تتّجه العلاقات بين تركيا وإيران نحو توتر قد يكون غير مسبوق، في ظلّ تساوق الأولى مع جزء من الإجراءات العدوانية الأميركية ضدّ الثانية، وميلها إلى مساعدة السعودية، ولو بصورة غير مباشرة، في مواجهة حركة «أنصار الله» في اليمن. ففي خطوة مفاجئة تتّصل بالعقوبات الأميركية على إيران، قرّرت أنقرة، الجمعة الماضي، إغلاق بنك «ملّت» الإيراني في إسطنبول وأنقرة وإزمير، وإلغاء الترخيص المعطى له منذ العام 1982. والبنك، الذي أصدرت القرار في حقّه «هيئة الرقابة على المصارف» ليُنشر فوراً في الجريدة الرسمية، مثّل قناة تواصل مهمّة لتنشيط الحركة التجارية بين طهران وأنقرة على مدى 44 عاماً، ويبلغ مجموع أصوله نحو مليار دولار، ومجموع أموال المودعين فيه نحو نصف مليار دولار.
وفي حين برّرت «هيئة الرقابة» القرار الجديد بأن بنك «ملّت» يشكّل «تهديداً لأمن النظام المالي في تركيا واستقراره»، اتهم زعيم حزب «الرفاه الجديد»، فاتح أربكان، الحكومة بالانصياع للإملاءات الأميركية، معتبراً أن أنقرة هي أوّل من يُسارع إلى تلبية طلبات القوى الخارجية. وكانت أغلقت تركيا، قبل أسبوعَين، بناءً على تعليمات وزارة الخزانة الأميركية، بنك «غولدن بنك» ومتفرّعاته. كذلك، ألغت رحلات شركة الطيران الإيرانية «ماهان إير» بين طهران وإسطنبول. وبحسب بيان صادر عن الشركة الإيرانية، فإنه بناءً على طلب «هيئة الطيران المدني التركية»، تمّ إلغاء الرحلات إلى تركيا حتى إشعار آخر.
ورُبطت تلك الإجراءات التركية بالإملاءات الأميركية، من جهة، وبتصاعد التوتر بين حركة «أنصار الله» في اليمن والسعودية، من جهة أخرى. وفي هذا السياق، كان لافتاً حديث وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، في حوار مع محطّة تلفزيونية تركية، عن أن بلاده «على تشاور وتنسيق دائمَين مع السعودية»، واعتباره أن «الاعتداءات الحوثية على وحدة الأراضي السعودية وسيادتها خطيرة جداً». وقال فيدان إن «لنا تحالفات مع السعودية، ونحن نلتزم بكلمتنا. ونراقب الوضع عن كثب. ويمكن أن نقدّم وفقاً لمتطلبات حلف مكة مساعدات عسكرية ذات طابع تقني. ولن نجد صعوبة في تلبية هذه الاحتياجات. وسيكون لهذا الأمر تأثير حاسم». وردّاً على اعتبار البعض أن «حلف مكة» مجرّد حبر على ورق، قال فيدان: «سترون أن حلف مكة سيكون منصّة تغيّر قواعد اللعبة». في المقابل، هدّد القيادي في «أنصار الله»، محمد البخيتي، كلّاً من تركيا وباكستان بأن أيّ «تحرّك عسكري مباشر لحكومتَيهما في اليمن لدعم العدوان السعودي، سوف يُواجَه بردّ حاسم وموجع. وسنضربهما بيد من حديد».
تحاذر تركيا التورّط العسكري المباشر في اليمن لتأثيراته الخطيرة والواسعة عليها
اللافت أن الإجراءات التركية ضدّ المؤسسات الإيرانية اتّخذت فجأة وعلى عجل، عشية الزيارة التي بدأها، أمس، الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى نيويورك، وتستمرّ أربعة أيام، ويُنتظر أن يلقي خلالها كلمة أمام الأمم المتحدة غداً -حيث سيكرّر إدانته لإسرائيل والحرب على غزة-، كما أنه سيلتقي مجموعات ضغط أميركية مختلفة. وإذ لم يذكر بيان رئاسة الاتصالات في القصر الرئاسي ما إذا كان إردوغان سيلتقي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أم لا، أكد السفير الأميركي في تركيا، توم برّاك، أن اللقاء بين الرئيسَين سيحصل، وسيتناول موضوعات متعدّدة.
ويطغى على الأوساط التركية اعتقاد بأن الإجراءات الموجّهة ضدّ إيران هي بمثابة «هدايا» يحملها إردوغان معه إلى «الصديق ترامب». وإذ عنونت صحيفة «قرار»: «للمرّة الأولى تَبرد إلى هذا الحدّ» -عانيةً العلاقات بين طهران وأنقرة-، فإن بعض المراقبين ذهبوا إلى أن «تركيا إردوغان» تمضي على طريق ممارسات حكومات الإسلامي عدنان مندريس -في الخمسينيات-، التي انخرطت في «حلف بغداد»، وعملت مع العراق وإيران وباكستان وبريطانيا، حينها، لمواجهة صعود حركة التحرّر العربي بقيادة جمال عبد الناصر. وفي حين انتهى «حلف بغداد» بفعل ثورة عبد الكريم قاسم في العراق عام 1958، آل أمر مندريس، الذي يعتبره إردوغان قدوة له، إلى مقصلة الإعدام عام 1961، وذلك بعد الانقلاب العسكري الأول في تركيا عام 1960.
وتكثر التساؤلات عما إذا كانت تركيا ستتورّط عسكرياً وبقوة في الحرب السعودية ضدّ «أنصار الله» أم لا. وإذ تحاذر أنقرة التورّط العسكري المباشر أو الحاسم، وتأثيرات ذلك الخطيرة والواسعة على تركيا، ولا سيما في مجال الطاقة، فإنها تعمل مع باكستان على تبريد الحنق السعودي على «أنصار الله»، توازياً مع تكثيفها الدعوات إلى عدم التصعيد، والدخول في حوار مع الحركة. ولا يبدو أن الدعم العسكري التركي للسعودية سيكون مؤثّراً في ظلّ امتناع ترامب نفسه عن مدّ يد العون إلى المملكة، وأيضاً بالنظر إلى تهديد «أنصار الله» لتركيا. ومع هذا، فإن الرياض لن تتوانى عن السعي إلى جرّ الأتراك والباكستانيين إلى مستنقع يبدو الآن أن تأسيس «حلف مكة» كان أحد أهدافه الرئيسة، وذلك لترميم الردع السعودي وإعادة الهيبة إليه، في ظروف لا تبدو على أي حال مؤاتية للمملكة.
منبر الرأي
منبر الرأي