مرت 46 عاماً. ولكن في صباح 12 أيلول 1980، اليوم الذي خرجت فيه الدبابات إلى الشوارع، لم يُكسر مصير تركيا مرة واحدة، بل أربع مرات. في ذلك اليوم استولى مجلس الأمن القومي المؤلف من رئيس هيئة الأركان العامة القائد الجنرال كنعان إيفرن وقادة القوات المسلحة على السلطة، وبرروا ذلك بـ "الصراع بين اليمين واليسار، والأزمة الاقتصادية، وعدم الاستقرار السياسي". لكن 12 أيلول لم يكن عملية لإطفاء حريق. بل على العكس، كان مشروع "بناء" تركيا وفق نموذج التركي الإسلامي. وقد دفع ثمن هذا المشروع بأفدح الطرق الشعب الكردستاني والطبقة العاملة والشباب وأصحاب الفكر المعارض.
أحمد حسن الكاتب السياسي
لقد ترك الانقلاب وراءه حصيلة مروعة. ووفقاً للأرقام الرسمية تم احتجاز 650 ألف شخص، وحوكم 240 ألف شخص في المحاكم العسكرية. وتمت فهرسة ما يقارب 1 مليون و683 ألف إنسان بسبب أفكارهم. أي أن واحداً من كل 20 شخصاً دخل القائمة السوداء للدولة. وطُلب حكم الإعدام لأكثر من 7 آلاف شخص، وحُكم بالإعدام على 520 شخصاً، وأُرسل 50 شخصاً إلى حبل المشنقة. وتحولت السجون إلى مراكز للتعذيب. فقد أكثر من 300 إنسان حياتهم نتيجة التعذيب، وأُصيب الآلاف بعاهات مستديمة. وجُرد 14 ألف شخص من الجنسية، وفُصل 30 ألف شخص من وظائفهم بتهمة "غير مرغوب فيه". وأُغلقت 23 ألف جمعية، وحُظر الآلاف من الكتب والأفلام والأعمال الفنية والثقافية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات. إنها رياضيات الانقلاب العسكري والمنفى والصمت التي طبعت في ذاكرة جيل بأكمله.
ولكن لماذا تم التدخل بهذه القسوة؟ لأن تركيا في سبعينيات القرن الماضي كانت في قلب أزمة ثلاثية. من جهة كانت هناك حركة العمال المتنامية منذ 15 و16 حزيران، والشباب الثوري الذي نزل من الجامعات إلى المدارس الثانوية، والصحوة القومية في كردستان مع تأسيس حزب العمال الكردستاني في 27 تشرين الثاني 1978. ومن جهة أخرى كانت برامج 24 كانون الثاني 1980، أي الاقتصاد النيوليبرالي، تواجه مقاومة مجتمعية. وعلاوة على ذلك، في خضم الحرب الباردة، ومع هزات ثورة إيران 1979 وغزو أفغانستان، كان توازن الشرق الأوسط مضطرباً. وبالنسبة للولايات المتحدة وحلف الناتو كان من غير المقبول أن تخرج تركيا "القلعة المتقدمة" عن السيطرة. لذا تم تنفيذ 12 أيلول لحل هذه الأزمات الثلاث في وقت واحد. لم يكن هدفه "القضاء على الإرهاب" بل إعادة تصميم الدولة والاقتصاد والمجتمع بما يخدم مصالح رأس المال العالمي.
وكان التجلي الأشد إيلاماً لذلك في كردستان. صنف العسكريون الصحوة القومية في كردستان على أنها "انفصالية". وتحول سجن ديار بكر رقم 5 إلى مختبر لهذه السياسة. وتأسس فيه التعذيب المنهجي والإنكار والاستيعاب كمؤسسات. وبعد إغلاق المجال السياسي القانوني تماماً، لجأت الحركة الكردية في عام 1984 إلى الريف والكفاح المسلح. أي أن الانقلاب دفع ما كان يحاول قمعه إلى أرضية أكثر راديكالية. وبعد 12 أيلول تم التعامل مع المسألة الكردية لمدة 40 عاماً باعتبارها "مشكلة إرهاب". وظلت السياسة المدنية وحق اللغة وإرادة البلديات تُقرأ دائماً من منظور أمني. وهذا العقل مستمر حتى اليوم، لأن تركيا لا تزال تُدار بدستور 1982.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كان 12 أيلول هو الدرك الذي حرس قرارات 24 كانون الثاني. انتهى اقتصاد استبدال الواردات، وحل محله نموذج نيوليبرالي منفتح على الخارج قائم على التصدير. ولكن لكي يعمل هذا النموذج كانت هناك حاجة إلى "قوة عاملة منضبطة ورخيصة". ولهذا السبب تم إغلاق اتحاد نقابات العمال الثوريين ديسك وحُظرت الإضرابات وتم تقليم أظافر النقابات. وتم قمع الأجور حتى تكون البضائع التركية رخيصة في السوق العالمية. وهكذا بدأت دورة الديون والأزمات وصندوق النقد الدولي التي عادت لتظهر مرة أخرى في أعوام 1994 و2001 و2018. إن التضخم المرتفع الذي نعيشه اليوم والعجز في الحساب الجاري ونظام العمل غير الآمن قد كُتبت شفراته في ذلك اليوم.
