فوز القوائم العربية في الانتخابات الإسرائيلية بـ19 مقعدًا في الكنيست من بين 120 مقعدًا، دفع حزب الليكود، بتحريض من نتنياهو، لاتهام الأحزاب العربية بتلقي تمويل أجنبي لتزوير الانتخابات وشراء الأصوات، ملمحًا إلى تدخل قطر وتركيا، وهو ما نفته الدوحة. كما دعا الليكود إلى اعتقال رؤساء الأحزاب العربية، حيث جن جنون الحزب بعد أن بلغت نسبة تصويت عرب 1948 نحو 80%، وهي نسبة لا تحدث في أي انتخابات إسرائيلية.
ووصل الأمر بالحزب إلى إصدار بيان عبر حسابه الرسمي لنتنياهو على منصة «إكس»، زعم فيه أن الانتخابات سُرقت، ووصف ما حدث بأنه هجوم على الديمقراطية بهدف تمكين جهات أجنبية من السيطرة على الكنيست والإطاحة بحكمه. وجاءت الاتهامات مرسلة دون دليل، وهو ما أكدته لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، بأنه لا يوجد أساس للادعاء بوجود تزوير منهجي للعملية الانتخابية.
ويُعد استخدام هذا النوع من الخطاب وسيلة متكررة في استراتيجية نتنياهو السياسية لتخويف وحشد قاعدته الانتخابية من اليمين، عبر إثارة المخاوف الديموغرافية والدينية، بالإضافة إلى التمهيد لإمكانية إلغاء الانتخابات بشبهة التزوير.
ورغم حصول تكتل الليكود على 53 مقعدًا، في حين حصل تكتل المعارضة على 48 مقعدًا، حققت القائمة العربية والقائمة الموحدة إنجازًا تاريخيًا بحصولهما على 19 مقعدًا، مما سيؤكد دورهما المؤثر والفعال في نتائج انتخابات الكنيست، وأصبح تكتل كل من الليكود والمعارضة عاجزًا عن تشكيل الحكومة منفردًا، وليس أمام أي منهما إلا التعاون والتنسيق مع أحزاب القائمة العربية والقائمة الموحدة، رغم أن نتنياهو يأمل في التحالف مع المعارضة لتشكيل حكومة يمينية قوية، لكن هذا، من وجهة نظر منافسه آيزنكوت، «حلم إبليس في الجنة»!
ونتيجة لهذه الانتخابات، لا بد من اتفاق نتنياهو أو آيزنكوت مع أحزاب أو كتل أخرى لكي يضمن كرسي رئاسة الوزراء، ولكن هل يمكن أن تتفق الأحزاب العربية التي حققت نصرًا سياسيًا مستحقًا على القبول بالشروط التعجيزية التي وضعها آيزنكوت للمشاركة العربية، مثل الاعتراف بيهودية إسرائيل، وقبول وثيقة استقلالها، والموافقة على التجنيد الإلزامي للفلسطينيين المعافين منه حاليًا، وإدانة حماس واعتبارها جماعة إرهابية؟!
وإذا كانت الانتخابات التشريعية الإسرائيلية أفرزت خريطة سياسية بالغة التعقيد، اتسمت بارتفاع غير مسبوق في نسب الإقبال، وتحديدًا في الشارع العربي، مقابل تقارب شديد في النتائج، وعجز أي من المعسكرين الرئيسيين، سواء معسكر اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو أو معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، عن حسم الأغلبية المطلقة (61 مقعدًا) بمفرده داخل الكنيست المكون من 120 مقعدًا، فإن هذا الجمود البرلماني يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام مفترق طرق حاد، تتقاطع فيه الحسابات الحزبية الشخصية مع الضغوط الأمنية والاجتماعية الملحة، لتبرز أربعة سيناريوهات رئيسية تحكم مستقبل المشهد السياسي.
وفي مقدمة هذه السيناريوهات، سيناريو تشكيل الائتلاف الحكومي التقليدي، حيث يُعد هذا السيناريو المسار الافتراضي الأول، بحيث يبدأ الرئيس الإسرائيلي مشاورات مع ممثلي الكتل البرلمانية لتكليف المرشح الأقدر على حشد دعم برلماني يصل إلى عتبة الـ61 مقعدًا. في حين يواجه معسكر نتنياهو عقبة كبرى تتمثل في عدم قدرته على توسيع قاعدته بسهولة، بعد إخفاق بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة في تجاوز نسبة الحسم. وفي المقابل، يمتلك معسكر آيزنكوت فرصة حسابية أوسع في حال تمكن من بناء جسور تفاهم، إلا أن التناقضات الأيديولوجية قد تجعل هذه المفاوضات طويلة وشاقة، ومفضية إلى حكومة هشة وقابلة للتصدع في أي لحظة.
