بث تجريبي

د. ياسمين السبع تكتب: «رسائل بلا لقاء بين نيويورك والقاهرة».. إعلان حرب على جبران!

يظل جبران خليل جبران واحدًا من أبرز الأسماء الأدبية التي تلجأ إليها الأرواح الباحثة عن ملاذ من قسوة الواقع، فقد امتلك قدرة استثنائية على تحويل المعاناة الإنسانية إلى نصوص أدبية آسرة، وصاغ من مشاعره وأفكاره عالمًا خاصًا جذب إليه القراء عبر الأجيال.

لكن التأمل في علاقته بالأديبة مي زيادة يفتح بابًا مختلفًا للتساؤل: هل كان جبران عاشقًا استثنائيًا بالفعل، أم أنه أتقن التعبير عن الحب بالكلمات أكثر مما أتقن ممارسته في الواقع؟

وهل يمكن إعادة النظر في الصورة الرومانسية التي صنعتها الذاكرة الثقافية لهذه العلاقة، دون المساس بمكانة جبران الأدبية؟

ليست المسألة هجومًا على أدب جبران أو التقليل من قيمته، وإنما محاولة لقراءة الجانب الإنساني في شخصيته، والتوقف أمام الفجوة بين ما يكتبه العاشق وما يفعله عندما يصبح اللقاء ممكنًا، أو عندما يتطلب الحب قرارًا ومبادرة وحضورًا حقيقيًا.

أكثر من عشرين عامًا من الرسائل دون لقاء

بدأت المراسلات بين جبران ومي في العقد الثاني من القرن العشرين، واستمرت سنوات طويلة قاربت ربع قرن، حتى وفاة جبران في نيويورك عام 1931.

كانت مي تقيم في القاهرة، بينما استقر جبران في الولايات المتحدة، وجمع بينهما الاهتمام بالأدب والكتابة، قبل أن تتحول المراسلات إلى علاقة عاطفية أصبحت واحدة من أشهر العلاقات في تاريخ الأدب العربي الحديث.

نشأ بينهما رابط فكري وروحي مميز، وانتشرت روايات عن أن مي شعرت بوفاة جبران في اللحظة نفسها التي فارق فيها الحياة، قبل وصول الخبر إليها في القاهرة، كما ترددت روايات عن رغبته في الزواج منها.

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن جبران ومي، رغم سنوات المراسلات والتقارب العاطفي والفكري، لم يلتقيا وجهًا لوجه قط، كما توفي كل منهما دون زواج.

وهنا يظهر السؤال الذي يستحق نقاشًا يتجاوز الانبهار المعتاد بعبارات الحب المتبادلة بينهما: هل كانت هذه العلاقة دليلًا على استثنائية الحب، أم نموذجًا لعاطفة ظلت حبيسة الكلمات؟

هل كانت شعلة حب أم رمادًا انطفأ مبكرًا؟

في كتاب «الشعلة الزرقاء»، جمعت مي زيادة رسائل جبران إليها، بينما لم يحتفظ جبران برسائل مي إليه، بحسب الرواية المتداولة عن مراسلاتهما.

وعند قراءة هذه الرسائل، تبدو مي مساحة واسعة في عالم جبران الفكري والعاطفي؛ إليها كان يرسل أعماله وأفكاره، ويكشف لها جوانب من روحه وتفكيره.

وكانت مي بدورها تتفاعل مع كتاباته، وتقدم أعماله وأفكاره إلى الجمهور من خلال ما تكتبه عنه في الصحافة المصرية، لتسهم في تعريف القراء بأدبه ورؤيته.

وفي إحدى رسائله، حاول جبران طمأنتها من مخاوف الحب، قائلًا:

«لماذا تخافيه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس؟ أتخافين من البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟... لا تخافي الحب يا ماري يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة».

كما خاطبها بعبارات شديدة الحميمية، ووصفها بأنها أقرب الناس إلى روحه وقلبه، وتحدث عن مكانة رسائلها لديه، متخيلًا في كثير من المرات وجودها إلى جواره في لحظات التأمل ومشاهدة السماء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان هذا التقارب العاطفي كافيًا لإثبات استثنائية العلاقة، أم أن غياب اللقاء يكشف جانبًا آخر منها؟

كتب عن المسافات ولم يستطع تجاوزها

هنا تحديدًا أختلف مع القراءة التي تعتبر المسافة الجغرافية بين مي وجبران دليلًا على استثنائية حبهما.

فالمسافة ليست فضيلة في ذاتها، واستمرار الحرمان من اللقاء سنوات طويلة لا يصبح دليلًا على صدق المشاعر لمجرد أن العلاقة استمرت عبر الرسائل.

