بث تجريبي

شرق المتوسط… هندسة التحالفات ومسارات الصراع الجيوسياسي

لم يعد حوض شرق المتوسط مجرد حيز جغرافي هامشي، أو ممراً مائياً تقليدياً يربط القارات الثلاث؛ بل تحول في العقد الأخير إلى “لوحة شطرنج” عالمية وإقليمية، تتقاطع فيها خطوط الطاقة، والتجارة، والصراعات الجيوسياسية المعقدة، وفي ظل التبدلات الجذرية والمتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، وخريطة النظام الدولي ككل، تبرز هذه المنطقة بوصفها البوصلة الأساسية التي تحدد ملامح المستقبل الأمني والاقتصادي للعالم.

وتتأتى هذه الأهمية الاستثنائية من عاملين رئيسيين لا غنى عن تحليلهما؛ الأول هو الاكتشافات الهائلة للغاز الطبيعي وموارد الهيدروكربون، التي أصبحت تشكل عصب الأمن الطاقي لأوروبا والعالم، والثاني هو بروز مشاريع الممرات التجارية الكبرى الاستراتيجية، مثل الممر الاقتصادي الرابط بين الهند وأوروبا، عبر الأراضي العربية وشرق المتوسط.
ولو تمعنا النظر في الخارطة الجيوسياسية لهذه المنطقة الحيوية، سنشهد جملة من التناقضات العميقة والمعقدة، التي تحتاج إلى تفكيك وفهم عميقين، تمهيداً لإيجاد حلول حقيقية تضمن سيادة الاستقرار والأمان المفقود، إن هذا الاستقرار المنشود لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بادر دول شرق المتوسط نفسها، إلى تعزيز أطر التعاون الذاتي، بعيداً عن الاستقطابات الحادة للقوى الدولية المتنافسة، وتضم هذه المنطقة شبكة معقدة من الفاعلين المؤثرين في المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي العالمي، بدءاً من تركيا، وسوريا، لبنان، وإسرائيل وفلسطين، مروراً بمصر وقبرص واليونان، وصولاً إلى ليبيا وإيطاليا، غير أن معظم هذه الدول تثقل كاهلها أزمات وملفات عالقة تشكل عقبة حقيقية أمام تحويل شرق المتوسط، إلى واحة للاستقرار والعمل الاقتصادي المشترك.

الخريطة الجيوسياسية وعقدة التناقضات البنيوية للإقليم

تتسم الجيوسياسيات في شرق المتوسط، بتداخل المعطيات التاريخية مع المصالح الاستراتيجية المعاصرة، ولعل إحدى أبرز العقد الكلاسيكية في المنطقة تتمثل في التناقض الصارخ بين اليونان وقبرص من جهة، وتركيا من الجهة الأخرى، فالأزمة القبرصية، فضلاً عن النزاعات المستمرة حول ترسيم الحدود البحرية والمجالات الجوية في بحر إيجه، تمثل إشكاليات تاريخية تم ترحيلها لفتراتٍ طويلة، لكنها اليوم تُستحضر بقوة لفرض وقائع جيوسياسية جديدة، تهدف إلى تقييد الخيارات التركية أو وضع أنقرة أمام معادلات صعبة ومعقدة تحاصر طموحاتها الإقليمية.
إلى جانب ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل المسألة الكردية، عن أي قراءة جادة للمشهد التركي والإقليمي؛ إذ تشكل القضية الكردية متغيراً بنيوياً داخلياً وخارجياً، يمتد تأثيره المباشر عبر الحدود السورية والعراقية، ليطال عمق معادلات الأمن في شرق المتوسط، وفي سياق متصل، تتسع هوة التناقضات الإقليمية لتشمل سياسات أنقرة الخارجية، لا سيما من خلال دعمها المستمر لتيارات وجماعات الإسلام السياسي (وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين)، وهو ما تقرأه الدول العربية الوازنة والجهات الإقليمية والدولية، باعتباره أداة ضغط وتفاوض تستخدمها السلطة التركية لتوسيع نفوذها الجيوسياسي، الأمر الذي يفاقم حالة انعدام الثقة في الإقليم ويعرقل أي مساعٍ حقيقية للتقارب والتهدئة الجماعية.
أزمة الموارد والطاقة ومأزق قانون البحار
يشكل الحجم الهائل للموارد الطبيعية والغاز الجاهز للاستخراج في شرق المتوسط، أحد أبرز محفزات الصراع ومصادر التعقيد في الوقت ذاته، فعلى الرغم من أن هذه الثروات تملك القدرة على تحقيق التنمية والرفاه لشعوب المنطقة، وتأمين احتياجات الطاقة العالمية، إلا أن غياب الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يغذي حالة التوتر المستمر ويدفع بالمنطقة نحو حافة المواجهة.
إن لجوء بعض الأطراف إلى المقاربات الأحادية، وإبرام اتفاقيات ثنائية بمعزل عن المنظومة القانونية الدولية للبحار، أدى إلى خلق بيئة استثمارية محفوفة بالمخاطر، حيث يسيطر شبح الصراع على اتخاذ القرار الاقتصادي، ومع ذلك، فإن الأهمية المتصاعدة لشرق المتوسط بالنسبة للنظام الدولي ستدفع بالمنظومة العالمية نحو تبني رؤى ومقاربات أكثر حسمًا.
وتبرز مؤشرات واضحة في هذا السياق، مثل تأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط”، والشراكات الاستراتيجية المتنامية بين دول المنتدى والاتحاد الأوروبي، والتي تعكس مساراً مؤسسياً جديداً يتجاوز النزاعات الفردية؛ ما يضع تركيا أمام حتمية التكيف واللحاق بهذا المسار الإقليمي الصاعد أو مواجهة العزلة الاستراتيجية التامة.