والسيناريو الثاني: التوجه نحو حكومة أقلية تشارك فيها الأحزاب العربية بدور خاص، في حال استمرار الاستعصاء البرلماني وفشل الجانبين في بلوغ الأغلبية المطلقة، مما يبرز خيار «حكومة الأقلية» التي تحكم دون أغلبية مستقرة، بل تعتمد على دعم مؤقت أو «شبكة أمان» من خارج الائتلاف.
وفي هذا السيناريو، تلعب الأحزاب العربية دورًا محوريًا في ظل تحقيقها مكاسب عددية لافتة. وبينما أبدت بعض القوائم العربية استعدادًا لتوفير شبكة أمان لإسقاط حكومة نتنياهو، يواجه معسكر المعارضة حرجًا بالغًا وحساسية ملموسة لدى الشارع اليهودي حيال الاعتماد المباشر على أصوات النواب العرب، واعتباره أمرًا محظورًا، بينما يستغل نتنياهو هذا الخيار في التحذير المستمر من شرعية أي حكومة تعتمد على دعم عربي.
والسيناريو الثالث قائم على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بتقاسم السلطة، وبالرغم من حدة الاستقطاب السياسي والشخصي غير المسبوق، يظل خيار «حكومة الوحدة الوطنية» مطروحًا كضرورة نظرية للخروج من المأزق وتجنب الشلل الحكومي.
أما السيناريو الآخر، فيقوم على فرضية تخلي نتنياهو عن أجنحة اليمين المتطرف والأحزاب الدينية المتشددة (الحريديم)، مقابل الذهاب إلى شراكة أو تناوب في السلطة مع قوى الوسط بقيادة آيزنكوت، تحت عنوان مواجهة التحديات الأمنية الكبرى. ويواجه هذا الخيار معارضة ضارية من داخل معسكر المعارضة نفسه، الذي بُنيت شرعيته الانتخابية أساسًا على شعار إنهاء عصر نتنياهو ورفض التعايش معه في حكومة واحدة.
في حين يدفعنا سيناريو الطريق المسدود إلى الذهاب لانتخابات جديدة، إذا استنفد المكلفون مهلهم القانونية (28 يومًا مع إمكانية التمديد أسبوعين)، دون توقيع اتفاقيات ائتلافية قابلة للاستمرار. وفي هذه الحالة، ستجد إسرائيل نفسها مجددًا أمام مأزق تكرار التجارب السابقة بين عامي 2019 و2022.
ويعني هذا السيناريو العودة إلى نقطة الصفر والدعوة لانتخابات جديدة خلال فترة وجيزة. وفي هذه الأثناء، تستمر الحكومة الحالية في تسيير الأعمال (برئاسة نتنياهو) وإدارة الحكم، مما يمنحه هامشًا زمنيًا إضافيًا للبقاء في السلطة وإدارة الأزمات السياسية والقضائية المحيطة به، وسط حالة من الإنهاك السياسي والاقتصادي للمواطن الإسرائيلي.
تثبت نتائج هذه الانتخابات أن المجتمع الإسرائيلي يمر بحالة انقسام بنيوي عميق، تعجز الآليات الدستورية التقليدية عن حلها بسهولة. وبينما يسعى كل طرف لاقتناص مكاسب تضمن له الإمساك بزمام الأمور، تظل الحكومة المقبلة، مهما كانت صيغتها، محكومة بالهشاشة وقصر العمر الافتراضي، في ظل ائتلافات متناقضة وتعقيدات إقليمية ومحلية متصاعدة.
ويُعد الارتفاع الملحوظ في نسب الإقبال وصعود القوائم العربية نقطة تحول حاسمة ومحطة استثنائية في الخريطة السياسية الإسرائيلية.
ومن المؤكد أن هذا الحضور الرقمي والسياسي المكثف يفرز تداعيات عميقة ومخاطر متباينة المنظور، سواء على مستوى المعسكرات الحزبية الإسرائيلية أو على مستوى المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل.
