بث تجريبي

أوكرانيا تخشى عودة الحرب في إيران.. هل تتعثر مفاوضات السلام مع روسيا؟

مع اقتراب فصل الشتاء، تتجدد التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وسط مساعٍ لعقد محادثات ثلاثية تجمع كييف وموسكو وواشنطن في العاشر من نوفمبر المقبل، لبحث فرص التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع المستمر منذ عام 2022.

وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجانبين، لدفعهما نحو تسوية سياسية، غير أن الطريق إلى السلام لا يزال محفوفًا بعقبات تتعلق بالضمانات الأمنية، ومستقبل الأراضي المتنازع عليها، ودور أوروبا في المفاوضات.

وتخشى كييف أن يؤدي تجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى إرباك المسار الدبلوماسي مرة أخرى، وتحويل الاهتمام الأمريكي بعيدًا عن أوكرانيا، بعدما شهدت المفاوضات تعثرًا لعدة أشهر على خلفية التصعيد في الشرق الأوسط.

جدول أعمال المفاوضات

يسعى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن تبدأ المفاوضات بخطوات عملية لخفض التصعيد، تشمل تبادل الأسرى، ووقف الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات بشأن العمليات العسكرية في البحر الأسود.

كما تدفع كييف نحو إجراء محادثات تمهيدية بين الوفود الفنية لتحديد إطار اجتماع محتمل على مستوى القادة، يضم ترامب وزيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وتتصدر الضمانات الأمنية قائمة الملفات الشائكة، إذ تريد أوكرانيا ضمانات أمريكية وأوروبية تحول دون تعرضها لهجوم روسي جديد في المستقبل، مع طرح احتمالات تتعلق بدور حلف شمال الأطلسي «الناتو» في توفير تلك الضمانات.

وفي المقابل، يُرجح أن تتمسك موسكو بمطالبها الأمنية، بما في ذلك الحد من الوجود العسكري للحلف بالقرب من حدودها، أو إعادة ترتيباته الإقليمية إلى أوضاع سابقة.

أما ملف الأراضي، فيمثل أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام أي اتفاق نهائي. ويؤكد زيلينسكي أن القرارات المتعلقة بترسيم الحدود، سواء بصورة مؤقتة أو دائمة، ينبغي أن تُحسم على مستوى القادة، وليس من خلال المفاوضين الفنيين.

وخلال جولات التفاوض السابقة، أبدت كييف استعدادًا لمناقشة مقترح إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح على جانبي خط التماس في إقليم دونباس، باعتباره أحد الحلول الوسط الممكنة. كما نوقشت أفكار مماثلة بشأن مناطق أخرى.

وأكد الرئيس الأوكراني استعداد بلاده لمناقشة ملف الأراضي، مشيرًا إلى أن روسيا تصر على إدراجه ضمن جدول المفاوضات، لكنه شدد على أن حسم هذه القضية يتطلب لقاءً مباشرًا بين القادة.

أوروبا تتمسك بدور في اتفاق السلام

تصر العواصم الأوروبية على المشاركة في المفاوضات النهائية، خاصة في ظل تحملها جانبًا كبيرًا من أعباء الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، بعدما أوقفت إدارة ترامب المساعدات الأمريكية في عام 2025.

ومن المتوقع أن تكون الحكومات الأوروبية طرفًا أساسيًا في مناقشة الضمانات الأمنية، لا سيما أن أي قوة دولية لحفظ السلام قد تُنشر داخل أوكرانيا يُرجح أن تعتمد بدرجة كبيرة على القوات الأوروبية.

وفي هذا السياق، سبق أن وضع تحالف «الراغبين»، الذي يضم أكثر من 30 دولة بقيادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، مقترحات تفصيلية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، تتعلق بترتيبات الأمن ومستقبل أوكرانيا بعد الحرب.

ولا يقتصر الدور الأوروبي على الجوانب العسكرية، إذ ترى كييف أن إعادة إعمار البلاد وإنعاش اقتصادها يتطلبان مشاركة أوروبية واسعة، باعتبار أن أي خطة شاملة للتعافي لن تكون مكتملة من دون مساهمة القارة.

وفي الوقت نفسه، تسعى أوكرانيا إلى الحصول على ضمانات أمنية ثنائية من الولايات المتحدة، وهو مسار قد يجري التفاوض بشأنه بصورة منفصلة عن بعض الترتيبات الأوروبية.

غياب القيادة الموحدة يربك الموقف الأوروبي

على الرغم من إصرار أوروبا على المشاركة في تسوية الحرب، لا تزال العواصم الأوروبية تفتقر إلى توافق واضح بشأن الشخصية أو الجهة التي ستتولى تمثيلها في المفاوضات.

وقد برز هذا الخلاف بعدما أجرى الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره اتصالًا هاتفيًا مع بوتين استمر نحو 90 دقيقة، الثلاثاء الماضي، وحثاه خلاله على إنهاء الحرب.

