على ما يبدو أن حرب الممرات والمضايق البحرية أصبحت فرس الرهان على تحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية المقبلة، بعد أن أصبحت مشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد أن استولت جماعة الحوثيين (أنصار الله) باليمن على مضيق باب المندب، مما يهدد بتعطيل التجارة العالمية في هذا الممر الحيوي، والذي تقدر فيه حركة التجارة للتصدير بنحو 12% من التجارة العالمية، في حين أن مضيق هرمز يستحوذ على 20% من نصيب التجارة العالمية.
وتحولت ورقة الممرات البحرية التي يتم التلاعب بها جيوسياسيًا وتستهدف تحقيق العديد من الطموحات والمكاسب السياسية والاقتصادية، سواء في منطقة الخليج العربي أو في البحر الأحمر.
والفزاعة الجديدة تتوزع فاعلها بحيث تتقاطع مع مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة، وتتشابك خيوطها بين إيران وواشنطن والفاعلين الإقليميين، ويمكن تفكيك القوى المستفيدة من هذه الممرات وهذه الفزاعة لثلاث دوائر رئيسية تشمل كلًا من إيران، حيث تعد طهران الداعم والراعي الأساسي لجماعة أنصار الله الحوثيين، حيث توظف الحركة كأداة نفوذ مباشرة لحساباتها الإقليمية، بتحويل باب المندب لنقطة ضغط تتيح لإيران إرسال رسالة مفادها أنها قادرة على تهديد حركة التجارة العالمية ورأس المال الغربي دون الدخول في مواجهة مباشرة، فضلًا عن استخدام الملف البحري كأداة مساومة لرفع سعر التفاوض في الملفات الإقليمية والنووية مع أمريكا والغرب، وربط نفوذها في الخليج العربي عبر مضيق هرمز بالنفوذ في البحر الأحمر عبر باب المندب.
وعلى الرغم من أن التهديد الحوثي في البحر الأحمر يؤدي لتعطيل سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الصين، بما يهدد شريانها التجاري، فضلًا عن أن سيطرة الحوثيين على ممر باب المندب تؤدي لأضرار اقتصادية مباشرة على حلفاء واشنطن، وهو ما يضغط على استقرار المنطقة وحركة التجارة، لذلك نجد واشنطن متهمة بتوظيف هذا الخطر كوسيلة لتأمين مصالح استراتيجية أوسع، تضمن عسكرة وتدويل البحر الأحمر، واستخدام الخطر الحوثي كغطاء سياسي وقانوني لإقامة تحالفات بحرية دائمة مثل حارس الازدهار، وزيادة التدخل العسكري بالقرب من الساحل الأفريقي وباب المندب.
وعلى ما يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تتجه في استغلالها لإدارة التهديد القائم لتبرير تواجدها العسكري وضمان عدم انفراد أي قوة منافسة بالمنطقة، مع إبقاء الضغط ممتدًا على دول البحر الأحمر لتظل ضمن المنظومة الأمنية لواشنطن.
كما أن واشنطن لا تسعى لإنهاء خطر الحوثيين كليًا، بل تجدهم مفيدًا لتحقيق عدة أهداف استراتيجية طويلة المدى، تشمل إضفاء المشروعية على التدويل العسكري للبحر الأحمر، حيث تتيح الهجمات البحرية لواشنطن مبررًا قويًا لبناء تحالفات عسكرية متعددة الجنسيات وزيادة وجودها العسكري الدائم.
ويتضح من إعادة مخاطر الحوثيين التذكير بالمعادلة التقليدية (الأمن مقابل الشراكة الاستراتيجية) مع واشنطن، حيث من الواضح اكتفاء أمريكا بضربات استعراضية ضد منصات الإطلاق للحوثي دون ضرب البنية التحتية القيادية للسيطرة أو التنسيق لإسقاط الحركة نهائيًا، بما يفسر ذلك على أن رغبة الإبقاء على ميزان القوى قائمًا دون حسم لحاجة في نفس السياسة الأمريكية.
وربما تكون الفزاعة مبالغًا في تحديد قدرة أمريكا على المواجهة التي قد تستنزفها اقتصاديًا، وربما تمثل لها أزمة حقيقية، حيث إن نزيف الردع باستخدام صواريخ دفاعية بمليارات الدولارات لإسقاط مسيرات حوثية رخيصة الثمن يشكل معادلة استنزاف مالي وعسكري لا يصب في مصلحة واشنطن، خاصة مع تركيزها الأساسي على منافسة الصين في المحيطين الهندي والهادي.
كما أن عجز الترسانة البحرية الأمريكية عن شل حركة جماعة مسجلة بشكل كامل كمنظمة إرهابية يضر بشرعية أمريكا كحارس للأمن التجاري العالمي، ويشجع قوى إقليمية ودولية أخرى على تحدي قواعد اللعبة الأمريكية.
وعدم القضاء على الحوثيين لا يعود لرغبة في استباقهم متواجدين على الأرض، بل لإدراك واشنطن أن القضاء عليهم يتطلب تدخلًا بريًا واسع النطاق في اليمن، وهو خيار مكلف سياسيًا وبشريًا، وتخشى واشنطن من التورط فيه مجددًا، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
في حين أن الحوثيين يتطلعون لاستخدام أيديولوجية محلية وإقليمية مرتبطة بالتحالف مع إيران، ولذلك يرون أن ضرباتهم جاءت ضمن سياق صراع إقليمي أوسع، لكنها تستغل الفرصة بدلًا من خوض حرب شاملة ومكلفة، وبالتالي تنعكس استفاداتهم بشكل مباشر من لعب دور الفزاعة في هذا الممر الحيوي بالبحر الأحمر، من تصوير المعركة على أنها مواجهة مباشرة مع واشنطن وإسرائيل، بما يمنح الجماعة شرعية شائعة في الداخل اليمني والإقليمي، ويغطي على الأزمات الاقتصادية والمعيشية في مناطق سيطرتها.
كما أن التهديد التجاري يبرز الجماعة كفاعل إقليمي لا يمكن القضاء عليه بالطلعات الجوية العسكرية التقليدية، مما يدفع الأطراف الدولية إلى التعامل معها كواقع قائم.
وإذا كانت على الجبهة الثالثة التي تقف فيها الدول المشاطئة للبحر الأحمر كطرف متضرر من تحويل المنطقة إلى ساحة استعراض للقوة، مما يستلزم أن تفرض سيطرتها الأمنية على الممر البحري دون تدخل دولي لحماية مصالحها الاقتصادية، بدلًا من أن تقف شاهدًا على ما يدور حولها، وحتى لا يتم التلاعب بها مستقبلًا.
فضاءات الفكر