كما يساهم تضخم الوزن البرلماني للقوائم العربية في تعقيد حسابات تشكيل الائتلافات، إذ يحرم معسكر اليمين بقيادة نتنياهو والمعسكرات المنافسة من بلوغ عتبة الـ61 مقعدًا بسهولة، مما يدفع المنظومة السياسية نحو حافة الجمود أو فرض خيارات حكومات هشة.
كما أثار الصعود العربي موجة من الاتهامات والخطاب التحريضي الحاد من قبل أطراف اليمين واليمين المتطرف، والتي سعت إلى التشكيك في شرعية التصويت العربي أو اتهامه بتقويض الطابع اليهودي للدولة، مما يكرس مناخات العنصرية والإقصاء المنهجي داخل المؤسسات التشريعية.
ويضع الصعود العربي أحزاب المعارضة الإسرائيلية (وسط ويسار صهيوني) أمام مأزق أخلاقي وسياسي؛ فهي من جهة تتطلع للاستفادة من الأصوات العربية لإسقاط نتنياهو، ومن جهة أخرى تتخوف من دفع ثمن سياسي باهظ أو مواجهة نقمة الشارع اليهودي في حال الاعتماد المباشر أو الشراكة المعلنة مع نواب عرب يطرحون أجندات وطنية.
ويخشى مراقبون أن يترجم اليمين الإسرائيلي، لا سيما أجنحته المتطرفة، هذا الحضور البرلماني المكثف إلى سياسات عقابية إضافية، وتصعيد في ملاحقة القيادات الوطنية، وتشديد القيود على العمل السياسي والمدني الفلسطيني في الداخل.
في حين يكمن التحدي الأبرز أمام النواب العرب في مدى قدرتهم على تحويل هذا الإنجاز العددي (المقاعد البرلمانية) إلى أدوات تأثير حقيقية تحمي المجتمع العربي من جرائم العنف والجريمة المنظمة، وتوقف سياسات هدم البيوت والتمييز العنصري في الميزانيات والبنى التحتية، دون الوقوع في فخ «الاحتواء السياسي» أو الاندماج العبثي الذي يفرغ العمل الوطني من مضامينه.
وعلى الرغم من الارتفاع الكبير في نسب المشاركة، تظل الانقسامات الأيديولوجية والتنظيمية بين القوائم العربية المختلفة، بين طروحات الاندماج المدني والمطلبي وتلك المتمسكة بالهوية الوطنية والقومية، تشكل تحديًا يعيق توحيد الخطاب واستغلال القوة البرلمانية بالكفاءة القصوى.
وقد يرى محللون أن الرهان على تغيير هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية عبر الأصوات العربية لا يعني بالضرورة تغييرًا في جوهر السياسات الاحتلالية أو الاستيطانية، فالبنية الأمنية والعسكرية للاحتلال تظل ثابتة، بغض النظر عن طبيعة الائتلاف الحاكم. ويظل بقاء القرار الاستراتيجي والأمني والعسكري حكرًا على الأحزاب الصهيونية، مما يجعل مشاركة أو تأثير النواب العرب محصورًا في الهوامش المدنية والخدمية، مع إقصائهم المنهجي عن أي تأثير في ملفات الصراع الكبرى.
ويمثل فوز القوائم العربية وصعودها الرقمي في الانتخابات الإسرائيلية سلاحًا ذا حدين؛ فهو من جانب يعكس إصرارًا جماهيريًا على انتزاع الحضور وإثبات الذات في مواجهة المد الفاشي والمتطرف، ولكنه من جانب آخر يصطدم بجدران النظام السياسي الإسرائيلي الصلبة، التي تحاول تحويل هذا الإنجاز إلى عبء سياسي أو تهميش مخرجاته عبر الإقصاء والتحريض المستمر.
عمومًا، نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تزال تتطلب المصادقة عليها ورفعها إلى رئيس الدولة بحلول الأربعاء المقبل، بعدها سيكلف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج شخصًا بتشكيل الحكومة الجديدة، وقد يكون زعيم الحزب الحائز على أكبر عدد من الأصوات، أي نتنياهو، أو من يرى قادة الأحزاب المختلفة أنه الأنسب. وإذا فشلت محاولات متعددة لتشكيل الحكومة، فستواجه إسرائيل انتخابات جديدة مطلع العام المقبل.
منبر الرأي