في سوريا تكمن في الأخطاء الكارثية المتزامنة والمتراكمة والمتنوعة على كل الأصعدة الخدمية؛ بما فيها الصعيد السياسي والدبلوماسي والعسكري والأمني. ومع أن الإعلام الرسمي والإعلام المعارض وإعلام الشارع يعرض كل هذه القضايا ويطرحها للنقاش، لكن قليلين يتحدثون عن السبب الرئيسي لكل هذا الفشل الذي بلغ حضيضًا غير مسبوق، ويكاد يفتك بأمن واستقرار ومستقبل البلد.
المسألة باختصار
المسألة باختصار تتمثل بـ"ثلاثي الفشل" أو "الفشل المكعّب" الذي يدير البلاد منذ عامين، والمتمثل بـ"التوليفة الحكومية" المكوّنة من "بقايا" ثلاث حكومات هي: حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، وحكومة نظام الأسد، والحكومة المؤقتة التابعة لائتلاف قوى الثورة المعارضة. مزيج غير متجانس من ثلاثة طرز من المسؤولين الذين أثبتوا على مدى سنوات طويلة أنهم أفشل من أن يديروا منطقة صغيرة، حتى وإن كانت بحجم إدلب أو ريف حلب الشمالي. وأفشل من أن يوفروا الحد الأدنى من الخدمات، حتى وإن كانوا يديرون اقتصاداً يعتمد على تصنيع وتصدير المخدرات برأسمال يتجاوز الخمسة والخمسين مليار دولار!.
حكومة الجباية
فحكومة الإنقاذ التي كانت تسيطر على أجزاء من محافظة إدلب منذ العام 2015 حتى 2024 لا تعرف من المسؤولية إلا جمع الموارد من رسوم قوافل المساعدات الأممية اليومية، والشحن الدولي من وإلى تركيا، والتي كانت تقدر بملياري دولار سنوياً. بالإضافة إلى غنائم غزوات الزيتون على الحقول والمعاصر، والرسوم المفروضة على التجار كبيرهم وصغيرهم. دون تحمُّل الحد الأدنى من المسؤولية تجاه أي خدمة. حيث كانت منظمات المجتمع المدني التطوعية المدعومة من حكومات ومنظمات دولية، بما فيها الدفاع المدني المدعوم من بريطانيا، تتكفل بكل الأعباء الخدمية الرئيسية والفرعية، الجماعية والفردية. فكيف لحكومة لم تتكفل إلا بخدمة مسؤوليها ومنتسبيها أن تقدر على تحمل أعباء شعب يتجاوز تعداده العشرين مليونًا.
حكومة الممنوعات
أما حكومة الأسد فهي بكل المقاييس لا تعدو كونها فرقة من الفاسدين عديمي الكفاءة والوطنية، قادوا البلد قبل الثورة إلى الانفجار الشعبي الذي اندلع في آذار 2011. ووصلت بهم المواصيل بعد 2019 أن أصبحوا يقودون أكبر كارتل في العالم لتصنيع وتجارة المخدرات إلى درجة أن دولة عربية كبرى عرضت مساعدة سنوية "خمسة مليارات دولار" مقابل وقف هذه التجارة التي تتضرر منها، لكن حكومة الأسد رفضت. ووصل الحال بأن تم تحويل معظم مصانع حلب ودمشق لتصنيع الحبوب المخدرة. بل أصبحت الفرقة الرابعة في الجيش العربي السوري بضباطها وجنودها بما فيهم ماهر الأسد تدير العديد من مصانع وورش تعبئة وتغليف المخدرات في مقرّاتها الرسمية.
وفوق كل ذلك لم تقدم هذه الحكومة الحد الأدنى من الخدمات من ماء أو كهرباء أو محروقات أو طبابة أو تعليم لأقل من ربع الشعب، فضلاً عن سياسة الابتزاز التي كانت تنتهجها بحق السوريين في الداخل والخارج. إلى درجة أنها كانت ترسل مشايخ الدين، وتطلب من كبار رجال الأعمال جمع تبرعات من أقرانهم السوريين خارج سوريا. وكانت معظم هذه الأموال تبقى خارج البلد وتحوَّل لحسابات كبار المسؤولين في الجيش وأجهزة الأمن والمخابرات.
حكومة المساعدات
أما الحكومة المؤقتة أو حكومة الائتلاف بريف حلب الشمالي فكانت مجرد إدارة محلية يديرها "مترجم" يأتمر بتوجيهات ضابط مخابرات تركي متوسط الرتبة. وكل دورها كان محصوراً في توزيع المساعدات التي تقدمها الدول العربية والاتحاد الأوروبي لحوالي مليوني نازح في المنطقة. وكان الجاي على قد الرايح، فيما تسدُّ جمعيات إغاثية تركية أي نواقص عبر دعم بعض البرامج التنموية، ومنها على سبيل المثال قطاع التعليم في مناطق سيطرة هذه الحكومة. فكيف لهكذا ثلاثي أن يدير حكومة ناجحة؟.
الدعم لا يقيم الدول
خلال 2025 استبشرت بعض الدول العربية بالتغيير الذي حدث في سوريا وسقوط النظام وهروب بشار الأسد، ووصول فصائل المعارضة إلى دمشق، وخروج إيران ومليشياتها الطائفية المتطرفة من سوريا. كما باركت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التغيير، ورصدت وقدمت الكثير من المساعدات لأجل تحجيم تواجد روسيا العسكري في سوريا. وضخت دول الخليج العربي أموالاً منحت الحكومة الانتقالية ميزانية كافية لتسيير أعمالها على مدى أكثر من عام كامل. ومع توقف الدعم الغربي والعربي، أو وصوله إلى منتهاه وجدت الحكومة الانتقالية نفسها وجهاً لوجه مع استحقاقات والتزامات ضرورية تجاه الشعب.
بل بلغ الفشل بالحكومة عدم قدرتها على تقدير احتياجات البلد من السلع الأساسية والاستراتيجية كالمحروقات. ليتفاجأ الشعب ومعه السادة الوزراء ذات صباح أن البلد خاوية من الكاز والمازوت والبانزين، وليهرع المسؤول المختص إلى ضخ كميات من المحروقات غير المخصصة للاستخدام اليومي المعتاد، ويتسبب بأكبر خسارة يُمنى بها أصحاب السيارات والأفران والغلايات والمولدات مرّوا بها خلال خمسة عشر عاماً على الإطلاق.
يقول الرسول الكريم في الحديث الشريف: "لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين"، ويقول السوريون: "اليجرب المجرَّب عقله مخرَّب"، فعلى أي أساس تستمر هذه الحكومة وقد ثبت فشلها مفرَّقة ومجمَّعة، وقد أوصلت البلد اليوم إلى حائط مسدود؟!.
منبر الرأي