بث تجريبي

إطار دستوري لحقوق الكرد التعليمية والثقافية في سوريا

تعد قضية الحصول على الحقوق التعليمية والثقافية للمكون الكردي في سوريا أحد أهم الملفات المعقدة والمرتبطة بمسارات الهوية والمواطنة وحقوق الإنسان، وتتطلب معالجتها مقاربة شاملة تتكامل فيها الأبعاد التشريعية والإدارية والتربوية والمجتمعية.

ومن الأهمية مراعاة الركائز الأساسية التي تضمن وتحقق هذه الحقوق وفقاً للمواثيق الدولية والمعايير الدستورية والمجتمعية الحديثة، وتشمل الإطار الدستوري والقانوني لتحقيق الاعتراف الرسمي والمواطنة المتساوية.

                                                            سيد أبو اليزيد  

حيث يعتبر الاعتراف الدستوري بالهوية القومية والثقافية للكرد كجزء أساسي ومكون أصيل من النسيج السوري المرتكز الأول، إذ يضمن المساواة التامة في الحقوق والواجبات دون أي تمييز عرقي أو لغوي.

ومن هنا ينبغي مراجعة وإلغاء أي قوانين أو مراسيم سابقة ترتب عليها تقييد الحريات الثقافية أو حرمت أجزاء من السكان من حقوقهم المدنية والتعليمية، ومعالجة الآثار القانونية والاجتماعية المترتبة عليها بشكل كامل.

والمرتكز الثاني يتضمن الحقوق التعليمية واللغوية، لإدراج اللغة الكردية في المناهج التعليمية الرسمية، بدءاً من مرحلة التعليم الأساسي وصولاً إلى المراحل المتقدمة، وكلغة تدريس أساسية في المناطق ذات الغالبية الكردية، مع تأسيس أقسام أكاديمية متخصصة في الجامعات والمعاهد العليا لإعداد وتأهيل معلمي اللغة الكردية، وتأليف المناهج التربوية وتطويرها وفق معايير تربوية وعلمية معاصرة، مما يسهم في الوصول إلى حالة التنوع والتعددية في المناهج، مع تعزيز قيم التنوع الثقافي والتاريخي في الكتب المدرسية الوطنية، بحيث تعكس إسهامات مختلف مكونات المجتمع السوري في بناء الحضارة والثقافة الوطنية.

ولا يمكن إنكار أن بعض المراسيم والقرارات الوزارية بسوريا تعد خطوة إيجابية، لكنها تبقى قرارات إدارية قابلة للتعديل أو الإلغاء ما لم تكن محمية بنصوص دستورية صريحة تتضمن الحقوق اللغوية والثقافية لجميع المكونات كحق ثابت وغير قابل للتراجع، بجانب حدود الاستيعاب في المنظومة الرسمية.

والمرتكز الثالث ينبغي أن يشمل الحقوق والثقافة المجتمعية والإعلامية، من خلال دعم وإنشاء المراكز الثقافية ودور النشر والمسارح والمكتبات التي تعنى بالتراث والفنون والأدب الكردي، وتسهيل إصدار الصحف والمجلات والبرامج الإعلامية باللغة الكردية، بالإضافة إلى ضمان حق التعبير عن الهوية الثقافية والاحتفال بالأعياد القومية والثقافية التقليدية مثل عيد نوروز، باعتبارها جزءاً من التراث الإنساني والثقافي الوطني العام.

والمرتكز الرابع يتضمن الإدارة اللامركزية وتفعيل المشاركة المحلية، نظراً لأهمية مشاركة أبناء المناطق التي تضم تواجداً كردياً في إدارة شؤونهم التعليمية والثقافية عبر مجالس محلية منتخبة تملك صلاحيات وضع الخطط التنموية والثقافية والتعليمية التي تتناسب مع خصوصية المنطقة واحتياجاتها.

وينبغي مراعاة ربط المؤسسات التعليمية والثقافية المحلية بالمعايير الوطنية العامة لضمان جودة مخرجات التعليم، مع الحفاظ على الاستقلالية الإدارية في تسيير الشؤون الثقافية، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في رصد وتوثيق الاحتياجات الثقافية والتعليمية.

ومن الأهمية الاستفادة من تجارب الدول التي طبقت أنظمة «التعليم ثنائي اللغة» أو الإدارات اللامركزية الناجحة في إدارة التنوع القومي والثقافي، بدعم من المنظمات الأممية المختصة مثل اليونسكو.

إن ضمان الحقوق التعليمية والثقافية للكرد في سوريا لا يحقق العدالة الثقافية فحسب، بل يسهم بشكل مباشر في تعزيز اللحمة الوطنية وإرساء دعائم الاستقرار المستدام وبناء مجتمع ديمقراطي حديث يقوم على الشراكة والمواطنة الحقيقية.

أتصور أن التغلب على التحديات والمعوقات التي تواجه حصول الكرد على حقوقهم التعليمية والثقافية في سوريا يتطلب الانتقال من الأطر المؤقتة والحلول الجزئية إلى استراتيجية وطنية شاملة ومتدرجة تقوم على الشراكة والمواطنة، وتستند إلى التفاهمات الوطنية والأطر الحقوقية والتجارب الدولية الناجحة.

 

قد يهمك