وأثار التحرك استياء عدد من الحكومات الأوروبية، بينها الدنمارك وإيطاليا والسويد وليتوانيا، في ظل مخاوف من تحركات فردية قد تضعف وحدة الموقف الأوروبي.

كما تزيد طبيعة الأطراف المعنية من صعوبة اختيار ممثل موحد، إذ لا تنتمي جميع الدول الراغبة في المشاركة إلى الاتحاد الأوروبي، ومن بينها بريطانيا والنرويج.

وفي المقابل، أعلنت موسكو أن الاتصال لم يسفر عن نتائج ملموسة، مع ترجيحات روسية بأن تشهد الحرب مزيدًا من التصعيد.

ويثير غياب آلية أوروبية واضحة للتمثيل مخاوف من تراجع تأثير القارة في حال انتقال المفاوضات إلى مرحلة حاسمة، رغم دورها المحوري في دعم أوكرانيا وتأمين أي ترتيبات مستقبلية.

التصعيد في الشرق الأوسط.. تهديد جديد لمسار السلام

يبقى موقف ترامب ومدى استمراره في إعطاء الأولوية للحرب الأوكرانية أحد أبرز العوامل المؤثرة في فرص نجاح المفاوضات.

فبعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في الربيع الماضي، تعثر التقدم في الملف الأوكراني لعدة أشهر، قبل أن تعود التحركات الدبلوماسية خلال الخريف، في إطار مساعي واشنطن لاحتواء تداعيات الصراعات الإقليمية.

لكن أي تجدد للمواجهة مع إيران قد يعيد المشهد إلى نقطة التعثر، وهو ما يثير قلق كييف من أن تتراجع أولوية الحرب الروسية الأوكرانية على جدول أعمال الإدارة الأمريكية، خصوصًا بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل.

وفي إطار التحركات الأخيرة، أجرى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف محادثات مع زيلينسكي وستوب وستوره في أوسلو يوم 20 أكتوبر، قبل أن يتوجه إلى سان بطرسبرغ في اليوم التالي للقاء بوتين.

وكان من المقرر عقد اجتماع متابعة في بروكسل خلال الأسبوع الجاري، تمهيدًا للمفاوضات الثلاثية، لكن الجانب الأمريكي أرجأ المحادثات، في خطوة يُعتقد أنها ارتبطت بالتطورات في الشرق الأوسط.

وأكد زيلينسكي أن انعقاد الاجتماع بات مرتبطًا بالقرار الأمريكي، معربًا عن أمله في ألا تؤثر مسارات التصعيد الإقليمي على الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في بلاده.

بوتين يراهن على عامل الوقت

على الرغم من أن الرئيسين الفنلندي والنرويجي أبلغا زيلينسكي بأنهما لمسا جدية لدى بوتين تجاه فرصة استئناف المحادثات، فإن الشكوك لا تزال تحيط بنوايا موسكو بشأن التوصل إلى اتفاق قريب.

ووفق تقديرات دبلوماسيين أوروبيين، قد تكون روسيا بصدد إطالة أمد المفاوضات لكسب الوقت، على أمل أن تؤدي الهجمات المتواصلة على البنية التحتية للطاقة الأوكرانية خلال الشتاء إلى إضعاف كييف، وزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها.

كما تراهن موسكو، بحسب هذه التقديرات، على احتمال تراجع الدعم الأوروبي لأوكرانيا مع استمرار ارتفاع تكلفة الحرب، خصوصًا إذا شهدت الساحة السياسية الأوروبية تحولات قد تدفع بعض الحكومات إلى إعادة النظر في حجم المساعدات المقدمة لكييف.

وتزيد هذه المخاوف من صعوبة الرهان على المفاوضات وحدها لإنهاء الصراع، إذ يرى مسؤولون أوروبيون أن استمرار الضغط العسكري الروسي يستدعي تعزيز الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، بالتوازي مع تشديد العقوبات المفروضة على موسكو.

ومن المنتظر أن يبحث قادة الاتحاد الأوروبي، خلال قمتهم المقررة في بروكسل يوم 26 نوفمبر المقبل، سبل توفير التمويل اللازم لاستمرار المجهود الحربي الأوكراني، في خطوة تعكس أن أوروبا تستعد لاحتمال استمرار الحرب، حتى مع تجدد المساعي الدبلوماسية.

وبين رهانات السلام وحسابات التصعيد، تظل فرص التوصل إلى اتفاق مرهونة بقدرة واشنطن على مواصلة الضغط على الطرفين، واستعداد موسكو وكييف لتقديم تنازلات بشأن القضايا الخلافية، فضلًا عن قدرة أوروبا على الحفاظ على موقف موحد يضمن حضورها في أي تسوية مقبلة.

 

قد يهمك