هندسة الاتفاقات والتحالفات الجديدة بشرق المتوسط

في خضم هذا التدافع الجيوسياسي المحتدم، شهد المشهد الإقليمي، إعادة صياغة جذرية لخريطة التحالفات عبر إطلاق “الاتفاقات الإبراهيمية”، والتي تجاوزت الأطر الدبلوماسية التقليدية لتؤسس لاندماج أمني واقتصادي وعسكري، متقدم بين إسرائيل وعدة دول عربية، معتمدة على رؤية تقارب استراتيجي ومؤسسي في مواجهة التهديدات المشتركة وإعادة هندسة سلاسل الإمداد والتجارة والطاقة، هذا التحول الاستراتيجي لم يقتصر على الخليج، والشرق الأوسط الواسع، بل امتد ليتشابك عضوياً مع معادلات شرق المتوسط؛ حيث تجسد ذلك بوضوح في التعاون الاستراتيجي والعسكري المتقدم بين اليونان وإسرائيل، والذي ترجمته الاتفاقيات الدفاعية المشتركة، ومناورات التدريب العسكري المشتركة، والشراكات في مجالات الاستخبارات وتأمين حقول الغاز ومشاريع خطوط أنابيب الطاقة المدعوم برعاية أورومتوسطية وغربية، يهدف إلى إيجاد مظلة ردع جماعي وموازنة استراتيجية في مواجهة التمدد والسياسات التصعيدية لتركيا في الحوض البحري.

وفي المقابل، برزت مساعي التهدئة، وإعادة ترتيب البيت العربي، عبر مفاهيم ومسارات كبرى مثل “حلف مكة”؛ والذي قد يتطور موضوعياً ليكون هو نفسه نواة “الناتو الأوسطي”، أو المنظومة الأمنية الإقليمية الجديدة الموجهة لحماية الاستقرار المائي والاقتصادي، وهنا بالذات يبرز المأزق الاستراتيجي لتركيا التي دأبت على اختيار “الشيء وضده” في آنٍ واحد، ظناً منها أن هذه الدبلوماسية المزدوجة والمناورة المستمرة بين المحاور المتاخمة تمثل “شطارة سياسية”، غير أن هذا التكتيك الظرفي بات ينقلب عليها عكسياً؛ إذ تواجه أنقرة عزلة متزايدة نتيجة سياستها القائمة على اللعب على حواف المتناقضات، وعدم تقديم التزامات استراتيجية واضحة تجاه أمن الاستقرار الإقليمي والمجتمعي.

التموضع العسكري، الردع، والودائع الاستعمارية التاريخية

على الصعيد الأمني والعسكري، يلاحظ المتابع للمشهد في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في سباق التسلح، وتغيير قواعد التموضع العسكري في المنطقة، وخصوصاً التنسيق العسكري المتقارب بين اليونان، وعدد من القوى الإقليمية والدولية، وتكفي الإشارة إلى رسائل الردع الواضحة الموجهة لأنقرة، والمتمثلة في نشر منظومات تسليح متقدمة واستراتيجية، كطائرات الجيل الخامس (إف -35) والمسيّرات المتطورة في الجزر القريبة من السواحل التركية، لبيان مدى حساسية وقسوة التوازن العسكري الجديد الذي يفرض واقعاً دفاعياً واهناً للقدرات التركية الانفرادية.
وفي السياق ذاته، تحكم العلاقة المعقدة بين تركيا وإسرائيل، حسابات دولية أوسع تتجاوز الإطار الثنائي الضيق للبلدين، فوجود القضيتين الكردية، والفلسطينية، يعكس إلى حدٍ كبير، طبيعة “الودائع الاستعمارية” التي تركتها القوى الدولية الكبرى في بنية الدول والنظام الإقليمي الحديث، وما زال النظام الإقليمي القائم يعاني بعمقٍ من تداعيات إنكار الحقوق الأساسية للشعبين الكردي، والفلسطيني، ومنع قيام كيانات سياسية وعسكرية قادرة على تقرير مصيرها واستقلال قرارها؛ ما يجعل هاتين القضيتين جرحاً ينزف منه استقرار المنطقة بأكملها مع كل هزّة سياسية أو تحول إقليمي مرتقب.

 نحو توازنات جديدة في الشرق الأوسط

ختاماً، يمكن القول بصورة جازمة، إن منطقة شرق المتوسط لن تكون مجرد مسرح عابر للأزمات الطارئة، بل ستلعب دوراً محورياً وحاسماً في تبلور قوى إقليمية جديدة، وصياغة مصالح وتوازنات دقيقة تستهدف إعادة هيكلة وترتيب منطقة الشرق الأوسط برمتها، إن هذا المخاض الجيوسياسي العسير، المتشابك مع مفاعيل الاتفاقات الإبراهيمية، والتحالفات الأمنية الإثنية الإسرائيلية، وتفاعلات الناتو الأوسطي المحتمل ومخرجات مسار مكة، لن يكون سهلاً على تركيا التي ما زالت رهينة مناوراتها المزدوجة وسياساتها التناقضية، تماماً كما لن يكون يسيرًا على أي طرف يسعى لعرقلة أو مناهضة تنفيذ مشروع شرق المتوسط بملامحه وهندسته الاقتصادية والأمنية الجديدة.
 وعليه، فإن مستقبل الاستقرار في المنطقة رهين بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين، على مغادرة خنادق الهيمنة والمقاربات الأحادية، والاعتراف بأن أمن شرق المتوسط كلٌّ لا يتجزأ، وإن التعاون الاقتصادي واحترام القانون الدولي هما الممر الإجباري الوحيد نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

قد يهمك