في السطور التالية لستُ بصدد تحليل العلاقات الأمريكية الإيرانية بشكل عام لكن سأركز على العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في العراق وتحولاتها، وتطورات الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية ومآلاتها المتوقعة. حيث لم تكن يوماً علاقة واشنطن وطهران طبيعية مستقرة على منوال واحد؛ بل كانت على الدوام حالة من "تقاطع المصالح المؤقت" في محطات معينة، تلتها مواجهة مباشرة نتيجة طموحات إيران الإقليمية وبرنامجها النووي، وهو ما يفسر الصدام الحالي.
يمكن حصر تحولات العلاقات الأمريكية الإيرانية في عدة مراحل بدأت بمرحلة "تقاطع المصالح" خلال الفترة من 2003 إلى 2017. وفي هذه الفترة، التقت مصلحة واشنطن وطهران في ملفين رئيسيين داخل العراق هما إسقاط نظام صدام حسين 2003. حيث استفادت إيران بشكل مباشر من الغزو الأمريكي للتخلص من غريمها التقليدي، وسهلت صعود القوى السياسية الحليفة لها في بغداد. ثم الحرب ضد تنظيم داعش من سنة 2014 إلى 2017. فتنظيم داعش كان عدواً مشتركاً مهدداً للبلدين. والولايات المتحدة قادت التحالف الدولي جواً، بينما قادت إيران الفصائل المسلحة "الحشد الشعبي" براً. ورغم عدم وجود تحالف رسمي، كان هناك تنسيق ضمني غير مباشر لمنع سقوط بغداد بيد التنظيم.

ثم جاءت مرحلة خروج الصراع إلى العلن وتمدده من سنة 2018 إلى 2023. فبعد القضاء على داعش عسكرياً، انتهت المصلحة المشتركة وبدأ الصراع على النفوذ. واتبعت طهران استراتيجية هدفت إلى تحويل العراق إلى عمق استراتيجي ورئة اقتصادية للتنفس من العقوبات الأمريكية. كما عملت عبر فصائلها المسلحة على الضغط لإخراج القوات الأمريكية تماماً. وقد أدى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي سنة 2018 وتشديد العقوبات إلى دفع إيران لاستخدام الساحة العراقية كأداة للضغط العسكري ضد المصالح الأمريكية عبر الهجمات بالمسيرات والصواريخ على القواعد الأمريكية والتواجد الأمريكي في العراق بكل صوره.
ثم جاء اغتيال قاسم سليماني سنة 2020، حيث شكلت هذه الحادثة نقطة تحول جذري في العلاقات الأمريكية الإيرانية وفاتحة لحقبة جديدة، حيث تحولت الساحة العراقية إلى خط مواجهة شبه مباشر وتصاعدت حدة العداء بشكل غير مسبوق. لتحل مرحلة الصدام المباشر والمواجهة الشاملة التي نشهدها حالياً منذ 2024، وتحول إيران بمنظور الدولة الأمريكية إلى دولة معادية تتم محاربتها بكل السبل والأسلحة وعلى كل الأصعدة الآن، ويعود ذلك إلى جملة من التطورات الإقليمية المتسارعة بدأت بـ"طوفان الأقصى" و"وحدة الساحات" حيث انخرطت إيران عبر "محور المقاومة" الذي يضم فصائل عراقية ولبنانية ويمنية في مواجهة مفتوحة ضد إسرائيل والولايات المتحدة.
ثم ترافق ذلك مع هجمات مستمرة ومركزة على قواعد أمريكية في العراق وسوريا مثل استهداف "البرج 22".. ما جعل واشنطن تتخلى عن سياسة "الاحتواء" إلى سياسة "الرد العسكري المباشر"، واستهداف قادة الفصائل ومواقعها. علاوة على ذلك فإن التقدم الذي أحرزته إيران على صعيد التقنية النووية والتعاون العسكري الدولي مع روسيا والصين زاد من حدة المخاوف الغربية من وصول إيران إلى عتبة إنتاج السلاح النووي، بالتوازي مع تعميق تحالفها العسكري مع موسكو وتزويدها بالمسيرات والصواريخ لدعم جهودها في حربها مع أوكرانيا.. كذ هذا جعل من طهران تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي والأوربي، وليس مجرد منافس إقليمي في الشرق الأوسط تتوجس منه إسرائيل أو الدول العربية خطراً محدقاً.
تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ ثورة 1979 هو قصة تحول دراماتيكي من "التحالف الاستراتيجي الوثيق" في عهد الشاه إلى "العداء العقائدي والجيوسياسي المستمر". وعلى مدار ما يقرب من نصف قرن، اتسمت هذه العلاقة بالصراع الدائم، تخللته فترات قصيرة من الدبلوماسية السرية أو تقاطع المصالح المؤقت، لكنها في المجمل علاقة متوترة قلقة. ويمكن تقييم هذه العلاقة الممتدة لـ 47 عاماً بأن العقيدة السياسية الإيرانية كانت العداء لأمريكا باعتبارها "الشيطان الأكبر" في مقابل مراقبة وترقب وقلق أمريكي دائم واعتبار القبول بوجود نظام ثوري توسعي في طهران خطاً أحمراً للسياسة الأمريكية.
كذلك تميزت العلاقة وإدارة الصراع بـ"قواعد اشتباك" غير مكتوبة لتجنب حرب شاملة؛ حيث فضل الطرفان المواجهة عبر الوكلاء في منطقة رمادية وضربات "تحت الحزام" هنا وهناك. إلا أن هذه القواعد تآكلت بشكل خطير بحلول عام 2026. وقد استطاعت العقوبات الأمريكية في خنق الاقتصاد الإيراني وإبطاء طموحات طهران، لكنها فشلت في تغيير سلوك النظام أو دفعه للتخلي عن مشروعه الإقليمي والنووي. كذلك استغلت إيران الأخطاء الاستراتيجية الأمريكية مثل غزو العراق 2003 والانسحاب من أفغانستان 2021 لبناء نفوذ ممتد من طهران إلى بيروت "الهلال الشيعي" الداعم والمستعد دوما لإيلام أمريكا وحلفائها الإسرائيليين والعرب على السواء.
علاوة على ذلك، فتاريخ العلاقة يثبت أن البلدين عاجزان عن التوصل إلى "سلام دائم" بسبب تضارب الرؤى العقائدية والجيوسياسية. وعاجزان في الوقت ذاته عن خوض "حرب شاملة مدمجة" تفادياً لكلفة لا يطيقها الطرفان. واليوم نحن أمام ذروة الصراع في محاولة من واشنطن لفرض ردع عسكري حاسم لمنع طهران من حيازة السلاح النووي، وتفكيك شبكة نفوذها الإقليمي، ومنعها من تهديد جيرانها لعقد أو عقدين قادمين. كما دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة كسر عظم غير مسبوقة تآكلت فيها "قواعد الاشتباك" التقليدية. ويمكن حصر التوقعات لما تبقى من مواجهة خلال هذا العام 2026 في ثلاثة مسارات رئيسية تبدأ بالمسار الأكثر ترجيحاً، وهو الدفع باتجاه حافة الهاوية، وتدحرج الصراع باتجاه المزيد من التصعيد دون الانزلاق إلى غزو شامل، لإبقاء إيران تحت ضغط اقتصادي وعسكري هائل ودفعها إلى تقديم تنازلات كبرى، مع استمرار الضربات الإسرائيلية والأمريكية المركزة ضد المنشآت الحيوية وفصائل إيران في العراق واليمن ولبنان، مع ردود إيرانية مدروسة عبر الصواريخ والمسيرات لتجنب رد ساحق.
هذا دون استبعاد سيناريو "الانفجار الشامل". فقد يخرج الصراع عن السيطرة نتيجة حسابات خاطئة أو تجاوز الخطوط الحمراء مع وصول إيران إلى عتبة إنتاج السلاح النووي، أو قيامها بضربة توجع عمق المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية بشكل غير مسبوق فتكون النتيجة شن حملة جوية وصاروخية مدمرة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدف المفاعلات النووية، وموانئ تصدير النفط، ومراكز القيادة في طهران، فيما تغلق إيران مضيق هرمز وتستهدف القواعد الأمريكية في الخليج وإسرائيل بشكل جماعي بشكل مباشر وعبر كافة وكلائها.
والأرجح من وجهة نظري أن نشهد "صفقة كبرى مباغتة" من الطرفين مدفوعة بوطأة الانهيار الاقتصادي الإيراني الداخلي والإنهاك العسكري لوكلائها، يقابله إنهاك عسكري أمريكي إسرائيلي وضغوط اقتصادية عالمية بحيث يتضمن هذا الاتفاق قيوداً صارمة على البرنامج النووي، ووقف دعم الفصائل الإقليمية، مقابل رفع للعقوبات وضمانات أمنية لبقاء النظام.
منبر الرأي
منبر الرأي