لا يتعلق الأمر بشخصية دينية، أو أسطورية، أو خرافية تنتظرها جماعة لم تعاصرها ولم تعرفها، ولا بقوةٍ غريبة عن وجع ناسه؛ بل بشخصيةٍ تقاسمت المعاناة مع شعبها ونالت الحصة الأكبر والأقسى منها. لدى الكرد اليوم قيادات وشخصيات عدة، انتفت عنها صفة المظلومية وباتت تملك مصدر القرار ومفاتيح السلطة والإدارة، ومنها ما ينتمي إلى الزعامات التقليدية التي تحاط باحترام كبار السن وحسابات البيوتات السياسية. غير أن الشباب الكرد اختاروا مثلهم الأعلى بعيداً عن تقاليد الإقطاع السياسي؛ اختاروا صورةً علقوها جنب جيفارا ونيلسون مانديلا، صورة “آبو”، المعتقل تعسفياً وانفرادياً منذ أكثر من ربع قرن في جزيرة إمرالي.
يرى الجيل الجديد من الشباب الكرد في عبد الله أوجلان صاحب مشروع فكري ونضالي متجاوز لللحظة العادية؛ خطّ لهم بروتوكولاً مفاهمياً شذّب وعيهم من مخلفات الثقافة السلطوية التي فرضتها الأنظمة الشمولية المحيطة، وأحاطهم بمنظومة تجمع بين الانتماء الصادق للحقوق القومية والوعي بالمواطنة والأممية الإنسانية الجامعة.
من السلاح إلى الوعي: الهندسة الفكرية للشباب الكرد
لم يتنكر أوجلان لخيار الكفاح المسلح الذي انطلق في ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ كان ضرورةً وجودية لانتزاع الهوية من أتون الإنكار. غير أن القراءة النقدية والتطور التكنولوجي القادر على حسم الميدان العسكري لصالح الدول، إلى جانب الاختلال الجسيم في موازين القوى، دفعت “آبو” إلى نقل المعركة إلى جبهة الوعي الحقيقي الحامي للشعب. اختار الخيار الأقسى والأنبل: الحفاظ على وجود المكون الكردي وبنيته الديموغرافية والاجتماعية من الإبادة المباشرة.
تلقّف الشباب الكرد خطوة السلام والرؤية الجديدة، وانطلقوا بها خارج حدود الأقاليم الضيقة والجغرافيا المحاصرة؛ فتمددت أفكاره من سنجار نحو بغداد، ومن دياربكر نحو أنقرة وإسطنبول. أضحى أوجلان بالنسبة للشباب رمز الثورة الحية، لا بصفته حاملاً لبندقية فقط، بل بصفته مهندساً لبنية مجتمعية جديدة جعلت من الكردي مواطناً فاعلاً، ومثقفاً شجاعاً، ومدافعاً عن الحداثة والحرية.
الأمة الديمقراطية: مبادئ أوجلان في كتابة المستقبل
ترتكز الجاذبية الاستثنائية التي يمتلكها أوجلان لدى جيل الشباب إلى مجموعة مبادئ صاغها من محبسه، والتي باتت تشكل الدستور غير المكتوب للحراك المدني والسياسي الكردي:
المواطنة المتساوية والأممية: الانتقال بالقضية الكردية من خانة “القومية الضيقة” والتصادم القومي إلى خانة “الأمة الديمقراطية”، حيث يعيش الكردي بكرامته كمواطن أصيل وشريك حقيقي في دوائر تواجده.
التحرير الجذري للمرأة: اعتبار حرية المرأة المعيار الأول والوحيد لمقدار ديمقراطية أي مجتمع، وهو المبدأ الذي أثمر صيغة “المرأة، الحياة، الحرية” وحوّل المرأة الكردية من الهامش إلى موقع القيادة.
البيئة والحوكمة اللامركزية: طرح مفهوم الإدارة الذاتية والكونفدرالية الديمقراطية كبديل حضاري عن الدولة القومية الاستبدادية والمركزية المقيتة.
التجاوز العابر للطوائف: صياغة إطار يستوعب الكردي بصرف النظر عن انتمائه؛ فجمعت طروحاته السنة، والأيزيديين، والعلويين، واللادينيين، في كينونة فكرية واحدة تسع الجميع.
الزعامة العابرة للحدود وتفكيك “لعبة الأمم”
إن الحيثية الاستثنائية والرمزية الجامعة التي يتمتع بها عبد الله زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان تجعل منه رقماً صعباً ومزعجاً؛ ليس فقط للأنظمة الإقليمية الأربع التي اقتسمت جغرافياً الكرد، بل أيضاً لبعض القوى والزعامات الكلاسيكية في الداخل الكردي. يدرك الجميع أنه إذا ما نال حريته، فسيخرج كبطل قومي وأممي أوحد، قادرٍ على سحب البساط من تحت كل الكيانات السياسية التي لا تتجرأ على إنكار مشروعيته أو مواجهته شعبياً.