قد تكون الكتابة وسيلة حقيقية للتعبير عن الحب، وقد تتحول في الوقت نفسه إلى مساحة آمنة يبوح فيها الإنسان بأعمق مشاعره دون أن يواجه تعقيدات العلاقة الواقعية.

وهناك فارق بين أن يحب الإنسان شخصًا يعرفه عن قرب، ويرى تفاصيله ونقاط ضعفه، وبين أن يحب الصورة التي رسمها عنه في خياله. كما أن هناك فرقًا بين الاشتياق إلى شخص بعينه، والاشتياق إلى الشعور الذي يمنحه وجوده في العالم الداخلي للإنسان.

ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل أحب جبران مي، أم أحب صورته عن نفسه من خلالها؟

هذا الاحتمال يستحق النقاش؛ فقد بنى معها علاقة فكرية وعاطفية مميزة، لكنه لم يخض تجربة اللقاء التي كان من الممكن أن تنقل علاقتهما من عالم التوقعات إلى الواقع.

وإذا وصفت جبران بالجبن العاطفي، فإنني أقصد بذلك سلوكه في هذه العلاقة تحديدًا، وليس شجاعته في مجالات حياته الأخرى أو تمرده الأدبي والفكري.

لقد امتلك شجاعة الاعتراف بالكلمات، لكنه لم يقدم، وفق ما نعرفه عن تاريخ العلاقة، على الخطوة التي كان يمكن أن تختبر صدق هذا الاعتراف خارج الرسائل.

مي زيادة.. امرأة أكبر من قصة حب

لم تكن مي زيادة امرأة تنتظر فارسًا يأتي ليمنحها القيمة أو يكتشف وجودها؛ فقد كانت كاتبة ومثقفة وصاحبة صالون أدبي في القاهرة، وامتلكت مكانة فكرية وأدبية مميزة في زمن كانت فيه المرأة تواجه قيودًا اجتماعية تحد من مشاركتها في المجال العام.

صنعت مي لنفسها مكانًا في الحياة الثقافية العربية، وامتلكت عالمها الفكري الخاص، كما كان لديها عدد من المعجبين، ولذلك لا يصح اختزالها في صورة المرأة التي أحبت أديبًا بعيدًا وانتظرت رسائله.

كذلك فإن اختزال علاقتها بجبران في كونها مجرد مصدر إلهام له ينتقص من استقلاليتها ودورها في هذه العلاقة؛ فقد كانت طرفًا فاعلًا فيها، وليست مجرد شخصية هامشية في قصة أدبية.

ومع ذلك، تكشف المراسلات المنشورة أن مي لم تكن دائمًا راضية عن طبيعة التواصل بينهما.

ففي رسالة مؤرخة في 11 مارس 1925، عبّرت عن خيبة أملها بسبب تأخر رسائله، وتساءلت عما إذا كانت الكلمات القليلة التي تصلها منه قادرة على تعويض فترات الصمت الطويلة.

وتكشف هذه الشكوى أن العلاقة لم تكن تسير دائمًا بالصورة المثالية التي قد يتخيلها القارئ عند الاطلاع على أجمل رسائل الحب المتبادلة بينهما.

لكن يبقى السؤال: هل كانت امرأة بحجم مي الفكري والثقافي عاجزة عن التمييز بين عذوبة الكلمات والواقع الملموس؟ أم أنها فضّلت الاحتفاظ بالتجربة في إطارها المثالي، بعيدًا عن اختبار الواقع وما قد يحمله من خيبة أمل؟

وهل أدركت في النهاية أنها أمام رجل يجيد التعبير عن الحب، لكنه لا يمتلك الاستعداد الكافي لتحويل كلماته إلى خطوات عملية؟

مشاعر بلا مسؤولية.. حب مع إيقاف التنفيذ

امتلك جبران قدرة استثنائية على تحويل التجارب الإنسانية إلى صور أدبية وشعرية، لكن هذه القدرة ربما جعلت العاطفة في كتاباته أكثر اكتمالًا من العاطفة في حياته الواقعية.

فالكتابة تمنح صاحبها القدرة على اختيار كلماته، وتجميل صورته، والاقتراب من الآخر بالقدر الذي يريده، والابتعاد عندما يشاء.

أما اللقاء الحقيقي، فيفرض شروطًا مختلفة؛ فهو يتطلب حضورًا متبادلًا، وقبولًا بالاختلاف، وتحملًا لمسؤولية الأفعال، واحتمال اكتشاف أن الشخص الذي أحببناه في خيالنا ليس مطابقًا تمامًا للشخص الذي نلتقيه في الواقع.

ربما وجد جبران في مي عقلًا يثير إعجابه، وروحًا أدبية تتجاوب مع عالمه، ونافذة تربطه بالثقافة العربية التي ظل متعلقًا بها.

