بعد استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي بفترة وجيزة، استعانت الحكومة السورية ممثلة بالرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء سعدالله الجابري بخبرة المستشار القانوني البلجيكي كزافييه لوجون دي شارفيل Xavier Lougeon de Cherville، والذي كان يشغل منصب "الخبير الإداري للحكومة السورية لدى معالي رئيس مجلس الوزراء"، لوضع توصية هيكلية رئيسية لإعادة تنظيم الإدارة المحلية في سوريا بشكل كامل.
قبل ثمانين عامًا بالتمام والكمال، 10 حزيران/يونيو 1946، اقترح الخبير البلجيكي كزافييه لوجون دي شارفيل، في توصية رسمية، إصلاحًا إداريًا شاملًا يستند إلى حد كبير إلى النموذج البلدي البلجيكي الذي يتميز باللامركزية القوية، والاستقلال الذاتي المحلي الواسع. وتضمنت توصيته إضفاء الطابع المؤسسي على البلديات المحلية ككيانات قانونية ومالية مستقلة تتمتع بصلاحيات محددة منفصلة عن الحكومة المركزية في دمشق، والانتخاب المباشر للمجالس البلدية لترسيخ الشرعية الديمقراطية على المستوى المحلي.
كما تضمنت توصية دي شارفيل القانونية إنشاء هياكل فنية ومالية حديثة لتبسيط عملية تحصيل الضرائب المحلية، وإدارة خدمات البنية التحتية العامة. وشكل تقرير وتوصية دي شارفيل الأساس التقني المباشر لصياغة القوانين الإدارية السورية الجديدة لعامي 1946 و1947. وهدفت هذه النصوص التشريعية إلى استبدال مراسيم المركزية القديمة الصادرة عن الانتداب الفرنسي بإطار عمل عصري حديث. وقد أرست هذه القوانين الأسس القانونية الأولى للامركزية في سوريا من خلال تحديد وضع البلديات وآلية عمل المجالس المحلية.
الأهداف السياسية لحكومة الجابري تمثلت بترسيخ السيادة الوطنية واستبدال المستشارين الاستعماريين الفرنسيين السابقين بخبراء من دول محايدة مثل بلجيكا لصياغة القوانين الوطنية. كذلك أرادت الحكومة توحيد الأقاليم ودمج المناطق الطرفية، مثل المناطق ذات الحكم الذاتي السابقة للعلويين غربًا والدروز جنوبًا، في إطار واحد متناسق للدولة. بالإضافة إلى تخفيف حدة التوترات الإقليمية بمنح الإدارة الذاتية للمدن الكبرى مثل حلب لنزع فتيل التنافس مع العاصمة دمشق، ووءد المحاولات الجادة للانفصال.
وهدف مشروع اللامركزية الذي صممه المستشار البلجيكي زافير لوجون دي شارفيل إلى تزويد سوريا ببنية إدارية حديثة مع تعزيز وحدة الدولة الناشئة. حيث أوصى المشروع الذي اقترحه دي شارفيل بتكليف البلديات والمحافظات بالمسؤولية المباشرة عن إدارة الخدمات العامة المحلية من بنية تحتية للطرق، وشبكات المياه، والنظافة العامة، والمدارس.. وعلى عكس الفيدرالية التي سادت فيما بعد في أوروبا وأمريكا؛ استبعد هذا النموذج أي لامركزية تشريعية أو هوياتية. وظلت سلطة التشريع حقًا حصريًا لبرلمان دمشق. وللحفاظ على الوحدة الوطنية، احتفظت السلطة المركزية بحق صارم في الرقابة والتفتيش والمحاسبة. كما عمل المحافظون كممثلين مباشرين للدولة، وقادرين على إقرار أو إلغاء القرارات الصادرة عن المجالس المحلية إذا كانت تتعارض مع المصلحة الوطنية.
كذلك تضمن النموذج إصلاح الضرائب المحلية للسماح للبلديات بتحصيل الضرائب المباشرة وإدارة ميزانيتها الخاصة، مما يقلل من اعتمادها المالي على العاصمة. أيضًا غذّت أعمال وتقارير البعثة البلجيكية بشكل مباشر الانتقال القانوني بين نظام الانتداب الفرنسي وتنظيم الجمهورية الفتية. وأعاد قانون البلديات تحديد الوضع القانوني للمدن السورية، ومنحها شخصية اعتبارية وزيادة في الاستقلال المالي لكسر المركزية البيروقراطية للانتداب. كذلك تم إلغاء، وبشكل نهائي، الأوضاع القانونية الاستثنائية التي كانت سائدة في مناطق العلويين والدروز.
