بث تجريبي

د. زينة منصور تكتب: باب المندب - هرمز .. "إدارة الحرب دون طلقة واحدة"

في حرب الممرات، ومسارات الطاقة، و"الإغلاق دون إغلاق"، بات هرمز يُصدّر النفط، وباب المندب يُحدد سعره، بـ"الابتزاز الأمني"، و"الاقتصادي"، و"الجيوسياسي". وبات هو الذي يُحدد سعر رغيف الخبز، وصفيحة البنزين والديزل. فمن تهديد الملاحة، إلى تهديد التجارة الدولية والسوق، إلى أمن قومي خليجي، لأنه ينطلق من تعطيل اقتصاد الخليج العربي إلى العالم كله، عبر اختطاف جزيرة صغيرة على المضيق.

من "ممر بحري" إلى سلاح "جيو-اقتصادي"

إن الصراع حول باب المندب، لم يعد مجرد صراع على سُفن تعبر البحر الأحمر، بل على كلفة مرور الاقتصاد العالمي نفسه. فالمعادلة الأخطر، ليست أن يُغلق المضيق، وإنما أن يصبح المرور فيه مُكلفًا وخطرًا، إلى درجة تدفع شركات الملاحة والطاقة إلى تغيير حساباتها.

هنا، تتحول الجغرافيا إلى سلاح. فكل موقع ساحلي قريب من الممر، وكل قدرة على رصد السفن أو تهديدها، يمكن أن تتحول إلى زيادة في التأمين، وطول في مسارات الشحن، وارتفاع في استهلاك الوقود، ثم إلى كلفة تنتقل من البحر الأحمر إلى الأسواق العالمية.

إن التطور الأهم في المعادلة الحالية، هو انتقال التهديد من استهداف السفن بالصواريخ والمسيّرات، إلى الاقتراب جغرافيًا من الممر نفسه، عبر مواقع ساحلية وجزر صغيرة. فامتلاك الموقع، لا يمنح فقط القدرة على الضرب، بل يُوسع القدرة على الرصد، والتهديد، ورفع كلفة الملاحة.

"الإغلاق الذي لا يحتاج إلى إغلاق"

لا يحتاج باب المندب إلى إغلاق كامل، كي يتحول إلى سلاح اقتصادي. يكفي أن ترتفع مخاطر العبور، بما يدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها.

فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، يُحافظ على استمرار التجارة، لكنه يُضيف المسافة، والوقود، والوقت، والتأمين. وبذلك، تتحول المواجهة العسكرية إلى تكلفة تتحملها شركات النقل، والأسواق، والمستهلكون.

السعودية في قلب المعادلة

تزداد حساسية المسألة بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، لأن أمن صادرات النفط، يرتبط بسلامة طرق التصدير وتعددها. وكلما ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، ازدادت أهمية البدائل، لكن البدائل نفسها أكثر كلفة، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات الكبرى.

لذلك، يتحول أمن الممرات البحرية إلى جزء من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي، وليس مجرد قضية ملاحة.

هرمز وباب المندب وأمن الطاقة

تتضاعف المخاطر عند ربط باب المندب بمضيق هرمز. فإذا كان هرمز بوابة رئيسية لخروج الطاقة من الخليج، فإن باب المندب هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والطريق إلى قناة السويس، وأحد أهم المسارات بين آسيا وأوروبا.

إن اضطراب المضيقين معًا، يعني الضغط على عقدتين رئيسيتين في شبكة الطاقة والتجارة العالمية، بما يرفع المخاطر على النفط، وسلاسل الإمداد، والتأمين، وتكاليف النقل.

من البحر إلى الأسواق

تبدأ الصدمة عسكرية، لكنها قد تنتهي اقتصادية: من تهديد الملاحة، إلى تغيير المسارات، وارتفاع الشحن، إلى التأمين والوقود، وصولًا لارتفاع تكلفة التجارة وضغوط تضخمية.

لهذا، فإن القوة في باب المندب، لا تُقاس فقط بالقدرة على ضرب السفن، بل بالقدرة على تغيير سلوك السوق.

عندما تُغيّر شركات الملاحة مساراتها، وترفع شركات التأمين أقساطها نتيجة ارتفاع المخاطر، وتُعاد حسابات تصدير الطاقة، تكون الجغرافيا العسكرية قد تحولت إلى نفوذ اقتصادي.

باب المندب، في هذه المعادلة، لم يعد مجرد مضيق. إنه نقطة تستطيع فيها قوة عسكرية محدودة جغرافيًا، أن تفرض تكلفة على اقتصاد يمتد لآلاف الكيلومترات.

نقلاً عن موقع المركزية... 

.

قد يهمك