وربما أحبها بالفعل، لكن بطريقة لم تدفعه إلى إعادة ترتيب حياته من أجل لقائها، رغم سنوات التواصل الكتابي بينهما.

لا نستطيع الجزم بما كان يدور في داخله، ولا نملك حق تحويل الاحتمالات النفسية إلى حقائق تاريخية. لكن يمكننا مساءلة العلاقة في ضوء ما نعرفه من سلوك طرفيها.

وهنا أميل إلى القول إن جبران أحب مي بالطريقة التي تناسبه؛ حب يمنحه القرب الروحي دون أن يفرض عليه الحضور الفعلي، ويسمح له بالاعتراف بمشاعره دون أن يضعه بالضرورة أمام مسؤوليات العلاقة الواقعية.

ومع ذلك، لا ينبغي إعفاء مي من دورها في هذه العلاقة؛ فهي لم تكن مجرد متلقية لرسائله، وإنما كانت طرفًا اختار الاستمرار في هذا التواصل، وشارك في تشكيل طبيعته.

هل كان جبران جبانًا في علاقته بمي؟

ربما أميل إلى الإجابة بنعم، لكن بشرط فهم هذا الوصف باعتباره قراءة نقدية لسلوكه العاطفي في هذه العلاقة، وليس حقيقة نفسية مثبتة أو حكمًا شاملًا على شخصيته.

فلا نملك دليلًا كافيًا للقول إن جبران لم يحب مي على الإطلاق، كما لا يمكن الجزم بأنه تعمد استغلال مشاعرها لتكون مصدر إلهام لأعماله الأدبية أو وسيلة لتعزيز حضوره في الشرق.

لكن في المقابل، لا أجد في جمال رسائله وعذوبتها وحدهما ما يكفي لإعفائه من مسؤولية الغياب الطويل الذي امتد سنوات دون لقاء.

لقد كتب جبران عن القرب، وتحدث عن الحب والاشتياق، بينما ظل اللقاء غائبًا.

وهناك تناقض واضح بين ما تقوله الرسائل وما تحقق على أرض الواقع. صحيح أن جبران منح اللغة قدرة على اختصار المسافات، لكنه لم يحول هذه القدرة إلى حضور حقيقي.

وربما كانت لديه أسباب لا نعرفها كاملة، لكن الأسباب المحتملة لا تغير حقيقة أن العلاقة استمرت سنوات طويلة دون أن تتحقق في لقاء واحد.

لذلك، لا ينبغي إدانة الحب لمجرد أنه كُتب في الرسائل، كما لا ينبغي منحه حصانة من المساءلة لمجرد أن صاحبه شاعر وأديب بحجم جبران.

مي أكبر من أن تختزل في انتظار جبران

قد تكون الرسائل اعترافًا صادقًا بالحب، وقد تكون بديلًا مريحًا عن اتخاذ القرار، وربما تجمع بين الأمرين معًا.

لكن الفارق لا تصنعه البلاغة وحدها، وإنما ما يستطيع الإنسان تقديمه عندما تنتهي صلاحية الكلمات ويصبح الفعل مطلوبًا.

أما مي، فلا يمكن اختزالها في صورة المرأة التي انتظرت جبران ولم يأتِ؛ فقد امتلكت الجرأة الأدبية للتعبير عن مشاعرها، والعقل الذي مكّنها من بناء عالمها الفكري، والاستقلال الذي يجعلها أكبر من أن تختصر في رسائل حب.

لكن ماذا تفعل الشجاعة الأدبية عندما تكون العلاقة مسؤولية طرفين؟

ربما لو بادرت مي إلى السعي للقاء وإخراج العلاقة من حدود الورق إلى الواقع، لواجهت ترددًا من جبران أو اكتشفت عدم استعداده لهذه الخطوة. وربما كانت تخشى أن تتحول الصورة الجميلة التي احتفظت بها عنه إلى تجربة واقعية تحمل خيبة الأمل.

وقد تكون فضّلت الاحتفاظ به في صورتها المثالية، بدلًا من مواجهة احتمال أن تخذلها الحقيقة.

وفي النهاية، ربما كان جبران أقرب الأدباء إلى روحي، وأكثرهم قدرة على التعبير عن ذاتي في كثير من كتاباته، لكن هذا لا يمنعني من إعادة النظر في علاقته بمي، وتجريدها من المثالية التي أحاطت بها طويلًا.

لقد آن الأوان لتفكيك بعض السرديات التاريخية الكلاسيكية، وقراءتها بقدر من الحياد، بعيدًا عن الانبهار بالأسماء الكبيرة أو الانحياز للصورة الرومانسية التي صنعتها الذاكرة الثقافية.

المصدر: بوابة الأهرام

قد يهمك