فهو يملك كاريزما عابرة للتقسيمات؛ تجذب الكرد في شمالهم وجنوبهم وغربهم وشرقهم، وتوحدهم تحت راية فكرية لا تختصرها عائلة، ولا حزب ضيق، ولا عشيرة سياسية. إن كل ما يهدف إليه مشروع أوجلان هو الحفاظ على المواطن الكردي حيثما وجد، وحمايته ثقافياً وجسدياً ومعيشياً، بعيداً عن الوقوع في فخ الشعارات المجوفة أو الانتحار الميداني.
معادلة التغيير: الكرد كقوة وازنة في قلب المعادلة
يدرك أوجلان، ومعه الجيل الشبابي المؤمن بفكره، أن الزمن قد تغير، وأن الأحلام القومية الصافية لن تتحقق بصورتها العاطفية في ظل استمرار “ألعاب الأمم” وتقاطع المصالح الدولية. فالكرد، بالنسبة للقوى العظمى، لن يكونوا يوماً على طاولة الأولويات الدولية كشركاء دائمين، إلا إذا تمكنوا من فرض أنفسهم كقوة رقمية وسياسية وثقافية وازنة، ومحرك أساسي للتغيير الديمقراطي داخل بلدانهم الممتدة على كامل المساحة الإقليمية، لا أن ينحصروا داخل محافظاتهم وأقاليمهم كأنهم في معازل أو “غيتوات” مغلقة.
من هنا، تتحول أيقونة عبد الله أوجلان في وجدان الشباب الكرد من مجرد صورة لزعيم أسير، إلى رمزٍ لمشروع حضاري متكامل؛ مشروعٍ يرى في العقل والمنهج والسياسة والتحالفات العابرة للعرقيات السلاحَ الأكثر فتكاً بالاستبداد، والأقدر على عبور الكرد من المظلومية التاريخية إلى رحاب الدولة المدنية والحضور الإنساني المستحق.
ديار بكر: مركز القرار القادم وشريان الجغرافيا الكردية
تتخطى الحسابات السياسية المرتبطة بحرية عبد الله أوجلان حدود الصفقة الإقليمية المحتملة أو رفع العزل القسري عن معتقل خاض ربع قرن من الصمود الرمزي؛ إذ إن خروجه المتوقع لن يكون مجرد حدثٍ إنساني أو سياسي عابر، بل إيذاناً بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها.
حين يطأ “آبو” أرض الحرية، لن تكون ديار بكر مجرد عاصمة ثنائية الثقافة أو حاصرة جغرافية في جنوب شرق تركيا، بل ستتحول حكماً إلى مركز قرار سياسي ونضالي لا يقل وزناً ولا تأثيراً عن أنقرة وإسطنبول. ستغدو ديار بكر القطب الموازن الذي يفرض إيقاعه على المعادلة التركية والإقليمية، ناطقةً باسم مشروعٍ ديمقراطي عابر للحدود، يستمد قوته من الالتفاف الشعبي المباشر الذي لا تستطيع أجهزة الدولة أو حسابات الأحزاب تحجيمه.
إن خطورة أوجلان بالنسبة لمنتقديه، وسر سحره بالنسبة لمؤيديه، تكمن في كونه لم يعد مجرد زعيم لحزب أو فصيل مسلّح، بل تحوّل إلى فكرة عابرة للكيانات السياسية والحدود المصنوعة. إنه المتسلل علناً وبكل ثبات إلى الذهنية الجمعية للشباب الكردي؛ حيث يمتد خيط فكره ورؤيته الحداثية بانسسياب من أزقة القامشلي في شمال شرق سوريا، وصولاً إلى سنندج وكرمانشاه في العمق الكردي الإيراني، مروراً بمدن إقليم كردستان العراق وجباله. لقد نجح “آبو” وهو خلف القضبان في أن يصيغ وجداناً مشتركاً يربط أجزاء الجغرافيا الموزعة، مسقطاً مفاهيم التجزئة الاستعمارية عبر وضوح الرؤية واستجابة الطرح للواقع العصراني.
إن هذا الامتداد العابر للحدود يثبت أن أوجلان صاغ لغةً مشتركة تفهمها كل المكونات والشرائح الكردية على اختلاف انتماءاتها واختلاف البيئات السياسية التي تعيش فيها. إنه ليس بطلاً لجيلٍ مضى، بل هو البوصلة الجاذبة لجيلٍ صاعد يرى في “الأمة الديمقراطية” وحقوق المواطنة والحرية الإنسانية السلاحَ الوحيد الذي يضمن البقاء والتطور. ومن هنا، يظل أوجلان الرقم الأصعب في معادلة الشرق الأوسط؛ فالرجل الذي يسكن عقول الملايين وقلوبهم من دياربكر إلى أقصى نقطة في جغرافيا الكرد، هو ذاته الكفيل بإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الكرد ودول المنطقة، تحضيراً لولادة عصرٍ جديد يحل فيه الاعتراف والشراكة محل الإقصاء والاستبداد.
المصدر: مركز إنشاء للمعلومات
منبر الرأي
نبض الشرق