على الرغم من أن التقارير الفنية قدمت خارطة طريق للإصلاحات التشريعية في فترة ما بعد الاستقلال مباشرة. إلا أن مشروع اللامركزية لم يُكتب له الاستمرار. فقد أدى عدم الاستقرار السياسي المزمن في سوريا منذ عام 1949، وما تلاه من صعود أنظمة عسكرية وأمنية مركزية للغاية في العقود اللاحقة، إلى إنهاء هذه المحاولات المبكرة لإنشاء صيغة حكم محلي رشيد مستقل لكل محافظة.
أثار استقبال مشروع تبسيط المركزية والديمقراطية المحلية توترات حادة داخل الأوليغارشيات/الأقليات المحلية الإقليمية. ففي حلب، نظرت الطبقة التجارية البرجوازية الكبيرة والنخب التقليدية البارزة إلى هذه العملية التنظيمية بعين الريبة، خشية أن يؤدي توحيد القواعد الإدارية الذي فرضته العاصمة إلى تقييد نفوذهم التاريخي على الاقتصاد والحكم المحليين. وسرعان ما حكمت النخبة في حلب على النموذج البلجيكي بأنه خجول للغاية، ويفتقد للجرأة والثورية. وأعربت عن أملها في تحقيق لامركزية سياسية أوسع، أو حتى نظام كونفدرالي، لموازنة الثقل السياسي لدمشق. كذلك أدى استمرار إشراف الدولة القوي على الميزانيات المحلية إلى إثارة عدم ثقتهم، وإلى حرصهم الدائم على أن يكون لحلب "حبّة مسك" أو "سكرة زيادة" من المزايا الوظيفية والنيابية في الدولة السورية.
بصراحة، كل هذه الجولة التاريخية سببها معلومة صغيرة عن نشأة محافظة إدلب، حين أرسل وجهاء وأعياء مدينة إدلب سنة 1955 (بعد صدور توصية مسيو كزافييه لوجون دي شارفيل بتسع سنوات) برقية مسجلة إلى مكتب رئيس الوزراء سعد الله الجابري بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 1955 يطالبون بجعل إدلب محافظة "تنفيذًا لمشروع الخبير البلجيكي". وهذه البرقية نشرتها صحيفة بردى الدمشقية في العدد 1682، والصادر بنفس التاريخ: الجمعة 21 كانون الثاني 1955.
بطبيعة الحال لم تذكر برقية أهالي إدلب اسم الخبير أو عنوان تقريره/توصيته لكن وجود نسخة عربية من التقرير بحجم 154 صفحة في أرشيف الدكتور أنور حاتم في القدس يدل على أنه لم يكن مجرد مذكرة صغيرة؛ بل دراسة إدارية واسعة نسبيًا. والتقرير كان مخصصًا للإدارة الحكومية، وليس تقريرًا اقتصاديًا أو فنيًا محدودًا. وهذا يتفق تمامًا مع عبارة أهالي إدلب عن "فكرة اللامركزية" و"النظام الإداري".
وللعلم فإن الدكتور أنور حاتم هو وكيل مديرية الغرفة الإدارية لرئاسة مجلس الوزراء السوري سنة 1944. ثم عُين المدير العام لرئاسة مجلس الوزراء. ثم بعد انقلاب حسني الزعيم سنة 1949 تم تكليفه بوكالة الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء، بالإضافة إلى وظيفته الأصلية حتى نهاية 1949. وكان الدكتور أنور حاتم رابط الوصل مع الدبلوماسيين الأجانب والحكومة السورية عقب الاستقلال والفترة التأسيسية، وكان الشخصية الإدارية الأبرز التي نسقت وتواصلت مع المبعوثين الدوليين والدبلوماسيين الذين حضروا إلى دمشق وبيروت لتنظيم العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. ومن بينهم بطبيعة الحال القائم بالأعمال البلجيكية في سوريا ميشيل ريموند تايمانز، والمستشار القانوني البلجيكي كزافييه لوجون دي شارفيل.