وفي المجال القانوني دخل "أعظم إنجازات" كنعان إيفرن وهو دستور 1982 حيز التنفيذ. قال هذا الدستور إن "بقاء الدولة فوق حرية الفرد". وتم بتر الحقوق والحريات الأساسية بشرط "وحدة لا تتجزأ". وبمؤسسات مثل مجلس التعليم العالي ومجلس الأمن القومي والمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون تم منح الوصاية العسكرية والبيروقراطية على السياسة ضمانة دستورية. وتم تجريد المجتمع من السياسة. وعلى الرغم من مرور 46 عاماً و3 تعديلات دستورية كبرى، لا يزال هيكل دستور 82 قائماً. لأن هذا الهيكل يمنح الدولة سلطات غير محدودة في أوقات الأزمات.
ولكن الانكسار الأكثر استراتيجية والأقل حديثاً في 12 أيلول حدث في المجال الأيديولوجي. منذ عام 1923 كان الكود التأسيسي للدولة هو "القومية التركية العلمانية". وقد بدأ 12 أيلول أول انقطاع كبير عن هذا الكود. احتاج الانقلابيون إلى مونة أيديولوجية جديدة من أجل مكافحة الشيوعية وتحقيق نتائج في كردستان. وكان الجواب هو التركي الإسلامي. وبموجب دستور 1982 أصبح درس الثقافة الدينية والأخلاق إلزامياً، وتم تشجيع مدارس الأئمة والخطباء، وتوسعت رئاسة الشؤون الدينية. ولم تعد الدولة تقول "تركي" فقط، بل أضافت إليها "مسلم". وهكذا تمت رسملة نموذج الإسلام السياسي وإضفاء الشرعية عليه لأول مرة من قبل الدولة. بينما كان 12 أيلول يحاول قمع الشيوعية والحركة الكردية، أسس بدلاً من ذلك محوراً أيديولوجياً جديداً سيستمر 40 عاماً. وتشكلت كل السياسة من حزب الرفاه في التسعينيات إلى حزب العدالة والتنمية في الألفينات على هذا المحور.
وفي الختام ترك 12 أيلول 1980 أربعة إرثات في وقت واحد. العقل الأمني للدولة في كردستان، والنيوليبرالية القمعية في الاقتصاد، والدستور الوصائي في القانون، والتركي الإسلامي في الأيديولوجيا. لم تكن هذه الأركان الأربعة مستقلة عن بعضها. فقد تم تصميمها جميعاً باسم "الاستقرار" من أجل إسكات المعارضة المجتمعية وكسر الحركة الطبقية وإعادة بناء الدولة على أساس نموذج التركي الإسلامي والانعكاس التوسعي العثماني الجديد.
انظر اليوم إلى الأسلوب الأول الذي يتم اللجوء إليه في كل أزمة نعيشها في تركيا. إذا تعطل الاقتصاد صندوق النقد الدولي، وإذا انسدت السياسة القضاء والأمن، وإذا كان هناك شرخ في المجتمع الدعوة إلى "الوحدة الوطنية". إن مصدر كل هذه الانعكاسات هو 12 أيلول والدستور المناهض للديمقراطية والفاشي الذي تركه الانقلاب.
لقد تكونت قشرة على الجرح ولكن الالتهاب في الداخل لا يزال قائماً. ما لم يتم تصفية حساب 12 أيلول الحقيقي، وما لم يتغير دستور 82، وما دامت المسألة الكردية تُقرأ بالعقل الأمني، وما لم تتغير وصفات الأزمة الاقتصادية، فلن تتمكن تركيا من الخروج من هذه الدائرة.
لأن 12 أيلول لم يكن مجرد انقلاب. كان شهادة ميلاد تركيا الجديدة للتركي الإسلامي.