تُعيد مشاهد الشلل المروري والدمار المتكرر على معابر العاصمة الأوكرانية كييف إلى الأذهان التكتيكات العنيفة المنسوبة للجنرال سيرغي سوروفيكين، المعروف بـ "الجنرال هرمجدون"، والتي تركز على شل البنية التحتية ونقل كلفة الحرب مباشرة إلى قلب الحياة اليومية للمواطنين.
تنفذ القوات الروسية منذ بداية شهر أكتوبر، استهدافاً منتظماً بطائرات مسيرة لجسور نهر "دنيبرو"، مما يضع الأوكرانيين أمام واقع معيشي ضاغط ومعاناة يومية متفاقمة لتأمين أبسط احتياجات التنقل والوصول إلى مراكز العمل والخدمات.
تهدد الهجمات الروسية المستمرة على جسور كييف قدرة السكان على التنقل وإدارة حياتهم داخل العاصمة.
ويُشكل نهر "دنيبرو" الفاصل الطبيعي الذي يقسم المدينة إلى شطرين، ففصله للمنازل عن أماكن العمل، والشركات عن عملائها، يلقي بظلاله على المشهد الميداني. وعند إغلاق هذه المعابر، تطول أوقات الرحلات، وتتأخر عمليات تسليم البضائع والخدمات، وتُجبر حركة المرور على الالتفاف نحو طرق بديلة غير مجهزة لاستيعاب هذا الضغط.
نمط الضربات وتكتيك "عدم اليقين" تجسد هذا التصعيد عبر إغلاق ثلاثة جسور رئيسية كلياً أو جزئياً في الثاني من أكتوبر، أعقبه بأيام استهداف ألحق أضراراً بالجسر الشمالي، مما أدى إلى إطالة أمد التعطيل. كما تعرض الجسر الجنوبي لضربات متتالية، بما في ذلك هجوم استهدفه بينما كان مغلقاً بالفعل ومعداً للصيانة.
وبحسب تقرير تحليلي لموقع "Frontlineradar" المتخصص بالدراسات والنزاعات الدولية، فإن تكرار الضربات خلال عمليات التقييم يُعطل أعمال الإصلاح ويستلزم جولات فحص جديدة، مما يجعل الجسر قائماً من الناحية الهيكلية لكنه غير موثوق للاستخدام. وتكبد حالة عدم اليقين هذه المدينة تكلفة باهظة في حركة النقل والخدمات.
الضغط المركّب على البنية التحتية يتجاوز أثر هذه الحملة موقع الاصطدام المباشر؛ فالمركبات التحويلية وفقاً للتقرير تخلق اختناقات مرورية حادة على الطرق غير المتضررة. كما أن تقييم هذه الحملة بناءً على انهيار جسر منفرد يُغفل الصورة الكبرى للتعطيل الناجم عن الإغلاقات المتكررة.
إذ تتزامن هذه الضربات مع تصريحات وزارة الدفاع الروسية حول استهداف منشآت أخرى كاستهداف محطة توليد كهرباء مجاورة وميناء إزمايل وسفن شحن.
وبالنسبة لأوكرانيا، فإن هذا الضغط المشترك المتزامن على النقل والكهرباء والاتصالات يُعطل التعافي السريع نظراً لتشابك هذه القطاعات وحاجتها المتبادلة للطاقة ووصول فرق الصيانة إلى مواقعهم.
رغم هذه الضغوط، فإن ازدحام المرور وإرباك الحركة المدنية لا يثبتان توقف نظام الإمداد العسكري الأوكراني، إذ يستلزم ذلك أدلة موثوقة حول التحركات الميدانية للجيش ومدة القطع التام.
وتكمن جاذبية هذه الحملة بالنسبة لموسكو في نقل آثار الحرب إلى الحياة اليومية بعيداً عن الجبهات؛ غير أن المعاناة الشعبية لا تؤدي تلقائياً إلى استسلام سياسي، بل قد تعزز، بحسب مراقبين، العداء تجاه الطرف المنفذ للهجمات.
ويرتبط معيار نجاح هذه الحملة بمدى استمرار إغلاق المعابر وسرعة عودة الحركة واستدامة الأثر الاقتصادي؛ وحتى الآن، جعلت موسكو التنقل في كييف أكثر صعوبة، لكنها لم تجعل إدارة العاصمة مستحيلة، كما لم تُجبر أوكرانيا على تقديم تنازلات.
وفي الإطار ذاته، كشف مسؤولون أمريكيون وأوكرانيون لموقع "أكسيوس"، أن المبعوثين الرئاسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيلتقيان بمفاوضين أوكرانيين ومسؤولين أوروبيين في ميامي، اليوم الجمعة، لطرح "أفكار ومقترحات جديدة" بهدف كسر الجمود في الحرب الروسية الأوكرانية.
وتأمل إدارة ترامب في التوصل إلى اختراق دبلوماسي قبيل انتخابات التجديد النصفي، وقبل أن تضرب أحوال الطقس الشتوي القاسية أوكرانيا.
وتتمثل إحدى الأفكار في التوصل إلى وقف جزئي لإطلاق النار يوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة وشحنات الحبوب؛ وفي حين أبدت أوكرانيا استعدادها لاتخاذ هذه الخطوة، لم تظهر روسيا سوى القليل من الاستعداد لذلك.