أما عن سبب وجود أرشيف الدكتور أنور حاتم في القدس المحتلة فهذا موضوع مقالة مقبلة.
بعد خروج المستعمر الفرنسي أراد الآباء المؤسسون لدولة سوريا سنة 1946 بناء دولة عصرية محترمة. وبسبب التعقيدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تركها الانتداب الفرنسي، وقبله الحكم العثماني؛ طلب هؤلاء الآباء المؤسسون نصيحة أو توصية من خبير دولي في القانون الإداري والدستوري ويكون محايدًا. ووقع الاختيار على المستشار القانوني البلجيكي كزافييه لوجون دي شارفيل. وبقيت هذه التوصية في ذهنية الحكومة السورية والسوريين طوال فترة الأربعينيات والخمسينيات. وبناء عليها طالب أهالي إدلب بفصل "قضائهم" عن حلب. وأن يتحول هذا "القضاء" إلى محافظة مستقلة بسبب تعقيدات إدارية وخدمية ترتب عليها معاناة أهالي إدلب من انعدام الخدمات، وكثرة أعباء الجباية والضريبة غير المتناسبة مع واقعهم المعيشي.
وكمبرر أو مستند قانوني لمطلب أهالي إدلب في إقامة محافظة خاصة بهم مستقلة عن حلب أرسلوا بتاريخ 21 كانون الثاني/يناير 1955 برقية إلى رئيس مجلس الوزراء قالوا فيها صراحة إن تحويل القضاء إلى محافظة هو "تنفيذًا لمشروع الخبير البلجيكي" الصادر قبل تسع سنوات، والذي كانت الحكومة السورية تضعه نصب عينيها في تطبيق إصلاحاتها الإدارية.
في العدد 1682 من صحيفة بردى السابق الإشارة إليه، نشرت الصحيفة برقية أهالي إدلب التي جاء فيها أنهم يطالبون بتحويل إدلب من قضاء إلى محافظة، واستندوا صراحةً إلى مبدأ اللامركزية والنظام الإداري الحديث ومشروع الخبير البلجيكي وحاجة إدلب ومؤهلاتها الاقتصادية والسكانية.. والبرقية موقعة من طيف واسع من أعيان إدلب، ومن بينهم المفتي ومدراء مدارس وأعضاء المجلس البلدي وأطباء ومحامون ورؤساء نقابات وتجار ورجال دين مسيحيون ومسلمون.
وبناء عليه، وبعد سنتين من المداولات، أقرت الحكومة السورية برئاسة صبري العسلي سنة 1957 قانون استقلال إدلب عن حلب لتصبح إدلب محافظة مستقلة بالفعل بموجب القانون رقم 468 الصادر في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1957 بتوقيع الرئيس شكري القوتلي. لكن التطبيق الفعلي تأخر حتى عهد الوحدة مع مصر حيث صدر مرسوم من الرئيس جمال عبد الناصر بتعيين عبد الغني جمال كأول محافظ رسمي لإدلب في 17 مايو 1960.
للأسف لم تعد "توصية الخبير البلجيكي" في إدراج الحكومة السورية. لكن مع تحسن العلاقات بين دمشق وتل أبيب اليوم؛ يمكن المطالبة بها أو بنسخة منها. وبالتالي بالإمكان الحصول على نصيحة خبير دولي بالإدارة المحلية لحل مشاكل سوريا المستفحلة اليوم. والتي أدت خلال أقل من سنتين إلى "مطبات" خطيرة كادت تودي بالسوريين إلى حروب أهلية. واحتمالات ذلك مازالت مفتوحة وممكنة.
هذه ليست دعوة للحكومة فقط؛ بل لأعضاء مجلس الشعب أيضًا، والمؤثرين "العقلاء" الذين تستأنس برأيهم حكومة دمشق اليوم.. استحضروا هذه الوثيقة التاريخية وناقشوها واستنبطوا منها حلاً وطنيًا مثلما فعل الأدالبة قبل واحد وسبعين سنة، واستحدَثوا من خلالها "أفتى" محافظة في سوريا كان لها الفضل في إقتلاع الدكتاتورية والاستبداد والفساد في سوريا من جذوره سنة 2024. فربما إذا فعلنا ذلك مجددًا، وفق توصيات الخبير البلجيكي، نكون إزاء دولة مستقلة محترمة قوية تسودها النزاهة والعدالة.