أوجلان ليس فوق النقد
قبل أي شيء، يجب أن نضع هذه النقطة في المقدمة بكل وضوح وشجاعة: عبدالله أوجلان، إنسانًا وقائدًا ومفكرًا، ليس فوق النقد. فلا شخصية في التاريخ معصومة عن الخطأ، وبالتالي غير معرضة للنقد. وقادة الكرد ليسوا استثناءً من هذا. على العكس، فأوجلان نفسه، في المجلد الخامس من مانيفستو الحضارة الديمقراطية المعنون باسم: «القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية»، وفي فصل كامل عن أبعاد تحول الـ PKK إلى KCK، خصص نحو مئة صفحة لنقد تجربته ذاتها، ليخلص إلى أن الخيارات المتاحة عند تأسيس حركة حرية كردستان كانت تقليدية ونمطية وكررت تجارب الآخرين المطروحة وقتذاك، وأن الإصرار عليها كلف الكثير.
إذًا، النقد مشروع، بل واجب. لكن هناك فرق جوهري يجب ألا نخلط بينه: بين النقد والاستهداف. فالنقد فعل صحي، يمارسه إما أصحاب المشروع نفسه لتطويره وتقويته، أو من قبل مشروع مختلف قابل للحياة ويتحلى بالواقعية. أما الاستهداف فهو فعل خارجي، وحرب خاصة تلبس ثوب النقد، هدفها ليس التصحيح بل التصفية، وليس تقوية المنجز والمكتسب بل إلغاؤهما. هدفها ليس خدمة الكرد كشعب وقضية، بل تضليلهم وإقحامهم في دروب يُكتب لها الفشل. وما نتعرض له اليوم ليس نقدًا، بل استهداف ممنهج. وهنا لا بد أن نميز أيضًا بين الاستهداف والنواقل، ممن وجدوا أنفسهم، بدراية أو دونها، ناقلين لفكرة تخدم جهة أو جهات معينة تجد في فكرة ما تهديدًا لأجندات مدمّرة. كما أن بعض النواقل يسعون في نقلهم إلى تحقيق مكاسب فردية لهم، كانت آنية أو مبيّتة. وتنطبق عليهم الفكرة: ناقل الكفر هو الكافر.
كيف تدار الحرب الخاصة؟
الحرب التي تُشن على الشعب الكردي اليوم ليست حرب دبابات ومدافع فقط. تلك هي الحرب الصلبة. الأخطر منها هي الحرب الخاصة والحرب النفسية. قاعدتها بسيطة ومجربة: إذا أردت أن تهزم شعبًا، لا تحتاج إلى أن تقتل كل أبنائه، يكفي أن تفرغه من قيادته، أو تبعد أبناءه عن قيادته. اجعل الشعب يشك برموزه، وحوّل قادته إلى مادة للسخرية والتخوين على وسائل التواصل، وأغرق الساحة بالشائعات والاقتطاعات المزورة، وعندها يصبح الشعب بلا بوصلة، بلا ثقة، بلا قادة.
وعندها يتحقق الهدف النهائي: أن يخرج الكرد مرة أخرى من المنعطفات التاريخية الكبرى خالي الوفاض، بخفي حنين. كرد بلا حقوق وبلا قيادة.
لكن، لماذا نحن في لحظة خطيرة؟
نحن لا نعيش ظرفًا عاديًا. نحن نعيش عمليًا في قلب الحرب العالمية الثالثة، التي يُعد أوجلان من أوائل من نبهوا إلى ذلك في المانيفستو الموضوعة من قبله قبل زهاء خمس عشرة سنة. إنها الحرب التي يُعاد فيها رسم مناطق النفوذ، ولا يمكن استبعاد أن تنتهي هذه الحرب بخرائط جديدة في الشرق الأوسط والنظام الدولي كله.
في مثل هذه المراحل الحساسة، لا يمكن لأي شعب في العالم أن يعبر العاصفة بلا قيادة تاريخية لها وزن وتأثير وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة. والشعوب التي تدخل مرحلة إعادة الرسم بلا قادة، تخرج منها ضحية. وهذا ما حدث للكرد في سايكس بيكو ومؤتمر القاهرة ومعاهدة لوزان قبل مئة عام. والسيناريو نفسه يحاول البعض تكراره اليوم.
لكن، لماذا أوجلان تحديدًا؟
الاستهداف الممنهج لعبدالله أوجلان الآن ليس صدفة، لأن تأثيره يتمركز اليوم في عدة مسائل وقضايا، لكن بشكل مخصوص عبر نقطتين مصيريتين للكرد في آن واحد:
أولًا: في تركيا ومسيرة السلام
السلام الذي انطلق في تركيا لا يمكن أن يمضي بدون أوجلان. حتى الدولة التركية نفسها تعرف هذه الحقيقة. ولا أحد غيره قادر على إقناع ملايين الكرد والحركة الكردية بالانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الحل والعقد الاجتماعي الجديد والدولة المجتمعية. استهدافه الآن هدفه نسف السلام من داخله وإبقاء الصراع مفتوحًا.
ثانيًا: في روج آفا وشمال وشرق سوريا
المرحلة التي نعيشها كرديًا-سوريًا هي مرحلة الاندماج والانخراط في الدولة السورية والمرحلة الانتقالية. وهي أخطر مرحلة على الإطلاق، لأن مجال ارتكاب الأخطاء الكبيرة قد خف إلى درجة العدم، وارتكاب الخطأ ربما سيكلف الوجود نفسه. طرح أوجلان هنا هو صمام الأمان الذي يمنع تدهور الأمور نحو الفوضى، وهذا ما كان له انعكاس فوري وسليم على مجريات الأحداث في عملية تحول الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية عبر مؤسسات الدولة السورية، وما زالت عملية الاندماج مستمرة ولم تنتهِ حتى اللحظة. كما برز أوجلان في الآونة الأخيرة، وفق شهادات من قبل قادة الكرد والعرب والترك والفرس، بوصفه صاحب طرح موضوعي يمكن تسميته بالواقعية المتدرجة: فلا انفصال يؤدي إلى حرب إبادة، ولا ذوبان يؤدي إلى فقدان الحقوق، بل اندماج ديمقراطي يحفظ خصوصية الإدارة والمجتمع عبر إدارات محلية ذاتية.
ولكن، كما جرى في التاريخ دائمًا، فإن من يدير الحرب الخاصة يريد العكس تمامًا: يريد كردًا بلا سلام في أنقرة، وكردًا بلا حقوق في دمشق، وبالتالي كردًا بلا أمل في إيران، وكردًا مكتسباتهم في عين الخطر في أربيل وبغداد. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بضرب أحد أهم الروابط بين كل هذه المسارات، وهو أوجلان.
الخلاصة
المعركة اليوم ليست معركة دفاع عن شخص. هذه معركة دفاع عن حق شعب في أن يمتلك قيادته في اللحظة التي يُكتب فيها تاريخ المنطقة من جديد.
من حق أي مختلف أن ينتقد أوجلان، بل من واجبه أن ينتقده لتطوير فكره، أو حتى خدمة فكرة تخالفه، شرط أن تكون قابلة لأن تعيش. لكن من واجبنا أيضًا أن نميز بين نقد داخلي يقوينا جميعًا، وبين حرب خاصة خارجية تريد أن تتركنا بلا نقد وبلا قائد وبلا حقوق.
الهدف من الحرب الخاصة والفعل الممنهج ضد أوجلان أن ندخل المرحلة القادمة أيتامًا على طاولة الكبار. والوعي بهذه الحرب هو أول خطوة لإفشالها.