بث تجريبي

حوار .. د. سعدي الأسلمي: السعودية ومصر أمام مرحلة جديدة من التنسيق لمواجهة التحديات الإقليمية

في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، تعكس زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر عمق الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة والرياض، وقدرة البلدين على تنسيق المواقف تجاه التحديات المتصاعدة في المنطقة، وذلك في ضوء مخرجات لقاء القمة الذي جمعه اليوم مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

ويؤكد الدكتور سعدي الأسلمي، عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية، في حوار لموقع "المبادرة"، إن الزيارة تحمل دلالات سياسية وأمنية واقتصادية مهمة، في ظل التهديدات التي تواجه أمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية، إلى جانب أزمات غزة واليمن والسودان.

ويشير الأسلمي إلى أن العلاقات المصرية السعودية تجاوزت إطارها التقليدي، لتتحول إلى شراكة قائمة على مصالح استراتيجية متشابكة، فيما يمثل تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي بين البلدين عاملاً مهماً في دعم الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحولات المتسارعة.

وإلى نص الحوار:

*كيف تقرأ زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر في هذا التوقيت الإقليمي شديد الحساسية؟

- الزيارة تأتي في توقيت مهم للغاية، في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة ومتداخلة، سواء فيما يتعلق بأمن الخليج أو البحر الأحمر أو الملاحة الدولية، فضلاً عن الأزمات في غزة واليمن والسودان. وبالتالي فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة تؤكد أهمية التواصل والتنسيق المستمر بين المملكة ومصر، باعتبارهما دولتين محوريتين في المنطقة، وتمتلكان من الثقل السياسي والاستراتيجي ما يؤهلهما للمساهمة في التعامل مع مختلف التحديات.

*إلى أي مدى تعكس الزيارة عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين القاهرة والرياض؟

- العلاقات المصرية السعودية تقوم على أسس تاريخية راسخة، ولم تكن في أي وقت مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية، وإنما ارتبطت دائماً بمصالح استراتيجية مشتركة. وما نشهده اليوم يؤكد أن هذه العلاقات تتطور بصورة مستمرة، خصوصاً في ظل إدراك البلدين أن التنسيق بينهما يمثل عاملاً أساسياً في حماية المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار العربي. كما أن التواصل المباشر بين قيادتي البلدين يمنح هذه العلاقة زخماً سياسياً مهماً.

*البيان المصري بشأن اللقاء أكد أن أمن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، يمثل أهمية كبيرة بالنسبة إلى القاهرة.. كيف تقرأون هذه الرسالة؟

- هذه رسالة شديدة الأهمية، لأنها تعكس إدراكاً مصرياً لطبيعة الترابط بين أمن دول المنطقة. فالأمن الخليجي لا يمكن فصله عن أمن البحر الأحمر، كما أن أي اضطراب في هذه المناطق يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية. ومن هنا فإن التأكيد المصري على أمن المملكة ودول الخليج يؤكد أن القاهرة تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها جزءاً من منظومة أمن إقليمي مترابطة.

*في ظل التطورات المتعلقة بمضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، هل يمكن أن نشهد مستوى أكبر من التنسيق الأمني والسياسي بين القاهرة والرياض؟

- بالتأكيد، لأن طبيعة التحديات تفرض مزيداً من التشاور والتنسيق. مصر والسعودية تمتلكان موقعاً مهماً في معادلات أمن البحر الأحمر والخليج، وأي تهديد للملاحة أو لأمن الطاقة ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول التي تقع فيها هذه الممرات. ولذلك فإن التنسيق بين القاهرة والرياض يمكن أن يساهم في بلورة مواقف عربية أكثر تماسكاً، وفي التعامل مع التحديات وفق رؤية مشتركة.

*ماذا عن القضية الفلسطينية؟ وما الذي يمكن أن تضيفه الشراكة المصرية السعودية في هذا الملف؟

- القضية الفلسطينية تمثل أحد الملفات الرئيسية التي يوجد بشأنها توافق واضح بين القاهرة والرياض. والبلدان يؤكدان باستمرار ضرورة الوصول إلى حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، والتمسك بحل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، إلى جانب أهمية وقف التصعيد وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. والتنسيق المصري السعودي في هذا الملف مهم، لأن البلدين يمتلكان تأثيراً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً يمكن توظيفه لدعم المسار السياسي.

*السودان أيضاً من الملفات التي تجمع بين القاهرة والرياض.. كيف تنظر إلى تطابق المواقف بين البلدين تجاه الأزمة؟

- السودان يمثل قضية استراتيجية بالنسبة إلى المنطقة العربية، واستقراره يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر ودول الجوار. ولذلك فإن وجود توافق مصري سعودي حول أهمية الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية يمثل نقطة مهمة. كما أن البلدين لديهما مصلحة مشتركة في دعم الاستقرار ورفض أي مسارات تؤدي إلى تفكك الدولة السودانية، لأن استمرار الأزمة ستكون له تداعيات إنسانية وأمنية وسياسية واسعة.

*على المستوى الاقتصادي، هل تعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال العلاقات المصرية السعودية إلى مستوى أكبر من التكامل الاقتصادي والاستثماري؟

- أعتقد أن هناك فرصاً كبيرة في هذا المجال، خصوصاً أن حجم الاقتصادين المصري والسعودي والإمكانات الموجودة لدى البلدين يسمحان بتوسيع نطاق التعاون. وهناك مجالات متعددة يمكن أن تشهد مزيداً من الاستثمارات والشراكات، سواء في الصناعة أو الطاقة أو البنية التحتية أو السياحة وغيرها. وتعزيز المصالح الاقتصادية يمنح العلاقات الثنائية قاعدة أكثر استدامة، ويجعل الشراكة قائمة ليس فقط على التوافق السياسي، وإنما أيضاً على مصالح اقتصادية مباشرة ومتبادلة.

*كيف عكست هذه الزيارة تجاوز العلاقات المصرية السعودية الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية؟

- نعم، وهذا أحد أبرز مؤشرات أهمية هذه الزيارة. العلاقة بين القاهرة والرياض أصبحت تقوم على شبكة واسعة من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. كما أن البلدين يدركان أن المرحلة الحالية تحتاج إلى شراكات عربية قوية وقادرة على التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية. ولذلك فإن قوة العلاقات المصرية السعودية تمثل عاملاً مهماً في تعزيز قدرة البلدين على مواجهة التحديات وفتح آفاق جديدة للتعاون.

*في النهاية، ما الرسالة الأبرز التي تحملها زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في تقديركم؟

- الرسالة الأساسية هي أن القاهرة والرياض متمسكتان بالشراكة الاستراتيجية وبضرورة استمرار التنسيق في مواجهة التحديات. فالمنطقة تمر بمرحلة دقيقة للغاية، وهناك أزمات متزامنة تمس الأمن والسياسة والاقتصاد والملاحة والطاقة. وفي هذا السياق، فإن استمرار التشاور بين مصر والسعودية لا يخدم مصالح البلدين فقط، وإنما يمثل أيضاً دعماً للاستقرار العربي والإقليمي. وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من العمل على تحويل هذا التوافق السياسي إلى تعاون عملي ومشروعات ومواقف مشتركة تعزز مكانة البلدين وتأثيرهما في المنطقة.

قد يهمك